الأديب أيمن حسين السعيد يكتب عن "ديكي وديك جاري"




*ديكي وديك جاري* قصة قصيرة بقلم الأديب: أيمن حسين السعيد - سورية


*ديكي وديك جاري* قصة قصيرة بقلم الأديب: أيمن حسين السعيد - سورية 


مقدمة :

وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. 

إلى النص: 



*ديكي وديك جاري*

#تخضع_ النفس البشرية لكيمياء فيزيائية في خواصها 

التكوينية من طبع ونمط عقلية معينة وإسلوب محدد لها من

الله وذلك تبعاً لتركيبها وبنائها الكيميائي وللظروف التي توجد 

فيها والمحيط من حولها الذي تتفاعل معه من بقية الأنفس 

مما يؤدي لحدوث تأثير متبادل فيما بينها وبين هذا المحيط البيئي والبشري تبعاً لتركيبها وبنائها التي تحدث فيها هذه التفاعلات.

ولكن يحدث أن تصبح نفس بشرية كأحادي الذرة حالة مفردة

ونبيلة ولكنها في الكيمياء الفيزيائية إذا ما تعرضت لدرجة معينة من الضغوط الهائلة فإنها تتميع سواء كانت صلبة أم متماسكة أم سائلة لتتحول إلى غاز نبيل بفعل الحرارة العالية في أحادية الذرة ،أما في أحادية النفس البشرية فربما تتحول إلى غاز نبيل وربما العكس لا يكون نبيلاً ولكنه مميعاً بأي الأحوال بفعل هذه الضغوط.

في الحرب يا صديقي 

ينتاب كل شعب نوبة من هذه الضغوط فيتحول قلبه وعقله

إلى غاز يتبخر في الهواء أما شعرت يوماً أن جسمك يكاد يطير وأنه فارغ تماماً من أي شيء أما شعرت يوماً أن رأسك

يكاد يطير محلقاً بفعل الفراغ فيه إلى السماء فلا تكاد تمسكه

فتنتابك نوبة هيستيريا أو جنون ما 

هي الحرب ياصديقي الضغوط والحرارة العالية التي تجعل من الإنسان صلباً كان أم سائلاً في تكوينه العقلي والنفسي 

يصبح في حالة غازية البعض تظهر فيه نبالته وخلقه الكريم

والبعض تفوح من غازه رائحة أفعاله المقرفة والدنيئة والخسيسة مما يضطر النبيل لأن يتنازل لمستوى المنحط القذر ويتعامل معه حسب قانون حمورابي أو شريعة أهل الكتاب من اليهود أي العين بالعين  والسن بالسن والبادي أظلم والفعل بالفعل والفاعل أحمق.

في الحرب يا صديقي تنتاب الإنسان حالة هلع وخوف من الموت بالجوع أو غيره، فتصدر منه أفعال تجعلك في الدهشة والذهول لدرجة

أن يضع جاري الأحمق عقله بعقل ديك..

_ديك..ديك

_نعم ياصديقي ديك..زوج الدجاجات وفحلهن ومؤذن الفجر بلامكبر صوت ولا مئذنة

_كيف لم أفهم!؟ يبدو أن لديك قصة سترويها لي!

_بالضبط يا صديقي رحم الله والديك.

تعرف أن الناس بدأت تحتال في لقمة عيشها وتكاد تجعل من

الحجر حقلاً ينبت منه القمح أو البصل أو البقدونس لتأكله خوف الموت من الجوع وخوف الفقر.


*ديكي وديك جاري* قصة قصيرة بقلم الأديب: أيمن حسين السعيد - سورية


أما أنا يا صديقي ولتقدمي بالسن وضيق فتحة نافذة طول البال والصبر عندي ولقلة البيض الذي أحب أن يكون وجبةً 

أساسيةً في فطوري إما مقلياً كعجة أو كعيون وإما مسلوقاً مع البطاطا فقد قررت اقتناء دجاجات وديكهن.

فذهبت إلى السوق واشتريت من كذا بائع كل على حدا دجاجات خمس جميلات كل واحدة منهن بثوب زفاف من الريش المختلف الألوان ولم تكن واحدة منهن ذات ثوب أبيض ويصلحن لأن يكنَّ ملكات الدجاج البلدي ،مكتنزات اللحم مبرومات الأرجل طويلات مخالبهن ذوات رقبات متوسطة الطول وكأن الكحل في عيونهن لجمالهن ويبقبقن بصوت حنون لا خشونة فيه، وكأن فيه دعوة لديكٍ حبيب يشبع نهمهن من الحب، ووضعتهن مكبلات الأرجل في صندوقة بلاستيكية ورحت أبحث لهن عن عريس حبيب ليدخل بهن الليلة..

كان معظم الديكة الذين رأيتهم لم يعجبني منهم واحداً لطأطأة رؤوسهم وقلة شموخهم و لترهلهم وضعفهم وصغر حجمهم وسنهم إلا أن وقع ناظري على ديك مع رجل كبير السن، مرفوع الرأس شامخ بهيبته بعرفٍ مرتفع مكتنز ينظر يمنة ويسرة برأسه لا يكاد يهدأ من الحركة يصيح بصوت رخيم مبقبقاً في قفصه الذي لا دجاجات معه فيه..ذا لون أسود مع أحمر من الريش وساومت

الرجل عليه..إلى أن أصر على مبلغ بقدر ثمن ثلاث دجاجات ووافقت على مضض مني بسعادة بعد أن أكد لي الرجل مكرراً

هذه الجملة أنا أبيعك فحل وليس مخصي البيض..فحل والله

يااازلمي ليس له مثيل بين الديوك..

_توكلنا على الله

 وأنقدته ثمنه وقيد رجليه وجناحيه وأنا أقول له:

_ حيا الله بالفحل الليلة ليلة عرسك على خمسة كان الله بعونك..ياديكي العزيز

وما إن وضعته في صندوقة البلاستيك مع الدجاجات حتى كاد ينهمش عليهن ولكن القيد منعه من أن يقوم بما يريد فيما كانت الدجاجات يزغردن لإنضمام الحبيب ببقبقةٍ متعالية الصوت مع انحناءة لرأس كل واحدة منهن صوبه وكأنهن يتوسدن ريشه الحنون على أمل مجزرة حب لهيبة.

وأدرت سيارتي وإذ بإذاعة إف إم تصدح بأغنية فيروزية صباحية وتمختري يا عروسة بينا أقول لديكي ودجاجاتي الذين وضعتهم بجانبي على المقعد لضرورة الزفة

-ألف ألف مبااارك بالرفاه والبيض يا عريس ويا عرايس

ووصلت إلى دكان لي في حارتي القريبة من البرية وحقول الزيتون في المدينة ، حيث أعددت مسبقاً غرفة نوم للدجاجات والديك فقد فرشت أرضية الدكان الترابية ببعض القش والتبن  ومستلزمات الأكل والشرب وما إن أطلقت قيد الديك أولاً حتى علا صوت الدجاجات وكأنهن يقدمن مذكرة احتجاج أو يطلبن اللحاق به وكنت كلما أفلت دجاجة كان ديكي يحيي دجاجته ببقبقةٍ متسارعة اللحن و بدورة حولها مع إنزال لأحد جناحيه كإعلان عن الحب أو تحية إحترام وبعد تلك الدورة يعلو ظهرها فتخرس الدجاجة مستسلمة ملتصقة بالأرض، بينا يختم بقبلة كنقرة محبة على رأس كل دجاجة، وهكذا كنت شاهداً فخرياً على ليلة دخوله بالخمس الدجاجات، أو اعتبر أنني كنت المأذون الذي كان يحث ديكه على الدخول بهن إذ لا بد لأكل البيض أن يدخل بهن..ومن شدة فرحتي به وبفحولته رششت كمية مضاعفة من الشعير والذرة المدروشة قائلاً: في نفسي حرام عليه أن يأكل ليتقوى على الخمسة كان الله في عونه.

وأغلقت باب السحاب للدكان، وقفلت عليهم بالقفل مع بقاء 

فتحة مربعة فتحتها بمقصٍ حديدي أسفل الباب في أحد جانبيه.

ليسهل عليهم الدخول والخروج للتنزه والرعي في البرية القريبة من قنهم الواسع الكبير.

وهكذا ياصديقي تنعمت بأكل البيض في وجبة الفطور، فبعد

صلاة عصر كل يوم  أمر فأجد ضالتي من البيض من خمسة إلى ستة بيضات وفي الحد الأدنى أربع بيضات.

- ماشاء الله اللهم زد وبااارك

-للأسف ياصديقي..فأنا منحوس بالحسد..ورغم قراءتي للحمد والإخلاص والكرسي والمعوذتين..بعد فرض كل صلاة فإنه لا يكمل معي شيء.

_خير خير إن شاء الله..

ذات يوم وبعد صلاةعصر كل يوم أرفع باب السحاب لآخذ ما أنعم الله به عليَّ من بيض وإذ بجاري الذي يمتلك دكاناً بجانب دكاني فرآني وأنا أخرج كيساً من عشر بيضات نتاج يومين فسلم عليَّ بينا عيناه تحدقان بكيس البيض وتكاد يخرج الشرر منهما..

-أراك تحوي دجاجاً..وتحصل على البيض كل يوم

-نعم ياجاري العزيز وما الذي يمنع طالما الدكان موجود والبرية قريبة..

-والله صدقت...ولكنك لم تعطنا حلاوة (حلوان الدجاجات)

-أهلاً  وسهلاً...هذه خمس بيضات (الحلوان)قسمت البيض مابيني وبينك جيد هكذا.

-تهللت عيناه فرحاً خمس بيضات يعطيك العافية

-الله يعافيك يااجار هذا حلوان الدجاجات وكلما احتجت على الموجود أهلاً وسهلاَ

-جاري كل يوم تبيض دجاجاتك عشر بيضات 

-لا ياا جار هذا نتاج يومين 

-والله جيد  والله ممتاز هذا الدكان لا أستفيد منه بشيء

سأشتري منذ الغد آه آه كم دجاجة لديك ياااجار

-خمسة وديكهن

-وبكم اشتريتهم وكم ثمنهم

-والله السوق اليوم بالعملة التركي وليس بالعملة السورية.

-يعني كم كلفك ثمنهم على السوري

-أنا انتقيت دجاجات بلديات ولسن مهجنات بياضات ولسن هرمات والديك بلدي همشري فحل تقول كلفوني حوالي الخمسة عشرة ألف ليرة..سورية أي حوالي بالثلاثين للأربعين تركي ولكن هذا الكلام صار له شهر فالأسعار ارتفعت الآن

-صحيح ولكن ثمنهن يتعوض بالبيض فالبيضة اليوم بخمس

وستون قرش تركي

-والله أنا اقتنيت الدجاح لأني أحب أكل البيض على الفطور وليس للتجارة..

-ماشي ماشي غداً إن شاء الله سآتي بجيران لدجاجاتك

-اللهم يسر وبااارك السلام عليكم

وجاء جاري بخمس دجاجات من النوع الرخيص الغير بياض وديك هزيل ولو أنه أخذني معه لكنت انتقيت له أفضل أنواع  الدجاج البلدي ولكن لله في خلقه شؤون فدائماً مايعتبر ابن

المدينة نفسه أفهم وأعلم من ابن القرية كحالتي

وكان يا صديقي أن اكتشفت أن ديكي الفحل عينه زائغة بعد 

أن توددت له دجاجات الجار بدأ ببكهن وكلما أراد أن يبك دجاجة من دجاجات الجار كان ديك الجار يتصدى لديكي 

ويحصل شجار عظيم ياااصديقي عينك لا ترى إن شاء الله

إلا النور.

فقد كنت أستمتع برؤية ديكي وهو يعلو عن الأرض وينقض انقضاض السهم في لمح البصر ويكاد ريشه المنفوش ليتسع 

لديكين في حناياه وكأنه بالون كبير الحجم يطير بحركات بهلوانية وينقر ديك جاري الذي كثيراً ما يهرب من ديكي ليعود ديكي ليبُكَ دجاجة الجار وهكذا ما بين نقر وقتل لديك الجار وبَكٍ لدجاجاته الخمس ينتهي الشجار ويذهب كل في شأنه،ولم يكن ديك الجار ليجرؤ على الإقتراب من دجاجاتي 

وإذا ما ابتعدت دجاجة من دجاجاتي عن ديكي  محاولة الإقتراب من ديك الجار تراه يركض كالبرق محيطاً بها وهو يفرد جناحيه كأنه يحميها من عيون ديك الجار ليبقى مفرداً جناحيه وهو يردها إلى سربها من غير أن ينقرها أو يضربها

بمخالبه....وعند الوصول للسرب يبقبق بصوته حانياً ليبُكها

فما تعود تلتفت أبداً إلى سرب دجاجات وديك الجار

أعجبني جداً هذا الديك حتى شعرت بالزهو يااارجل عندما تراه تشتهي النفس الزواج بنساء الدنيا كلها ويلااااه ويلي

ما أروعه.

كان جاري يرى ما رأيت حول أمر ديكي، وكالعادة وبعد خروجي من المسجد القريب عقب انتهاء صلاة العصر تفقدت

البيض وألقيت نظرة على دجاجاتي اللاتي كن بلا ديكي

يسرحن مع ديك الجار ودجاجاته...وكم صدمت عندما رأيت ديك الجار يبك إحدى دجاجاتي وباللاشعور نزعت شماخي وأنا في سري أقول :ياللهول والعار نكست دجاجتي عقالي بينا أناأضحك...ولكني ممتعض جداً لغياب ديكي  فبحثت عنه في البرية فلم أجده وذهبت غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً فلم أجده.

إلى أن اتجهت صوب المسجد فسمعت صوته غميقاً يبقبق 

وتارة يصيح كأنه يؤذن للصلاة والوقت ليس فجراً بل ما قبل المغرب بساعةواقتربت نحو مصدر الصوت حتى وصلت غرفة خزان الكهرباء الملاصقة للمسجد..وشددت المغلاق ودخلت الغرفة المعتمة وإذ بديكي يخرج مهرولاً من باب غرفة الخزان الكهربائي عائداً إلى سربه ولحقت به وإذبه نازل نقر ودعس في ديك الجار وهذه المرة كان ريشه منفوخاً حتى تكاد تحسه بحجم ديك رومي وليس بلدي وانتهى الأمر إلى أن وقع ديك الجار بلا حراك فلملم ديكي دجاجاته وعاد إلى بيته

حيث كانت الشمس آيلة للغروب 

فقلت في سري حياه الله أخذ لي بثأري فأعدت شماخي إلى 

رأسي وفككت تقطيبة المائة وإحدى عشر عن جبيني..وعدت مزهو النفس بالفخر والإعتداد بديكي الذي أسميته عنتر

وعرفت أن سجن عنتر كان مقصوداً من قبل جاري ولكني لم 

أتخيل أبداً أن يضع جاري عقله بعقل الديك عنتر.

فبعد فترة ليست بطويلة جاءني جاري إلى البيت يحمل بيده

ديكه وهو يرفع عن جناحيه ليريني ورم جسم الديك من أثر 

نقر ديكي لديكه الذي كان مغمض العينين وهناً لا يكاد فيه روح إلا من رمق

_ ياااجاري حوش ديكك عن ديكي ودجاجاتي يا أخي هذا 

ليس بديك بل مجرم انظر لحال ديكي المسكين أترضاه لديكك الملعون

فضحكت وأنا أدخله لمنزلي 

_تفضل اشرب سيجارة وفنجان قهوة ولا تضع عقلك بعقل 

حيوانات..يااارجل..أمن عقلك!؟ هكذا منفعل وغاضب لأجل شيء تافه لا يستحق أن تهز بدنك لأجله فداك ألف ديك يااازلمي...ادخل ..ادخل

وبينا نشرب القهوة فاجأني بطلب لم أتوقعه..

_جاري بعني ديكك

فضحكت وقلت له كيف أبيعك إياه !!! أيوجد عاقل عنده ديك 

فحل كعنتر ويبيعه!!! أعرض عليك أن تبيع ديكك أو تذبحه وتأكله وعيالك وأنزل وإياك لأشتري لك ديكاً جيداً يمكنه أن يصبح صديقاً لعنتر لا عدواً يكون شجاعاً لا نذلاً فالشجاع يحترم من هو مثله.

فابتسم ابتسامة صفراوية خبيثة وهم قائماً من مجلسه وبيده  ديكه الذي ما نبس ببنة شفة أو بقبقة ،يستأذنني بالخروج من البيت بينا أنا كنت أبتسم ابتسامة لا أعرف إن كانت تبان لديه ابتسامة منتصر بديكه ويشعر بالفخر وهذا حقيقة ما كان في داخلي صراحة.

ولم أتوقع يوماً أن الأمر كان له من الأهمية عنده بمكان، حتى أجد عصر اليوم التالي دجاجاتي وديكي الذين ما شاهدتهم في الساحة والحديقة القريبة للمسجد بعد االإنتهاء من صلاة العصر التي رأيت فيها جاري يخرج من المسجد قبلي .

دون أن يلتفت لي أو يأخذني كالعادة إلى البرية ليريني مايفعل عنتر ويشكوه لي على مرأىً منا.

فذهبت إلى الدكان ويالهول ماشاهدت كان عنتر ودجاجاته مرمين على الأرض بلا حراك فحركت عنتر بيدي بقوة فإذ به

ميتاً ، مغمض العينين للأبد..فدبت في نفسي مشاعر الغضب

حتى كدت أنفجر يااارجل والله لو كان جاري أمامي لخنقته

وقتلته بكلتا يداي.

لأني وجدت آثار جريمته الموصوفة ، عند فتحة الباب، حيث

رمى لعنتر ودجاجاتي قطعاً من الكبة النيئة المسمومة بسم فئران الحقل الذي أعرف رائحته تماماً..

جئت بكيس كبير أسود ووضعت عنتر ودجاجاتي الأموات وأحكمت إغلاقه جيداً ووضعتهم في صندق السيارة الخلفي

واتجهت من المدينة حيث أسكن إلى قريتي لأنه كان عندي 

نيةً تجاه أحد الذين لي عليهم مبلغاً كبيراًمن المال وأنكره حيث أخذت معي عبوة فيها خمس ليترات من البنزين فقلت في نفسي الموضوع لا يحتمل التأجيل أنفذ ما نويته اليوم وآخذ ثأري من جاري لاحقاً ولكن بكل هدوء وبلا غضب والعين بالعين والسن بالسن والباديء أظلم، بينا ركنت السيارة لأدفن عنتر ودجاجاته في أحد حقول زيتون  القرية التي وصلت إليها بعد غروب الشمس.

_هذه قصة ثانية ياصديقي

_نعم ياصديقي العزيز كم الإنسان سفيه وحقير وطماع ولا يعتبر حتى لمخافة الله ومخافة الموت والحساب.

_هات تفضل وكلي آذان صاغية ولكن ستخبرني ما فعلت وهل انتقمت لعنتر ودجاجاتك أم لا !؟

_ وكيف لا أنتقم....وهل كان عنتر قليل عندي رحمه الله.

نزلت بيت أخي وتسللت من منزله بعد منتصف الليل بساعة ونيف وألبست الرجلين جزمةً طويلة ،وأخرجت عبوة البنزين (خمس ليترات) من السيارة ووضعت مسدساً على زناري،  وتلثمت بقناع وشماخ بينا  السماء ترعد وتبرق ،والمطر جد غزير وذهبت مشياً على الأقدام عبردروب ضيقة وهامشية حيث خططت لمسارها كي  لا أصادف أحداً،للوصول إلى حقل زيتون يودي بي إلى دار ذلك الحقير المنافق الذي رفض إعادة مالي من مال عليه وعلى أحد أولاده وإحدى بناته..رغم أني أرسلت ثلاثة مبعوثين من قبلي لهم ،وكانوا في بداية الأمر ،وعدوا أحد المبعوثين خيراً

وفي المرة الثانية طلبوا مهلة للمشاورة ،وفي المرة الثالثة رفضوا إعطائي حقي لأنهم أيقنوا تماماً أن الشكوى عليهم وبحقهم لن تجديني نفعاً فالمحاكم لدينا لا تعترف إلا على ما هو مكتوب اتباعاً لنص قرآني (فليملل وليكتب) وقد أخبرني

محام أعرفه أن واحداً منهم استشاره وسأله بشأن نفس الأمر كأنه أمري الذي جئت كذلك استشيره فيه فقال له: إذا لم يكن بينه وبين المدين شيء مكتوب فلا يتعب نفسه فلن يستحصل على حقه ومن الأفضل أن يشكوه إلى الله،وكذلك أنت ياصديقي لا تتعب نفسك بمصاريف مادية دون نتيجة

واشكوهم إلى الله فحقك سيبقى حقك في الدنيا والآخرة هو لك وسيبقى لك.

لذا قررت إحراق مافي  دكانه (جرار وسيارة) المغلق بابه والكبير ولكنه مفتوح من الجهة القبلية نحو حديقته ومن الجهة الشرقية نحو حقل زيتون فتسلقت الجدار بعد أن رميت بعبوة البنزين المحكمة الإغلاق جيداً أولاً حيث كان البرق يومض والرعد دويه جد عظيم وقوي.

ونزلت وبلا أي وجل أو خوف يدفعني اليقين بما لي عليهم من مبالغ مالية أصبحت بعد ارتفاع الدولار ذات قيمة عالية شرعت برش ما في العبوة على الجرار والسيارة وبعض الحطب والأكياس البيضاء في ركن شمالي  وأرضية الدكان ورميت بالعبوة تحت الجرار وبينا أنا أريد إشعال المكان تذكرت أن هذه الأكياس ما هي إلا أكياس سماد وإذا ما وصلت النار لها سوف يحصل انفجار عظيم يؤذي الجيران من الناحية الغربية والشمالية وربما يودي بالأرواح خاصة لملاصقة هذه البيوت وقربها من مكان تواجد السماد الزراعي

فلعنت حظي...وأنا أجلس في دكان ذلك اللص الحقير المنافق الذي لا يخاف الله وخاصةً أن له سابقة مع أحد الذين أكل عليهم حقوقهم ولكنهم لم يدفعوا ماعليهم من حقوق إلا بعد أن أحرقوا محاصيل أراضيه من القمح ولم يدفع يااا رجل فتعرضوا لإبنه وتم ضربه وتكسيره عندها فقط قام بدفع ما عليه لهم ولن يدفع ما عليه إذا لم يخسر فهذا الحقير لا يخاف الله ولا يخاف من الذي يخاف الله ولكن يخاف من الذي مثله وشبيهه الذين لا يخافون الله..

لم أشعل النار ليس خوفاً على ذلك الحقير ، بل خوفاً على أرواح الجيران الأبرياء من حوله بفعل مايحدثه انفجار السماد إذا ما وصلت له النار وحادثة انفجار ميناء بيروت بفعل السماد ليست بعيدة في الزمان وتعرف يا صديقي ما حصل ورأيت ما حل ببيروت شبه انفجار نووي بفعل  السماد في الميناء ذلك الذي حصل.

فلم أعد أدراجي من تسلق للجدار بل تسللت من ساحة بيته وخرجت من باب داره مستغلاً صوت الرعد  ووصلت بيت أخي أجر أذيال الخيبة ولم أخبره بالأمر نهائياً في صباح اليوم التالي لأني لم أترك أثراً للطين  على جزمتي..فقد غسلتهامن الطين العالق بها ، بأمواش مياه المطر الغزيرة بينا أنا في طريق العودة...ولم أحصل بعد على حقي للحظة

ولن أتركه أبداً منتظراً اللحظة المناسبة..والمؤاتية.

وعدت أدراجي في عصر اليوم التالي بينا أتهيأ لأخذ ثأري من قاتل عنترة ودجاجاته.

وفي صباح اليوم التالي ،وبحكم جواري للمسجد، صليت الفجر جماعة كالعادة وكان جاري(أبو الكبة النيئة)موجوداً فلم يعرني أي انتباه ولم يلتفت لي كعادته في كل صلاة مسلماً ومصافحاً

ووضعت غضبي في ثلاجة من الصقيع، وبينا أنا عائد من المعهد التدريسي باتجاه بيتي، صادفته فجأةً فاضطر للسلام عليَّ وصافحته وأنا أبتسم في وجهه بكل برودة أعصاب.

وإذبه يسألني :

_جاري لما لا أرى دجاجاتك وديكك

فقلت له: ياجاري العزيز خفت على أن أخسرك بسبب ما سببه

عنتر لديكك فقلت : آخذه والدجاجات إلى القرية وهناك المجال فسيح وأفضل وبالمرة لا أزعجك..أليس مافعلت يرضيك..تمام هكذا..أرحتك من الدجاجات ولا يهمك

-الله يعطيك العافية ياااجار 

وكان على وجهه الإستغراب المقترن بالخوف وهذا ماشعرته حين أخرج كلمات الله يعطيك العافية مترددة ومتقطعة وفي عينيه كل الدهشة والإستغراب..

بعد إسبوع تماماً وبينا أنا في سوق المدينة الرئيسي، وبعد أن أوصيت القصاب بشي نصف كيلو من الكباب وإلى جانبه بعضاً من الكبة النيئة وطلبت منه تجهيز الطلبية لحين عودتي ذهبت لصيدلية زراعية، فاشتريت بعضاً من سم فئران الحقل

وعدت به وبطلبيتي من عند القصاب..

وعند منتصف الليل، جهزت لأمر اخذ ثأري لعنتر وزوجاته، فاخذت قطع الكبة النيئة ودعكتها بقفاز من النايلون بسم الفئران ،ثم تسللت من بيتي باتجاه دكان جاري ومعي قطع الكبة(البرغل)المسمومة ،وكان الأمر سهلاً جداً، فرميت بها من خلال فتحة الدكان التي قلدني فيها جاري بقصها بمقص حديدي.

بعد يومين تماماً علمت من أحد رواد المسجد المواظبين على صلاة الجماعة، أن دجاجات جاري وديكه انتقلوا إلى رحمة الله بفعل فاعل قام برمي الكبة النيئة المسمومة لهم.

فقلت: حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله الله يعوضه بنيته الطيبة جارنا اكابر ونعم الناس..

وبالصدفة التقيت بجاري في الشارع وبادرني بالسلام، ومد يده لي مصافحاً فقلت :

عذراً منك بسبب الكورونا لا أصافح أحد..يا اارجل البارحة مات إمام جامع الفاروق بسبب الكورونا..

-حسناً ..حسناً أوما علمت جاري أن ديكي ودجاجاتي قد تم تسميمهم 

فقلت له : ياجار الذي سمم لك دجاجاتك هو نفسه الذي سمم لي دجاجاتي وديكي عنتر، فولى بوجهه عني ولم ينبس ببنة شفة.

فياصديقي إذا كنا في حرب، ونفعل ببعضنا هكذا ما نفعل فكيف الله سيرحمنا ،ويجنبنا شر الطغاة والظالمين.!؟

الغُلب صعب جداً والحق يجب أخذه باليد وبالمكر والدهاء أو القوة..ومهما طال الزمن.

فهل سيترك السوريون حقهم وثأرهم !؟ممن قتل أولادهم يااارجل عنتر ما تحملت موته فكيف بوالدٍ تم ذبح ابنه أو اغتصاب عرضه أو تدمير بيته!!؟...رفعت الأقلام وجفت الصحف ياصديقي العزيز..

 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم