الأديبة أمل عطية تكتب عن "نكران"



"نكران" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة: أمل عطية- مصر
الأديبة: أمل عطية  - مصر 



"نكران" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة: أمل عطية- مصر
 


مقدمة :

وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. 

إلى النصوص:

**********************************************

1- نكران  

***

رباه الشارع وكان له المعلم ، لفظته أمه بنرجسية وقحة لما تزوجت لتتفرغ لحياتها الجديدة ، وتلقفته جدته لأبيه كانت قاسية عنيفة لكنه أحبها أوته ووجد بأحضانها الدفء والملاذ  ، أحس حنانها الخفي بعفوية طفولته، لما توفت عرف طريقه إلى الشارع ، تلقفته الأيدي حتى استقر بين يديي زوجة أبيه ، كانت تفتعل الخلافات لتطرده أو ليفر هاربا خوفا من عقاب بلا ذنب ، لكنه كان خادما مطواعا لهم ، نسي شكل أمه التي لم تتذكره يوما ، كانت نسوة الحي كلهن أمهات له إلا هي، شهي روائح  طعامهن في أنفه..وفمه لم ينس طيبه، إلا طعامها لم يعرف له طعم أو رائحة ، سامحها الله كان يسمع بأسماء إخوته دون أن يعرف لهم شكلا ، خرج للعمل تخفيفا عن أبيه و بعد ما سمع شكواه من ضيق ذات اليد وتعدد الأفواه ، عاش ببيت جدته وحيدا إلا أنه كان بارا بأبيه وإخوته وحتى زوجته، يبدأ في معاركة الحياةو ومصارعتها صغيرا حتى استكانت له بعد زمن  تخطي الخمسين ،ومازال  بالسوق يسعى كعادته ، لمحها بعيد عجوز حانية الظهر عاونها مشفقا عليها حمل لها أغراضها وأوصلها تعجله العودة لابنته فهي لا تعتمد إلا عليه وزفافها اقترب ، تعالت نبضات قلبه لما من بيتها اقترب، يعرفه جيدا ، كم راقبه من بعيد مختبئا عن العيون ، كان يناديها أمي..احتراما اسمها...فهل هي ؟؟ !!! عند الباب تناولت منه ما يحمل وإليه لم تلتفت مغلقة الباب دونما كلمة شكر ، هز رأسه مؤمنا نعم لا بد أنها هي.

***********************************************

2- عودة..

*****

دوما يقذفها بتهم ظالمة لا اساس لها من الصحة استهزاء   وسخرية منها   دوما يدعي أن بينها وبين الواقع أميال ، وأنها تحيا دوما في شرود وعدم انتباه ، اتهمها بالغفلة والبلاهة اذا اقتضي الأمر ، ارتضت تلك السمعة فرارا من مجادلته ومهاترات لا طائل منها ، أسرتها له في نفسها .

    كان يلقي  عند قدميها أحماله دون كلمة شكر  وكانت تزيلها  دون ضجيج ، لكنها  لم تستسغ ابدا انكاره كل جميل لها،  تصاعدت المرارة الي فمها يوما بعد يوم ، و كأنما قد أجمع أمره علي النكران، ;  ومازادتها قساوته الا نفورا. 

ذات ليلة  ، كانت صامتة كعهدها ، بدأ مناوراته للسخرية منها ، أثاره صمتها ، لطمها لطمة عنيفة تناثرت من فمها الدماء ازدادت صلابة ونظرت اليه في استعلاء ، أثاره صمتها، عاود اللطم لها ، استيقظ الأبناء علي صوت الضجيج  ، تلاقت النظرات في تحد ، تعالي الصراخ، حذره الأكبر قائلا :_ إياك أن تفعلها ثانية، زادته الكلمة عصبية وازداد هياجا ، تخوفت علي الصغار نقمته، استعانت بالصبر وصمتت للأبد ، لما نالوا   شهاداتهم  حملت متاعها وخرجت، تبعوها .

و في مقرهم الجديد انطلقت ضحكاتهم الحبيسة من الصدور ، قبلوا لها اليد ، أعاد لها التفافهم حولها الحياة.

**********************************************

3_وهم

******    

اتخذت البحر الصاخب صديقا لها تبوح له بكل اسرارها،  لا صديق لها سواه تلجأ اليه وتجلس أمام أمواجه وتبثه لواعج قلبها:

_بم أبوح لك يابحر؟ 

همست وفمها يلوك بعض حبات الحلوي، يخرس الفم ويبوح الوجدان

_ انت تعلم كل شئ  حكيت لك قبلا عن قسوة الحياة وزينتها

تعرف كل تفاصيل عن أبي الحنون وأمي وعظيم عنايتها، تعلم أني لم أعاني الا بعد وفاتهما.. زوجاني ورحلا وانا ابنتهما الوحيدة

تستيقظ من غفوتها  علي صوت بائع صغير ينادي ويلح عليها

_ مناديل

_ شكرا معي

يستحلفها فتستجيب.. تسول خفي لكنها أشفقت عليه طفولته المهدرة..

تري كيف حال طفلها

تتنهد خطفه الظالم  واختفي.. باءت جهود البحث بالفشل، غادر البلاد وهو مجهول العنوان

أبعد كل قساوته يختمها بهذا

_ أتعلم يابحر كان مخيفا في تعامله...

 _ااااه أنت تعلم حكيت لك قبلا... والوحدة مريرة

لكني أنتظر عودتهما، كنت شديدة الاهتمام بأمره بكتبه، دفاتره.. ثيابه النظيفة المهندمة.. أنا من كنت استذكر معه دروسه أغنيته عن الدروس الخصوصية فلم يحتجها.. كان أنيقا متفوقا وسيما كأبي..

_أخشي أن يكون في مكان خطر ٠٠والحروب بكل مكان.. او أنه يسيئ معاملته، لم يكن به حفيا.. كان جاف المعاملة فاتر الشعور معه ومعي...

اجفلها ضجيج سيارة مارقة، تتنبهت لما حولها أولاد صغار يتقافزون  حول أبويهما..

اصطحبني أبي لكل بقاع الدنيا.. اما هو فبخل علينا ولو بنزهة بسيطة.. تري الي أين اصطحبه وفر.. 

مؤكد قد صار شابا سيهل علي يوما كما يهل طيفه..

_ رباااااه انه نسخة من جده 

سمعت نداء باسمها يأتي من بعيد

_ صفاء هيا لنعود

كانت من نادتها تقاربها السن تساندتا علي بعضهما البعض وانصرفتا 

_همست صفاء لصديقتها

_ تري متي سيعود؟ 

ربتت الصديقة علي كتفها مرددة لها 

_ حتما سيعود..

تهمس مناجية نفسها

_وهل يعود الموتي


*******************************************


4- حفل

انشغاله بعمله لا يترك له مساحة للاهتمام بهمساتهم، لكنها تقتحم سمعه رغم أنفه، يرقبونه وهو منهمك فيما يؤدي ويعاودون الهمس : 

_ حفل كبير يدعي اليه الجميع..

يشير أحدهم اليه وحتي.... 

_ نعم.. نعم 

يتبادلون  الضحكات ويسهبون في وصف التفاصيل من طعام وشراب وروعة المكان والإضاءة والموسيقي

يهز رأسه متعجبا لكذابي الزفة هؤلاء  ولكن لماذا يدعي هو.. ينأي عن المجاملات والمداهنة لا يلتفت الا لعمله لا يجيد الكلمات المعسولة ولا العبارات المنمقة.. ثم إنه لا يطيق كبيرهم هذا مديرهم وصاحب الحفل

كما إنه ينام باكرا..

في المساء  وجد نفسه يرتدي ثيابه ويذهب للحفل متأنقا وزينت له نفسه جميل ماصنع .. إنها فرصة ليري الناس ويخرج من حجره الزاوي ويستمتع بالطعام الذي لم يتذوق مثيله في حياته.

الإيماءات واللمزات كثيرة بينهم.. تصل اليه همساتهم أن الحفل لأجل ترقية يسعي اليها صاحبه

لمحه يتملق الكبار ويتقرب اليهم زلفي

ضرب كفا بكف محدثا نفسه  :

_ حقا إنه لكبيرهم الذي علمهم الكفر

قارب الحفل علي الانتهاء، نوبات  الوسن تهاجمه  أراد الاستئذان ليمضي اقترب من مضيفه وجده ضاحكا مستبشرا:

_  انتظروا قريبا خبرا سعيدا 

انصرف غير مصدق أهكذا تدار الدنيا 

ليس هذا ماتربي عليه من خلق أم أن

التربية أمر والواقع أمر مختلف تماما

في اليوم التالي أشاعات بالشركة تتوالي  ارتاحت نفسه للاسم المرشح لتولي المنصب.. نعم هكذا يعاد للحق هيبته..

دخل مديرهم في موكبه والكل يستقبله  ينحني ويهنئ.. وجده أمامه وجها لوجه

_ ألم أقل لكم انتظروا خبرا.... مارأيك

استنكرته اذناه لما سمعته قائلا  :

_ مبارك ياباشا وهل هناك غيرك يستحقها !!!!


*****************************************


5- تصميم 

*******

لحظات حاسمة كانت بحياته، صراخ وعويل يخترقان سمعه ولا يستطيع لهما دفعا، نواح نسوة متشحات بالسواد، لحظات لا ينساها، بدأت برنين هاتف لم يهتم به ولم يلتفت له، استمر في الحاح وإصرار ومداومة ،  استمع لأسوأ خبر يمكن أن يسمعه ، تمر السنون ولا ينسي تلك اللحظات ، عاد مسرعا لقريته قام بدفنه ودموعه لا تتوقف ،كان لابد للعودة واستمرار الحياة كانت تلك وصاياه وتعاليمه له . 

أفاق من ذكرياته ، وصوت حاسم ينادى ، يلقي تعليمات وأوامر ، الكل ينفذ في صمت ، تنهد في حيرة ناجاه : أين أنت ياأبي بم كنت ناصحي ؟ أتراك عنى راضيا ؟ 

هجر القرية ولم يعد يزورها تلك هي الأوامر التى لابد وأن تنفذ مقرونة بكلمات زجر :  _ليك ايه فيها_ 

سنوات الغربة والوحدة تطول ، أحلامه لا تتجاوز تلك اللحظات ينهض مفزوعا كان يناديه أن يعود لكن هيهات ، كيف ينساه وهو حين ينظر في المرآة يراه ،كلما تقدم العمر يكادان أن  يتطابقا ،  قالت في سأم : داوشنا علي ايه  راااح وارتا ح...أجاب في صرامة  ولأول مرة شاعرا بالأسي :  لقد كان أبى 

حاملا حقيبته حاسما لقرار  لطالما تردد في اتخاذه   أغلق وراءه الباب وهو واثق انها آخر مرة يتخطاه هذا الباب.

  

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم