مرايا بلاظلال
أمام المرآة جلست ترمّمُ ماخطّه الزمن..
فالجميلاتُ يحملهن قطارُ السعد.
يمرّ القطارُ سريعًا؛ يبعثرُ ما على وجهها من مساحيق.
م.سمر محمدعيد / سوريا


من ذاكرة الفيس قراءة باذخة للناقد القدير

 د. Hamed Hajji 

في نص تحت المجهر..

ويبقى العطاء الجميل الباذخ خالدا في الذاكرة..

--------------------------------------------------


قراءة ووجهة نظرـــــــــــــ جماليات تفريغ الذاكرة في الفضاء النصي ــــــــــــ

النقد : د/أ. حمد حاجي 

النص :

****

مرايا بلا ظلال

الجميلاتُ يحملهُن قطارُ السعد..

أمام المرآةِ جلستْ ترمِّمُ ماخطَّه الزمنُ .. 

يمرُّ القطارُ سريعًا،

يبعثرُ ما على وجهها من مساحيقَ ..

***

مقدمة : 

ــــــــــــــــــ

موضوع العنوسة بالادب أعتقد أن الباحثين الاجتماعيين هم الذين يهتمون بالجانب الوصفي التحليلي لسبر اغواره والاهتمام بتفاصيله ، أما انعكاسات مشكلة العنوسة وتأخرات سن الزواج وأهم تداعياتها على الذات الفردية والجمعية والاحاطة بها ضمن شبكة علاقاتها مع الآخر فانها من صميم الادب بل هي من مهمات المبدع الذي يلتقطها ويعيد إنتاجها عبر صياغة أدواته الفنية واستجلاء مخزونه المعرفي النفسي الاجتماعي.

وفي هذا الإطار يمكن قراءة النص المطروق بين جدلية الذات والحرية والمساواة والحب والتقدم و الصراع الاجتماعي و صراع الأجيال ..او ايضا بين طرق باب الجسد عند المرأة حاجات واهتمامات من ناحية وتجاوز الجسد/ ارهاصاته إلى النفس وعذاباتها ، و ملامسة أسباب المشكلة من ناحية اخرى ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اولا : جماليات تفريغ الذاكرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ان تفريغ الذاكرة يعتمد قيام الراوي على نمط من السرد المتناوب..بحيث يكون الانتقال من خلال فعل الذاكرة الفردية لشخصية النص:

1- لبناء المشاهد الحية وتحريك الافعال وخلخلتها عن دوائر السكون..

نجد بالنص مجموعة من الافعال الحركية [ في تعريف الزمن بأنه عدد الحركات الحاصلة "قبل" أو "بعد" ] ومن خلال سطوة الجسد [ الزمن "الموضوعي" أي الزمن الذي اكتملت فيه حكاية القصة هو سنين العمر الهاربة ]..

2- توظيف عين الكاميرا بين ازمنة وامكنة متعددة دونما التزام بنسق خطي متصاعد للسرد..

وهذا نجده في [ الاستفادة من "الزمن الموضوعي" واشباعه بالأحداث والشخصيات والأفعال والصراعات مع الذات في مختلف ومتعدد الأمكنة.. ]

3 - بناء حلزوني للنص على شاكلة بنية المتاهة والنسخ الميتاسردي للحكاية .وذلك من خلال: [..انتقاء المادة التي لا تتطلب فهماً واسعاً للماضي اي الاتكاء على " مفهوم الزمن الدرامي..." ]

4- اعتماد لعبة سردية تنهض على اساس نسخ الحكايات واعادة سردها بطريقة معاكسة.. على اعتبار ان صاحب النص متمكن من الرؤية المفاهيمية للقصة القصيرة جدا اذ هي : 

[ القصة القصيرة جداً لا تحتمل في بنيتها السردية ما يسمى بـ "الاستباق"، وهو عملية سردية تتمثل بالإتيان بحدث أو أكثر، وهو عملية معاكسة للاسترجاع، فلا جدوى ولا حاجة للاسترجاع والاستباق عنصري السردية خاصة في بنية القصة القصيرة جداً، وانما ياتيان فقطونادرا في اطار ضرورة التكثيف].

نحس بسطوة الجسد وإدراك العانس بها منذ الأسطر الأولى ، ونحس بمحاولاتها " الواعية " بتحاشي ضغط النظر الى الجسد الانثوي ولعل أحسن طريقة تكون بالهروب من النظر إليه في المرآة ...

وبالرغم من ذلك فلا محيص من ان يظل السيف المسلول على رقبة الانثى والسوط الذي يلهبها ويجبره على التفكير بوضعية المرأة /الأرمل .. لذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )

فهي تتخيل زوجا / خاطبا : يجلد ذاتها ..

** ممكن ان يكون الواقف بالباب الطالب ليدها [الأرمل ] حتى وان كان يشكل الحل لازمة الجسد عندها فلا أظنه يكون مستعدا للزواج منها.. 

لذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )

** حل أخرتهرب من واقعها وتدفن وجهها في الوسادة وتفكر في فشلها في الزواج من رجال رشحتهم ليكون أحدهم زوجا لها وهذا يستدعي جملة قبلها استهلالية 

لذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )

** وهنا يتداعى إلى ذهنها ارهاصات مجتمعية من مثل [..وفاة والديها /زواج اخوتها الواحد تلو الآخر/ اضطرارها للبقاء حارسة للذكرى حين تخلى الآخرون عنها وفكروا في أنفسهم ].عند هذه النقطة يكون لزاما ذكر العنصر ولذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )

** ربما عدم تفويت الفرصة فتذهب لمقابلة احدهم لكنها بين هروبها منه ومقابلته تستغرق وقتا جعله يقتنع بأنها لا تصلح زوجة له .. لذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )

** وربما يتحول جمالها او قبحها والذي من المفروض أن يكون ذريعة للرجل كي يتعرف إليها ويتزوجها يتحول إلى سبب لإعلان تخليه وانسحابه عن المشروع الزواج لتعود إلى جسدها وتتعايش مع نحيب جسدها فكان من المؤكد ورود الجملة .. لذلك كان لا بد من وجود عبارة (الجميلات يركبن قطار السعد )


ثانيا: تذويت اللغة في الفضاء النصي 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 اللغة الذاتية/ تذويت اللغة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اشتغل صاحب النص على اللغة الذاتية والعبارة الباطنة وذلك من منظور رؤيوي ثابت :

1- اعتمد الكاتب في نصه على التكثيف اللغوي والصوري حيث اشتغل على اللغة بمهنية دقيقة لينضج نصه بالملفوظ اللغوي متماهيا مع الجرس الموسيقي للمفردة وانزياحا لجمالية العبارة بعيدا عن مواطن ومواطئ الضعف والمباشرتية بالنص 

2- اعتمد الكاتب على لغة ذاتية موحية قائمة على الاختزال في جمل شعرية مستخدما فيها لغة الايحاء والايماء الضمني في الدلالة السردية فلا نجد اسهابا واسترسالا يبعث على الملل 

3- ملفوظ النص جهد ابداعي يبنى بلغة شاعرية متفردة وإسلوب ادبي مميز يسعى من خلاله إلى تأكيد هويته الادبية وجنسه كقصة قصيرة جدا في الفضاء الخطابي والسردي العام..

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

2 - الفضاء النصي

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ان مفهوم الفضاء النصي عند كاتب النص هذا اراه ينطلق من الزمكان ، نجد هذا الكاتب يشتغل على ايجاد محاولات قد تكون قريبة ما لمفهوم الفضاء الشعري والسردي للنص ، او المزاوجة بينهما ..او فك الارتباط بينهما فليس هو فقط ( الحيز الزمكاني الذي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء متلبسة بالأحداث بل هي الجري وراء تمظهرات لاعطاء الفضاء صبغته المحددة مكانا مفصولا عن زمانه الى ان نجد خصوصية ما تستخدم طرائق وآليات معينة في الكتابة انزياحية حينا وواقعية احيانا اخرى 

ــــــــــ وهذا لا يلغي انه يقترب في كثير من الاحايين ليشترك مع غيره من الكتاب المعاصرين في آليات الكتابة وطرائقها من الانواع الادبية المتجانسة حتى يضع نصه بتجنيس واضح الا وهو القصصة القصيرة جدا

ثالثا : الذاكرة والفضاء النصي 

ـــــــــــــــــــ

هنا الكاتب يشتغل على خصوبة ذاكرته 

1 - الانفعال السردي 

من ناحية يمنح الكاتب شخصية النص /المرأة كثيرا من المساحات الواسعة التي يختلط فيها الواقع والمتخيل فبمجرد اماطة اللثام عنها حتى تتراكم لغتها ومناحي بؤرتها للاحاطة ببناء نسيجي محكم اساسه الاحداث التي ترتبط بأماكن وازمنة تتعالى فيها الاصوات والأفعال فتخرج من كينونتها الموضوعية على اثر انفعال ذاتي الى كينونة نصية تتمتع بقيم جمالية نابعة من خياله الابداعي

2- الوعي واللاوعي لخلق النص : 

يؤسس صاحب النص حالة الوعي لديه من خلال مناشط نصية يقترح فيها مواقف الشخصية وأدوارها فتراه يختلط ويتماهى مع الشخصية حينا وتارة يكون الراوي الشاهد من خلف ..

وفي مواقع اخرى من نصه يتماهى في فضاءات اللاوعي ليؤسس وليخلق ملفوظ نصه ومتنه القرائي منطلقا من امتدادات نصية ذا قيمة متعالية ومتعالقة مع ثقافته الذهنية وعاطفته الوجدانية..

ــــــــــــــــــــــــ

رابعا : خاتمة 

ـــــــــــــــــــــــ

هكذا و بذكاء المبدع ينتزع صاحب النص حاجة المتلقي / القاريء الى اشباع نهمه الجمالي والتفاعل مع نصه تلك الحاجة الى ولوج عالم الآخر والذات المختلفة او المشابهة او المؤتلفة حتى يصل به الى خلخلة دواخله وبالتالي يصل به الى قفلة النص المدهشة بل وأكثر يقع انتزاع الدهشة منه قسرا بتذويت اللغة وتقريب العبارة والمعنى..

وهذا ما وجدناه بالنص في محاولة دمج الحسي والنفسي للراوي مع نفسية القاريء ذاته في الولوج لعوالمه اللاشعورية وتلاحمها الواقعيا لمسكون بالمسكوت عنه ..

نص بديع بلغة مائزة 

ارفع القبعة لصاحبه اجلالا لنصه .

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم