الأديب سيد جعيتم يكتب "صاحب الكرامات"



"صاحب الكرامات" مجموعة قصص قصيرة بقلم  الأديب: سيد. جعيتم- مصر
الأديب: سيد جعيتم- مصر 


"صاحب الكرامات" مجموعة قصص قصيرة بقلم 
الأديب: سيد. جعيتم- مصر 


مقدمة :

وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. 

إلى النصوص:


1- صاحب الكرامات

تنتابني حالة غير طبيعية، هو شعور يتملكني وأعتبره مقدمة لحدوث أمرًا ما، وضعت رأسي علي الوسادة لكن النوم أبى أن يطاوعني رغم أنني أعدت قراءة الورد أكثر من مرة، حاولت السيطرة على حالتي الفسيولوجية، شعرت بثقل في تنفسي وصعوبة في تحريك أعضائي.

رجل ذو لحية بيضاء ينسج من الخوص قفف ومقاطف وأوعية لحفظ الحبوب يبتسم لي، يا إلهي كيف تسلل لعقلي، استعذت بالله من الشيطان الرجيم، استعاذ معي بالله، حل شعور مريح مكان القلق فانتظم تنفسي وشعرت بخفة في جسدي وكأنني أعلو فوق الأرض، عاود الابتسام وقال:

 ـ أنتظرك..

ـ لماذا تنظرني؟

ـ لأسقيك.

 ـ أين القلة؟ وماذا ستسقيني؟

ـ لا تقلق، قم لصلاة الفجر.

حيرتني الرؤية، فأنا أستاذ جامعي، وعلى رأس طريقة صوفية، سيطرت على عقلي، لم أفلح في الفكاك من رؤياي فكلانا نتبادل مطاردة بعضنا، وتمنيت لو كان بوسعي أن أختار أحلامي فلا أصاب بالحيرة.

 ظلت تطاردني وأنا في طريقي حتى تعطلت بي السيارة، دلني البعض على ميكانيكي بحارة الخواص بمنطقة الحسنية القريبة، جذبني مقام سيدي بركات الخياط، وقفت أمامه أقرأ فاتحة الكتاب له وللسادة الأقطاب المدفونين معه، فجأة سرت قشعريرة في بدني وأنا أمام مقام للعابد المحمدي سيدي علي الخواصّ، أيكون هو من استدعاني؟ أشار لي خادم المقام :

ـ تفضل سيدنا في انتظارك، يجلس في صحن القبلة، انكببت علي يده أقبلها فسحبها، أمرني بالجلوس:

 ـ كيف حالك يا أحمد؟

ـ الحمد لله يا مولانا. 

ـ إشرب يا أحمد.

 ـ ما هذا يا مولانا؟

ـ هي شربة الأقطاب، مربع الأقطاب ينقصه ضلع، إشرب لتكملهم. 

ـ لكنهم الأربعة مكتملين.

ـ لم يعودوا مكتملين أنت رابعهم.

 نظرت إليه مستغربا، أعلم منهم أقطاب العصر وهم أحياء، قراء ما يدور بخلدي، قال:

 ـ ما أقوله ليس غيبًا؛ فلا يعلم الغيب إلا الله، أنا مكلف بأن أخبرك أنك القطب الرابع،

أشرب.

لم أكن أتخيل أن ما يقال في عن شربة الأقطاب صحيح، ما أصعب مرارتها لكني شربتها كلها كما أمرني الشيخ.

ـ صرت الأن قطب وركن من أركان الطريق وصار قلبك الأن خزينة للمعرفة والأسرار التي لا تدركها عقول العامة، أتبع العلامات لتنال الوصال إلى الملك العلام.

أذهب يا أحمد ولا تقصي رؤياك علي أحد.

يا إلهي هل ما زلت أحلم، حاولت الانتباه والتمسك بالزمن والحقيقة. 

صوت نفير سيارة نبهني، يا إلهي ما زلت أقف بباب المقام  المغلق. 

 بمكتبي قلبت في الجريدة الموضوعة على مكتبي، بصفحتها الأولى نعي لأحد مشايخ الطرق الصوفية الكبار.  


*******************************************


2-  صيحات السكارى 

دارت بينهم كاسات الخمر وتعالت صيحاتهم وأهازيجهم، يحتفلون بانتصارهم بعد أن تجرأ الحاكم وأصدر أمره بالقبض علي الفتى       . 

تصدر الحاكم وعشيقته المشهد، علي غير العادة كانت العشيقة صامته زائغة العينين، في داخلها ألم يعتصرها وحزن وغضب مكتوم، تعرف أن قلب الحاكم مال عنها تجاه ابنتها وقلب المرأة لا يُخدع في أمور العشق.    تزوجها الحاكم بناءً على فتوى مفتي القصر المخالفة للشريعة، ولكنها ظلت في نظر الفتي عشيقة وقد افتي أن الزواج باطل    . 

عين العشيقة معلقة بالحاكم تراقبه وهو يميل علي أذن المفتي، ترى أيفضي إليه برغبته في فتوى جديدة تتيح له طلاقها والزواج من ابنتها؟.     

تناطحت الأفكار في رأسها، تعلم أنه يخطط للتخلص منها كما حدث مع زوجته الأولى، ندمت علي استقدام ابنتها لتعيش معها في القصر، فهي لم تتذوق طعم الراحة منذ حضورها، وقد أعدت عدتها لتسبق خطوات الحاكم وتتخلص من الفتاة . دخلت الفتاة ترتدي ملابس زاهية شفافة باللون الكريمي الذي أمتزج بلون بشرتها الخمري واتحدا معًا، تغطي كتفيها برداء حريري أسود يحجب نصفها العلوي، وتتوه في سواده خصلات شعرها الغجري المنسدلة خلف ظهرها تداعبه نسمات الهواء فتبدو الفتاة كلوحة رسمها فنان مجنون، طغى تأثير أنوثتها فطار لب الحاكم والحاضرين.     

نظر الساقي بطرف عينيه تجاه العشيقة، تجرعت رشفة من كأسها، شعرت بمرارة على لسانها، ظنت أن مرارة ما تمر به انعكس على الخمر، بادلت الساقي النظرة، أومأت له بهزة خفيفة من رأسها، صب الساقي للفتاة كأسًا . الحاكم في سكر بين حتي أنه لم يقو على إخفاء لعابه الذي سال، وقف مترنحا وأمر الفتاة :     

- أرقصي وغني لنا. 

- لا رغبة لي في الرقص، في جوفها لهيب يحرقها، وتتساءل عن سر رفض الفتى لها وقد أحبته بكل جوارحها حتي أنها عرضت عليه نفسها وهي العذراء، فضلته علي الجميع، طردها، كرهته بسخونة.     

عاد الحاكم يطلب بلطف من الفتاة: 

- أرقصي و سأحقق لك ما تتمنينه.   

- على دقات الدفوف بنعومة تمايلت الفتاة بتمهل وتلوت كالأفعى الرقطاء، بدأ الرداء الأسود ينسدل ببطء من فوق كتفيها فتنكشف مفاتنها البارزة من ثوبها الشفاف وفتحاته الواسعة، حرارة جسدها تصل الحاكم فتلهب رغبته، أوعية الخمر فرغت وأعيد ملؤها مرات، اختلط الحابل بالنابل وسط عربدت القوم.    

- تمني وسأحقق ما تتمنينه.       

  الأفكار تختلط وتتصارع داخل عقلها، حان موعد الانتقام   : 

- أريد رأس الفتى.   

- خرجت كلماتها كمطرقة هوت على رأس الحاكم فأفاق من سكره، ظهر عليه التردد، يخشي من خروج العامة عليه لو أصاب الفتى ضرر.     

صرخ السكارى يطالبون الحاكم بالوفاء بوعده . 

- يظن نفسه ملاكًا، أثبت له أنه بشر، أعدمه.    تلوت العشيقة من ألم يعتصرها مائت كقطة تحتضر، تبسم الحاكم.   

سقطت الفتاة وبجوارها سقطت أمها.   

هرع الحاكم للفتاة، أحتضنها وراح يهزها ويطالبها بالاستجابة لندائه، تأكد من موتها، أُحبط وأسقط في يده وضاق صدره، ارتعشت يداه سيطر عليه شعوره بالعجز والدونية، أنقلب إحباطه لثورة عارمة، نفرت عروق رقبته وتصلبت عضلات وجهه، انفجر كهدير نهر هائج.  

- أقطعوا رأس الفتى.   

أتي السياف مهرولًا وعلامات الخوف والدهشة علي وجهه: 

- السيف لا يقطع رأس الفتى.   

ارتجت المدينة بالخبر.  

-(الفتى خالد لا يموت)-.    

سار الفتى واعظًا بين الناس ودعا ربه.   

في صبيحة اليوم التالي، صعد إليه القوم يزفون إليه نباء جنون الحاكم، لم يعثروا عليه، تشاوروا وكثر اللغط بينهم، أقاموا مكانه مقام.


********************************************


3- انعكاسات مظلمة   

                                                                      تنهبُ سيارةُ الإسعافِ الطريق مسرعة، تريدُ أن تلفظهُ قبل الوصول.

- وصلنا ، فذ ...قوم .

 سقط أرضًا.

- قوم قامت قيامتك. 

تسللتَ رائحةُ العنبرِ العفنةِ لأنفه، تمر أيامه ثقيلة، لا يقتربُ أحدًا من أحدٌ، يقطعُ صمتُ العنبرِ صوتَ الممرضةِ تُلقي لهم بالعلاجِ، أغمضَ عينية وسرح بخياله. خمسُ سنواتٍ منذُ تخرجهَ عاطلٌ عن العمل، عُوفي من الخدمة العسكرية فهو وحيدُ أبويه، أتي طابا باحثًا عن عمل ،التقمتهُ الفاجرة، لم يقاوم، أسيرًا سار معها للفندق.

. ينظر من نافذة الفندق، وجه الجندي الواقف في حراستهِ يحملُ بندقيتهُ علي كتفه ليس بغريب ، دقق النظر، هو أبن قريتهِ سليمان ابن الحاج محمد خاطر ، زميله في كلية الحقوق. 

الشمس تودع الأفق علي استحياء، يلتفُ بعض العرايا حول مكان حراسة سليمان، تخطت فتاةٌ الحدود الممنوعة، اقتربت من سليمان، أشار إليها بالابتعاد، واصلت التجاوز.

- ابتعدي .

- لم تعبأ بكلماته.

تبعها الأخرون ، التفوا حوله، راحوا يهللون ويرقصون، رفع أحدهم رايتهم ملوحًا بها.

صعد الدمُ لرأسه، دق بقدمهِ الأرض، تأكد من صلابتها ، هذه أرضي أنا.

 لحظاتٌ سريعةٌ بعدها ملأ المكان صوتُ طلقاتِ الرصاص.

 نزلت مهرولةً تستطلعُ الأمر، عادت حزينة منكسرة، سألها عن ما حدث، قالت له: 

قتل المجرمُ سبعةً من أهلي.

تقصدين جندي الحراسة؟ .

تسلل الخجل لنفسه، شتان الفرق بينهُ وبين سليمان، أراد النجاة من براثِنها، أرتمت في صدره باكية، امتلكتهُ رائحة الأنثى.

تذكرت ما كُلفت به.

 انثنت ظهرت مفاتنُها، سال لعابهُ، تمنعت بميوعة وبدلال تدربت عليه، نبح مستسلمًا، سقته حتي الثمالة، اكتوي بلذة نارها .

ملقً علي الأرض، استعصي عليه النهوض.

تجرع العذاب منذ علمَ بإيجابية الفحوص. 

يتلقى العلاج المكثف من شهور.

حالتُك مستقرةٌ سأكتبُ لك على خروجٍٍ على أن تعاودنا مرةً ًكل شهرٍ. 

هاربٌ من عيونِِ وألسنةِ الناس متخفيًا تسلل لقريته، سبقه خبرُ مرضِه، أصبح وباءً يهربُ الكلُ منه. 

ساءت حالته، يجب إعادته للمستشفى. أيقن أنه خارجٌ بلا عودة . 

لسه راقد علي الأرض، قلت لك قوم، قامت قيامتك... نهض بصعوبة بالغة واستلقى على النقالة ، مر بخاطرهِ دفن مرضي الطاعونِ قديمًا في الجير الحي، أرتعب.

 صوت بُكاء ممرضةِ العنبرِ يصله :

- مات اليوم سليمان خاطر مشنوقًا في زنزانته. 

تحجرت الدموعُ في مقلتيه ...غمغم متحسرًا :

 يا ربي هل سأجد في تراب وطني مكانًا لجسدي ؟

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم