الشاعر. حسني الإتلاتي وقراءة في ديوان( عبلة) للشاعرة أميرة محمود

عبلة المعاصرة بين  القبيلة ومحاولة الخروج إلى الذات    مقدمة  ديوان ( عبلة)  للشاعرة الأسوانية  اميرة محمود  بقلم حسني الإتلاتي
الشاعرة : أميرة محمود  - مصر 


 عبلة المعاصرة بين  القبيلة ومحاولة الخروج إلى الذات  
مقدمة  ديوان ( عبلة)  للشاعرة الأسوانية  اميرة محمود
بقلم حسني الإتلاتي

.............


 نضع  بين يديك عزيزي القاريء  الكريم  ديوانا من شعر العامية المصرية لواحدة من الأصوات النسائية المنتمية لمحافظة أسوان والمشاركة بفعالية في الحركة الثقافية في أسوان والعضو النشط معنا في نادي أدب أسوان  مع وعد منا بقضاء وقت ممتع مع عدد يزيد عن ثلاثين قصيدة  في موضوعات شتى يربط بينها جميعا عاطفة الشاعر  التي لا تكتب النص خارج الذات حتى لو الموضوع من خارج ذاتها وهذا يعود للصدق الفني لديها فغياب الصدق الفني يخرج النص باردا باهتا لا يستطيع الدخول إلى وجدان القارئ


العنوان

........


 جاء عنوان الديوان كلمة واحدة ( عبلة ) وعبلة هي  المرأة العربية  التي جمعت بين الأصالة والشرف والسيادة إلى جمال الصورة وجمال السيرة والتي أحبت ابن عمها البطل المغوار والفارس الصنديد عنترة بن شداد وحالت ظروف وعادات القبيلة من إتمام زواجهما نظرا لأنه ابن زبيبة الأمة الحبشية التي وقعت في الأسر عند شداد والتي انجب منها عنترة فصارت عبلة رهينة حب محكوم عليه بالموت مع أنه حب طاهر شريف لم يجد المنصفون لشعر عنترة ما يشي بأدنى إساءة إلى عبلة

فهل اختيار الشاعرة الجنوبية المعاصرة للرمز القديم عبلة للتماهي فيها  أم للاعتداد و للاعتزاز  بها  أم لإشعارنا أن الديوان يكتب المرأة لا يكتب عنها ولا يكتب لها أم لاستمرار نفس ظروف قهر المرأة حتى وقتنا الراهن ؟  ربما كانت كل هذه  الاحتمالات صحيحة


  الإهداء

............  

     

و جاء الإهداء إلى نادي أدب أسوان العظيم   ثم الأم والجدة والجد والزوجة والأولاد  وجاءت جملتان في الإهداء ( الى طابور الفرن وسائقي العربات  )وأظن  تقصد العربات الكارو ليتناسب مع طابور الفرن وربما كانت المعاناة التي أوحت بها الجملتان تكشف لنا انتماءات الشاعر وانحيازاتها الفكرية والاجتماعية

 أما عن الديوان فقد  توزعت القصائد بين  العشق ورثاء الشهداء والحنين للصبا وذكريات الطفولة وسرد شعري للحارة الشعبية بعاداتها وتقاليدها


البيئة

..........


والشاعرة أميرة محمود شاعرة  جنوبية من بني هلال تنتمي لمحافظة خصبة من محافظات مصر  ألا وهي محافظة أسوان 

والشاعر ككل مبدع هو نبت بيئته  فلا يقبل العقل والمنطق أن ينمو نبات  من فراغ أوفي فراغ

فللبيئة الأثر الأكبر في تشكيل وعي وذاكرة الشاعر   التي تشكلت في فترة الصبا حيث الأب والأم والجد والجدة والشارع والأصدقاء ثم المدرسة والمؤسسة الدينية كالجامع والكنيسة وربما تدخل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في دائرة المؤثرات التي تشكل وعي المبدع


والشاعر اللهجي  هو الذي يحمل تراث قبيلته /جماعته الشعبية /بيئته سواء كان يدري أولا يدري و هو يختلف عن الشاعر الشعبي الذي يكتب المربع والواو والموال  والنميم لأن هذه الفنون تطرح وجهة نظر الجماعة الشعبية وليست وجهة نظر الشاعر في حين يكون شاعر القصيدة العامية يطرح وجة نظره الخاصة ورؤيته للقضايا الكبرى من خلال ثقافته  وتجاربه

و شاعر القصيدة العامية( اللهجية) بحسب رأي الناقد عبد الجواد خفاجي في كتابه تغريب القصيدة العامية  يجب عليه أن ينتمي إلى جماعته الشعبية من حيث اللهجة والموروث فتظهر  في كتاباته ما يشي للقارئ انه من بلد كذا وبيئة نوعها كذا فالشاعر الذي ينتمي للصحراء ستختلف مفرداته اللغوية والبيئية عن شاعر سكندري أو شاعر قاهري أو شاعر بورسعيدي أو شاعر من الصعيد الجواني أو .... إلخ 

............


 ومن هذا المنطلق من يقرأ هذا الديوان يستطع القول أن الشاعرة أميرة محمود شاعرة حقيقية لأن نصوصها تضرب بجذورها في تربة أسوان الخصبة بلهجتها وموروثها الشعبي من أمثال شعبية وعدودة وأغاني وألعاب وحكايات شعبية وخرافات وأساطير 

تكتظ لغة الشاعرة بمفردات لهجة بيئتها  الأسوانية مما يشي بوعيها الجيد لمهمتها ومشروعها ولم تكتف باللهجة بل بمفردات البيئة من عادات وتقاليد ونظرة المرأة للرجل والحب والموت وطقوس الأفراح والمناسبات الدينية كل ذلك في ديوان  نسجته الشاعر بعاطفة جياشة وموسيقى وإيقاع واعتمدت تقنيات السرد والحوار واستعانت بفنون القول مثل الواو وما يثري قصيدتها من أشكال بلاغية تعمل على تطريز ثوب قصيدتها من قوافي متداخلة وجناسات تامة وناقصة


ديوان عبلة نظرة موضوعاتية

........................................


وموضوعات الديوان تتوزع بين  مسارات تقليدية وغير تقليدية  وهي كالتالي

١-  الحب بمفهومه الواسع  : لله  وللمحبوب ؛ للحارة  وللقبيلة ؛  للبيت وللوطن؛  للزوج وللأولاد وللأصدقاء  

٢-  العتاب  للزمن

3 - مسار الشعر وهو مسار حديث  ظهر في تجارب الشعراء المعاصرين الذين يتخذون من الشعر نفسه موضوعا للكتابة

٤- الرثاء للشهداء او رثاء النفس في حياتها

٥-الحنين للصبا وذكريات الطفولة 

٥-الوفاء للأصدقاء 

٦-التوبة  والحس الصوفي 


و قارئ الديوان  سيقف على الحكمة التي تنتثر بين ثنايا الديوان وربما كان كل شاعر حقيقي حكيما في المقام الأول  كما قال أبو العلاء المعري ابوتمام والمتنبي حكيمان أما البحتري  فشاعر


وسنعرض بايجاز وبغير ترتيب لبعض الموضوعات التي كتبت فيها الشاعرة 


1_ دائرة الشعر 

....................


وفي دائرة الشعر تناقش قضية الشعر وتحاول تحديد دوره الحقيقي من وجهة نظرها 

تواجه الشعر في بداية الديوان وتحاول أن توضح له المسارات الحقيقية من وجهة نظرها


( الشعر مش فبركة والقول دا شيء واعر

مش كل من شخبط قالك أنا شاعر )


 وتدعو الشاعر الحقيقي أن يهتم بالصدق فيكتب عن نفسه وبيئته عن الأشياء البسيطة لكنها أكثر صدقا وجمالا

 ( اكتب على عشق النخيل

ساعة ما يهمس للجريد

يرقص كأنه صف خيل

اكتب عن الشمعة اللي شقت ألف ليل

قمرية ع الشباك تغني للقا

تزعلش لما تموت فدا )


 ونشعر من خلال قصائد كثيرة تتخذ الشعر نفسه موضوعا للكتابة تؤمن به كرسالة وتتباهى به كفن من الفنون القادرة على الإمتاع  والتغيير في نفس الوقت

تتباهي الشاعرة بكونها شاعرة وكونها  أوتيت هذه الموهبة  

(أنا الشاعر 

أنا ف عشقي أبات فرحان

أشوف الشمس في الضلة 

ونوم البدر ف جفونه

والوم الجوري والفلة

واطير عصفور على غصونه)


و توضح لنا ماتعتقده من فكرة الوحي والإلهام في نص آخر

(ربي الكريم أهداني م الأشعار

حروف تطفي النار

وتدفي أهل الأرض

عشقي ف بير مفتوح

تشوفه كل الخلق)

وتقول عن ارتعاش الشعر وانكساره  وعن حلمها أن تنتصر للشعر وأن ينتصر الشعر لها

(كل الحروف متشعلقة ف حضن السما

أنده عليها ماسامعانيش

النبض جواها ارتعش 

وانا حلمي اعيش

 على قد مربوع أكتبه

ضحكاية بتسلي الوشوش)


2_ دائرة الحارة / الذاكرة /التفاصيل الصغيرة 

................................

معظم قصائد   أميرة محمود تهتم برصد التفاصيل الصغيرة فتجعل النص مشهدا تمثيليا يراه المتلقي بخياله وهو يقرؤه

 هل لأن الأنثى أكثر من الرجل اهتماما بالتفاصيل ؟! ربما ننظر في هذه اللوحة التى وثقت احتفالات الحارة الشعبية قديما بقدوم شهر رمضان


(من شباك الاوضة الضلمة ف عز الحر

ارتاحت راسي ف ركن عليه

على حضن الشيش الشقيان

أخدت  الشفطة من الفنجان

ألمزين روميو وجولييت

محلى الدكان

 بفانوس رمضان 

وبنات ع الحتة الممسوحة

حدوتة تجر ف حدوتة 

تنهيها الجدة بزغروتة

 والنخلة المايلة الحرانة

 تحضن ف بلحها البرامودة

وعيال وخداها بمية طوبة)


3_  دائرة الرثاء

 تنتمي الشاعرة إلى  جذورها حيث قبيلتها بني هلال  لتتسع إلى كل البشر وفي العمق منها انتماؤها إلى الوطن العظيم مصر يتضح لنا ذلك جليا في قصائدها النازفة صدقا وجمالا في رثاء الشهيد الهلالي شوقي عابد والشهيد الهلالي أحمد سامي في السنوات الأخيرة فداء وطنه في سيناء  يقول الشاب الصغير الذي لم يكمل عامه العشرين حين جاءه أمر التجنيد 

رغم أنه يعلم أن الجيش الآن في حالة حرب مع الإرهاب

رثاء الشهيد قصيدة ع العصاري

مال عليا وضحكة بيزورها رسمي

قال لي يامه ندهوا اسمي

وكان سابقهم ف الاسامي

المجند احمد ابنك 

المجند ابن سامي

جاني جيشي ع الحدود

انتي بس ادعيلي يامه

والوطن على راسي فوق


أميرة محمود تتقن فن السرد وتوظيف الكاميرا السينمائية في التقاط تفاصيل المشهد الشعري نصوصها تكتظ بالحوار والسرد وتصوير الأبطال من الداخل حيث تكشف ال ماوراء الالكلام أو الظاهر  تقول في نفس القصيدة على لسان الشاب البطل وأمه 

جيشي شرفي ومنها واجب

والوطن لازم يدوم 

كان بيضحك بس نن عيونه باكي 

(قصيدة ع العصاري)


4 _ دائرة الحنين

وللحنين الجارف للصبا والطفولة وتفاصيل حميمة  تبقى ما اختزنته الذاكرة حيا لا يموت ننظر الى الشاعرة فنجدها تسرد لنا تفاصيل طفلة في بيتها مع جدتها وجدها تتذكر كلما أبصرت الكراكيب التي يكومها الأباء في ركن فوق السطح أو في غرفة هامشية من البيت

 فتقول

لساكي يا ريحة الصبح جوايا

ف كوم كراكيب

بلمسة يد من أمي جراحي تطيب


ومرجيحة ف باب بيتنا

وصوت عالي ف لمتنا

وازعق أمتى ياجي الدور

عصاية جدي بتنادي

أروح أجري وأحضنها

أدان الضهر ع المدنا

ولا أهدى الا بربعك الدفيان


وفي ركن الحنين تسجل لنا بعض الألعاب مثل الحجلة والخمس طوبات

وقعدة صبر تشغلنا 

ف ضل الباب ورسماية

 ف حضن الارض يشق بلاطة

 تتمايل ما بين رجلي بعرض الخط


 5 _ أنسنة الأشياء

.......................


والشاعرة تلتقط بحسها المرهف  مفردات البيئة ويتفاعل معها النخلة والدكان والنيل  و الشباك  والدكة والمدرسة والقطار وغير ذلك من مفردات  تتواصل الشاعرة مع القطار فتشعر به وتصوره بطريقة مختلفة عمن سبقوها فلم القطار قاسيا وقلبه حديد كما قال من سبقوها


 (القطر ماشي بيواسي شقا عجله

وصابر من زمان ع الخلق

وجوة قلبه ميت دقة

ناس خافت من الفرقة

وناس بتعاشر الغربة ولا بتخافش )


 وتخاطب البحر   والبحر هو نهر النيل عند الأسوانين  


((يا بحر ايه مزعلك 

مالك حزين والموجة باكية دموع عنيك 

 انا خايفة تغرق شكوتي)


وتستخدم النخلة كرمز  لكل شيء جميل في حياتنا 

(ادعك عنيك بشويش من ضلمة المشاوير

نفض لسان حالك وانجحلي في التعبير 

قلب النخيل لو جف

هايكون بسبب الخوف)


6 _الحس الصوفي

......................


ومعظم قصائد الديوان فيها مسحة من الحزن وتفاعل رائع مع الموجودات  ولها نص عذب ترثي فيه نفسها وتقصيرها في جنب الله


( انا مش ولي

 ومانيش نبي والله تبتك من زمان

أدبت روحي من الهوى

وعشان هواك جاني قدر 

مليون مدد في ساحة العاشقين)


وفي قصيدة تناجي الشاعرة ربها مناجاة النادم  المعترف  

(  انا العبد اللي قام صلاته ناقصني حشوع

وصام للجوع

وقال زكيت

وحج البيت

بس الفتنة هزمتني وخوفي غطا ع الاوزار)


7_   العشق 

تنجح الشاعرة حين تكون صوتا حقيقا يعبر عن نفسه بصدق والنفس البشرية تحب وتكره وتخون وتغدر وتفي وتخلص ومن قصائد الديوان تبدو قصة الحب  تأخذ بعدا تراثيا 


(وايه يعني

تهل الشمس تلسعني

ولا تسعني دروب الضل

طرف القلب لو يتبل من ريقك 

ما كان يهرب لصعد الشمس

من تاني)


وترى الشاعرة انها أقل من عنترة وهذا عكس ما كان في قصة عبلة التراثية 


(وايه يعني يا قصة ف قلبي وجعاني

مانيش عبلة عشان عنترة يعشقها

انا شكلي على قدي¥

......


 وهي في حال تواصلها مع المحبوب  تستطيع  لكن عنترة المعاصر لا يستطيع النضال من اجل حبه بل ينهزم في معركة الحياة


(ولما العشق جمعنا 

لقيتني ف الهوى عبلة 

وعنتر كان بسيف مكسور

 يعدي في البحور شطه

 يلاقي جسور وراها جسور)


 وعبلة المعاصرة امرأة مسلمة تتمسك بدينها وامرأة بنت أصول وعادات وتقاليد ترفض قصص الحب الوهمية وتريد الحب يسير في قنواته الشرعية


(احلف ميت يمين

 العشق لو كان بالحلال

يحلي شهده كل الكون)


وغدر الحبيب عند الشاعرة هو موتها الباكر المؤكد 


(ويوم تسقيتي من غدرك

كأن الموت هجم باكر

بهمسة تطل من عينك

قلبي يتنسج أوتار)


8- الوفاء  للأصدقاء 

........................


في الديوان سنجد قصيدة مهداة لصديقتها نعمة عبدالتواب الشاعرة الأسوانية التي تكتب باسم مستعار ( سلسبيل الجنوب    ) وتجرى بينهما على موقع الفيس ببوك كثير من القصائد الإخوانية التي تتبادلان فيها التعبير عن حبهما وصداقتهما لبعضهما البعض  تقول أميرة محمود 

 

(سنابل القمح وجماله

 بلون وشك يا نيل صفيان 

وشطه حنان  من ودك

 يا غصن  الفل والنرجس 

 سعيد يوم وسيع دربك 

تحبيني عشان ربك

  يا نعمة ربي سبحانه 

خلق شكلك كما اسمك)


مسك الختام

............


في الختام  نقدم التهنئة للشاعرة اميرة محمود  بنت أسوان المنتمية الى بيئتها بكل تفاصيلها المتمثلة لعاداتها وتقاليدها والمدافعة في قصيدتها عن قيمها ووطنها وشهدائه الأبرار والوفية لأهلها وأصدقائها المتسامحة الأقرب إلى التدين الشعبي والحس الصوفي 

وكما قال الشاعر حسين صالح خلف الله من لم تفضحه قصيدته فلا قصيدة له نهنئ أميرة محمود التي كتبت قصائد نستطيع من خلالها  اكتشاف سماتها الشخصية وملامح بيئتها وثقافتها

........

حسني الإتلاتي

شاعر مصري وعضو اتحاد كتاب مصر.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم