الأديب مبارك إسماعيل ودحمد ودحمد يكتب "من الطابق الثالث"

"من الطابق الثالث" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب:  مبارك إسماعيل ودحمد ودحمد
الأديب: مبارك إسماعيل ودحمد ودحمد - السودان 


"من الطابق الثالث" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب: 
مبارك إسماعيل ودحمد ودحمد 

 

مقدمة :

وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. 

إلى النصوص:


1- من الطابق الثالث

رأيتهما وهما يسيران في الزقاق الذي يقع فيه بيتي،أحدهما يرتدي بذلة أنيقة ويحمل حقيبة سامسونيت أما الآخر فتبدو عليه أمارات الفقروالبؤس فيرتدي جلبابا باهتا ومهترأ،دفعه الرجل الأنيق نحو ركن في مرمى نظري ،فاستطعت أن أراهما من مكان في الطابق الثالث،فرأيت الرجل الأنيق يوقفه ووجهه للحائط ثم يمزق رقبة الجلباب ثم يضع يده اليمنى في رقبته واليسرى في أسفل الظهر،ويستل نخاع الرجل الشوكي بخفة حاوي،فيسقط الرجل إلي الأرض،ثم تظهر عربة تقف بالقرب من الأنيق فيركب العربة ثم تختفي.

وفي مخفر الشرطة عندما سأله الضابط المتحري عن لون العربة ورقم اللوحة،أجابه:

_لقدألجمت الدهشة والصدمة عقلي فلم استطع أن انتبه للون العربة أو رقم لوحاتها.

وفي المنزل بعد عودته من مخفر الشرطة،ڤجأة اقتحم شقته ثلاث رجال ملثمون،كان أحدهما يحمل حقنة في حجم طفل، مارأيت مثلها  قط،قبض علي الرجلان وارقداني علي بطني،واحسست بيد أحدهما تحسر سروالي عند عجيزتي،ثم دنا مني صاحب الحقنة وهو يقول:

_هل رأيت الرجل الذي استل حبل الرجل الشوكي؟

أجبته متلعثما:ننننعم و....

وهو يرفع الحقنة ويلوح بها أمام عيني،ويقول:

_اتمانع إذا قلت لك منذ هذه اللحظة أنت لم تراه؟

_ننعم أنا لم أراه لم أراه...

أحسست بخبطات رفيقة علي كتفي،ففتح عيني،فرابت رجلاً جالسا بجنبي،وهو بشير إلي اتجاه الجنوب:

_الحافلة تقترب

_حقا!يبدو أنني قد استغرقت في نوم عميق.

ابتسم الرجل إبتسامة ذات مغزى،وقال:

_قل لي هل حقاً رأيت الرجل الذي استل حبله الشوكي؟.


*********************************************،،


2- ضرة

بعد مدافعة ونضال،وسط ذروة إختناق المرور الصباحي،وصلت مقر عملي،وركنت سيارتي في المرآب المخصص لها،دلفت إلي مكتبي،وجلست وأمامي  مباشرة،كومة أوراق أعدتها السكرتيرة للتوقيع،تحسست سمكها بإصبعي،وأنا أحدث نفسي،بسيطة،حالا أجهزها للسيرك،حيث توزع علي كل الاقسام،ورفعت رأسي ،اختلس نظرة إلي شاشة الTV،فكانت قناتنا القومية،تعرض برنامجا،يتناول فيه،مذيع وضيف موضوعا،عن تعدد الزوجات،وماأن اعدت نظري إلي الأوراق المطروحة بين يدي،ولجت إلي مكتبي مديرة البرامج والتخطيط،زميلتنا الحسناء،وهي تحمل حزمة أوراق في يدها،ووضعتها في طرف الطاولة،وجلست علي المقعد المواجه لي،علي يساري،بعد تحية الصباح،تحولت بنظرها إلي الشاشة،وظلت تحدق فيها للحظات،تتابع البرنامج المعروض،ثم التفتت إلي وقالت-بالله عليك في هذا الزمن والظروف الصعبة هناك رجال يفكرون في تعدد الزوجات!

_رغم أنف الظروف،نسمع ونرى رجالا يتزوجون مثنى وثلاث وبل رباع.

_هؤلاء غيرجادين ولاتحركهم غير شهواتهم.

ثم أنضم إلينا،مدير التسويق،والبرنامج في خواتيمه،فجلس علي المقعد الآخر علي يميني،مواجها زميلتنا الحسناء،وهو مثبتا نظراته علي وجهها،وبسخريته المعهودة،بادر قائلا:اصارحكما أننا في هذه الأيام،أبحث عن زوجة،بشرط أن تمتلك عدة شركات،ومحلات بوتيكات،وكوافير (وهو يتفرس في تقاسيم وجهها الجميل راصدا أنفعالاتها)فقاطعته قائلة:قل لي بربك هل عرفت عنوانا لإحدهن؟

_لا لكن لماذا تسألين؟

لإدل زوجي ليتزوجها قبل أن تطأ قدمك عتبة بيتها.


***************************************


3-  رائحة نتنة

في طريقي إلي المسجد،زكمت أنفي رائحة نتنة،تلفت حولي في المكان كي أعرف مصدرها ،فرأيت قطة نافقة مرمية في جدول تصريف مياه الخريف والذي عادة مايصبح مكبا لنفايات أهل الحي  بعدأنقضاء فصل الخريف،بعد عودتنا من المسجد كنا ثلة من الجيران نتجاذب الحديث في بعض الأمور،رأيته قادما يحمل في يديه رفشا،وماأن وصل مكان جثة القطة -بدأ بحفر حفرة تسع لجثتها،ثم حملها برأس الرفش ووضعها في الحفرة وأهال عليها التراب،ثم جلس القرفصاء ومد رأس الرفش،فتكالب عليه الحضور في تلك اللحظة واخذ يرمون في صحن الرفش ماتجود به جيوبهم،تحسست جيبي واخرجت عملة ورقية من فئة الخمسة جنيهات قذفتها في الرفش ثم غادرت المكان.في صبيحة اليوم الثاني وأنا اقف علي الطريق انتظر قدوم حافلة لتقلني لمقر عملي،أقترب مني أحد الجيران منمن كانوا حضورا في عشية الأمس ،وبادرني بسؤال :هل تدري ماحدث بالأمس؟نظرت إليه بعينين تملكتهما الدهشة،لم ينتظر مني جوابا فواصل كلامه:عم الدوما بعد ماأمتلاء رفشه بالاوراق النقدية،جمعها ووضعها فوق الأرض بجانبه ثم برأس الرفش أزاح بعض التراب من قبر القطة ،وجمع كل المبلغ وقذف به في القبر وأهال فوقه التراب، نهض وبصق في القبر ثم غادر المكان.


*****************************************


4- جبة بيضاء

أثارت دهشته،رؤية القطرتان اللتان تتقافزان،عند الجانب الأملس من حوض الماء،وهو يراقبهما،تسيلان من فم الأنبوب البلاستيكي،الذي يقوم بتسخينه،ريثما يصبح مرنا ويتسنى له إدخاله في فم الحنفية،فشاطت المادة البلاستيكية،فسقطتا في ماء الحوض،ثم بغتة انبثقتا،من لجة ماء الحوض ووثبتا إلي جانب الحوض الأملس،ثم تصاعدت دهشته وارتفع حاجباه وجحظت عيناه وانفغر فاه،وهو يشاهدهما تطفوان رويدا رويدا،وتتكاثران في جزء من فيمتو ثانية،ويمتلئ فضاء البيت بالفقاقيع،ويأخذ في التمدد إلي البيوت المجاورة في الحي.

حدثت المعجزة ولكن كيف أصبحت تلك الفقاقيع دواء ناجعا لجائحة كروونا تلك قصة،سيحدثكم عنها حبر السطور القادمة.

لما دلفت إلي داخل المنزل عبر الفرندة المممتدة من غرفتنا الوحيدة،لاحظت تغيرا في أوضاع الأثاث،كانت الطاولة الكبيرة التي تستخدمها زوجتي لكي الثياب-تحتل صدر المكان،وبجوارها كرسيان وبضعة كراسي أخرى مصفوفة علي جانبي الطاولة،وسريران يكملان باقي الصفين،شممت رائحتها المألوفة،قبل أن تأتي وتلتصق بظهري،فبادرتها بالسؤال وأنا أشير بيدي علي المكان:أهناك ضيوف قادمون؟

_كلا بل أعد المكان لإستقبال المرضى

_مم ماذا؟مرضى!,وهل أصبحتي طبيبة بين عشية وضحاها؟

_لقد ألهمني ربي بوصفة دواء يشفي المصابين من داء كروونا

_لالا هذا كثير(ثم وهو يمد يده ليلمس جبينها)دعيني ألمس جسدك لعل الحمى.(قاطعته وهي تبعد يده بعيدا عنها)قائلة:أبعد يدك عني(ثم وهي تعدل خمارها،فتغطي رأسها ووجهها)أنا الآن الوحيدة التي تمتلك دواء لهذا المرض اللعين.

_حسنا أريني إياه

_إنه حولك،يحيط بك إحاطة السوار بالمعصم.

_ (مندهشا)لعلكي تقصدين فقاقيع بخار الماء؟

_وهل أنت تراها؟

ضحك حتى مال بكل ثقله علي كتفها،فدفعته متأففة وهي تصيح:أبعد حملك الثقيل عني يارجل.ثم وقد أرتسمت علي وجهه أمارات الجد.

_لاأذيع سرا إن قلت لك أنا من صنعها.جفلت وهي تتعوذ وتستغفر،وقد شع بريق غريب من عيينها المجذوبتين إلي مطلق مجهول،وقالت: أنا فقط من جاءتني الرؤيا و..

_(قاطعها مستغربا)رؤيا!لم نسمع أن هناك نبي أو نبية بعد الهادي المعصوم.

_لقد رأيت فيما يرى النائم،شيخا وقورا،يرتدي جبة بيضاء،وجهه قمر مضئ في تمامه،وبياض لحيته،بلون حليب الرضيع،أقترب مني فتلألأت جنبات غرفتنا بالضياء،ثم قال لي:سنجعل بين يديك دواء يشفي كل مريض من هذا الوباء اللعين ،ثم غاب لحظة،وظهر لي محاطا بدخان،ومد يده وناولني(أخرجت ملعقة من بين طيات بلوزتها)هذه المعلقة..

_أرني إياها.وهي تدفع يده بعيداً عنها:لا أنا الوحيدة المخولة لها ان تمسها،وتقدر مقدار الجرعة الشافية.

فجأة سمعنا طرقات خفيفة علي باب منزلنا،فقالت بللهجة آمرة:أدخل إلي الغرفة فهذه جارتنا منيرة،اعول عليها كثيرا في نشر خبر المعجزة في أنحاء البلد.من مكاني داخل الغرفة،سمعت وقع خطواتنا وهي تدلف إلي داخل البيت،ثم سمعتهما تتهامسان بكلمات لم استطع أن اتبين حرفا واحداً منها.

في اليوم الأول كانت أعداد المرضى تكاد تعد بأصابع اليد،اما اليوم التالي 

تزايدت أعدادهم قليلا،وفي الثالث أرسلتني زوجتي،لصاحب البقالة القريبة من بيتنا،لإحضر لها كرتونة متوسطة،لكي تضع فيها أموال رسوم العلاج.وفي اليوم الرابع،فوجئنا بأفراد من رجال الشرطة مدججين بالسلاح،يقتحمون علينا منزلنا،شعرت برعشة وعصف بي الخوف،فشددت بكلتا يداي علي كرتونة الغلة،وللحظة هممت أن اقفز من فوق حائط الجيران هاربا،ولكن استوقفني منظر زوجتي الرابطة الجأش،والتي تجلس في مكان الطبيب هادئة،لما أقترب رجال الشرطة مننا،دخل من وراءهما رجلان يبدو من المعاطف البيضاء التي يرتدونها أنهما من الأطباء.

لم يتم اقتيادنا إلي مخفر الشرطة أو أي مكان، تابع للأجهزة الأمنية،لأنه لما توقفت العربة،ورفعت رأسي،قرأت في اللافتة المعلقة أعلى المبنى(غرفة لجنة الطوارئ)ادخلونا إلي غرفة مكتب أنيق،تجلس عليه سكرتيرة حسناء،وفي عمق الغرفة باب يفضي إلي مكتب آخر،فدخل أحد الرجلان إليه،وبقي الآخر جالسا بيننا،ثم رن جرس،فنهضت الحسناء،وغابت لحظات،ثم عادت وهي تشير لزوجتي بالدخول إلي مكتب الرجل،فدخلت زوجتي وتركت الباب مفتوحا علي مصراعيه،من مكاني رايته وسمعته يقول لها:إين الملعقة الشافية؟أخرجتها من طيات ثيابها وناولتها له،استلمها منها،واخذ يقلبها بأصابعه في استغراب ودهشة،ثم سمعته يقول لها:هذه الملعقة ولكن أين الدواء؟

_هذا سر

_لابد أن نعرف هذا السر

_لكل شئ ثمن

صفق بيديه،منتشيا بالنصر،وصاح:ها قد وصلنا لطرف الخيط،ثم سمعت مرة أخرى رنين الجرس،فنهضت الحسناء،ولما وصلت مدخل المكتب،رايته بشير لها بيده،فاغلقت الباب،ثم عادت إلي مكانها.ارهفت سمعي،فسمعته يقول:نعطيك ثلاثين في المئة

_لاهذا قليل

_ماذا يرضيك

_النص بالنص

_ماذا!50%لالقد طلبتي كثيرا احذرك أننا قادرون أن ننتزع منك سرك دون مقابل

لما انتبهت من شرودي،كانت قطعة الأنبوب البلاستيكي،التي أشعلت فيها النار قد بردت،وسمعت زوجتي التي تقف أمام مدخل الفرندة وهي تمسك بطرف الأنبوب الآخر،تنتظر قدوم المياه إليها-تصيح:لقد تصلبت يدي والماء بعد لم يصلني.اسرعت واشعلت فم الأنبوب مرة أخرى،من قداحتي، وقربتها منه،ولكن في هذه المرة أنا أشد حرصا أن لااسمح لأي قطرة تسيل منها،لتسقط في الماء وتتقافز،ولما أحسست بأنه أصبح مرنا ،أولجته في فم الحنفية،وفتحت المحبس،لتنطلق المياه عبر الأنبوب، إلي الطرف الاخر حيث تقف زوجتي،ثم نهضت من مكاني وأنا أشد عزما وتصميما أن يكون نصيبنا من المعجزة أكثر من 50%.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم