شيخ النقاد العرب الأديب أحمد طنطاوي وقراءة نقدية لنص (الوقحة) للاديبة: أمل المنشاوي



الأديب الناقد: أحمد طنطاوي - مصر 


"للحقيقة عدة أوجه"  قراءة نقدية  بقلم
شيخ النقاد العرب / أحمد طنطاوي
لنص ( الوقحة ) للأديبة: أمل المنشاوي   

.................

النص 

.......


الوقحة

***************


اليوم... كنت عنيفة جدًا، بل  أنني كنت وقحة كذلك! لم أعتد في نفسي مثل هذه الوقاحة، حتى من يعرفونني لم يرق لهم أن أكون هكذا... !

 جاءت لتزورني من لم أعتد زيارتها لكنني استقبلتها بترحاب،  بدت عليها أمارات التحفز والغضب، وعندما سألتها عن ذلك قذفتني بسيل من الاتهامات التي لم أتوقعها؛ اتهمتني بالخوض في سيرة ابنتها، واخذت تهدد وتتوعد إن لم أنفْ ما قلته سيكون ردها قاسيا !

بدا عليُ الهدوء بينما بركانٌ من الجحيم يغلي بين ضلوعي. أخذتني الأفكار لذلك اليوم الذي اتهمني فيه الطبيب الذي  يعالجني  من مرض صدري مزمن.. بالجبن! كان يبتسم ابتسامةً ماكرة عندما قال لي ذلك..  كان من عادتي أن أذهب إليه برفقة زوجي، فيفحصني دون أن يكشف من جسدي إلا القدر القليل جدًا، أما في ذلك اليوم، فقد غادر  زوجي  لبعض شئونه وتركني أنتظر منفردة إلى أن يأتي دوري؛ دخلت حجرة الكشف وحدي! عندما رآني الطبيب وحيدة أصابته الدهشة،  لكنه كان أكثر أريحية إذ أمرني أن افتح زرارًا آخر من كنزتي حتى يتمكن من الفحص الجيد؛ فاستجبت رغم استيائي، ولم أبد اعتراضًا، فما دمت في أرضك فأنا خاضعة لقوانينك. جاء زوجي واستأذن في الدخول في الوقت الذي انتهى فيه الطبيب من الفحص؛ فعدّلت ملابسي ونهضت. نظر لي الطبيب نظرةً ماكرة وقال هامسًا وعلى ثغره ابتسامة اتهام :

_خوافة ! 

اكتفيت بنظرة بلهاء مستنكرة، ولم اتكلم و لم أدافع عن نفسي ، فدفاعي عن نفسي هو اتهام له، وقد اعتدت أن أتهم نفسي! وما الضير في ذلك فالنساء في بلادنا دائمًا مذنبات، هكذا علمتني جدتي، ولهذا لم اخبر احدًا بذلك الرجل الذي تبعني ذات صباح حتى مقر عملي، وفي المساء عندما انتهيت وجدته ينتظرني؛ ثم تبعني حتى باب البيت! فتملكني الخوف وظننت بنفسي سوءا، فتشت في ملابسي و في مشيتي فلم أجد خللا..تربيت على الالتزام بما يوافق عقيدتي، لكن ما حدث جعلني أتساءل : ما الذي فعلته؟ 

 في اليوم التالي أخبرني أبي أنّ ابن الحلال قد طرق بابي وحان وقت سعادتي! وعندما قابلته وجدته ذلك الذي كان يتبعني بالأمس!  شعور سعيد امتلكني كنت أبتسم خجلًا كلما تذكرته، شخص تراه لأول مرة فيكون شريكك للأبد بلا مقدمات، شعور رائع رغم أنه مخيف، وتكمن روعته في المفاجأة، والأروع .. أنه ليس بي خلل!  لم أهتم يومًا أن أعيش قصة حب، لكنني أحببته عندما علمت أنه اختارني، وما كان اختياره لي إلا بدافع الحب، أليس كذلك ؟!

 في لقاء عاطفي جمع بيننا في فترة الخطوبة سألته عن سبب اختياره لي، أخبرني أنه كان يراني كل صباح  وأنا ذاهبة للعمل،  ثم قال باسمًا 

_ لم أكن أعلم أنك تحبينني إلى هذا الحد إلا في ذلك اليوم الذي ابتسمت لي فيه! 

كانت كلماته مفاجئة، لكنني ابتسمت وغضضت طرفي، فلم أشأ أن أخيب أمله و أخبره أنّ ابتسامتي كانت لأنني تذكرت مشهدًا مضحكًا من مسرحية كوميدية شاهدتها في الليلة السابقة، وأنني لم أره من قبل. 

  حتى في العمل كعادتهم جلس الزملاء يمرحون وقت الراحة، ويتبادلون النكات أو يتسلطون على أحد منا فيسخرون منه لموقفٍ مضحك مرّ به، وبدا لي أن أحدهم أراد تسليطهم عليّ ليسخروا مني لموقف طريف مررت به وكان حاضرا، لكنه سرعان ما تراجع وحوّل الأمر على زميلة أخرى وضحكنا جميعًا، وعندما التقاني منفردة أخبرني أنه لم يشأ أن يحرجني وأحجم عن سرد الحكاية بعدما غمزت له بعيني اليسرى، ففهم أنني لا أريده أن يحكي، قال ذلك برقة متناهية جعلتني أرتاب قليلا، لكنني شكرته على حسن صنيعه وانصرفت دون أن أخبره أنّ غمزة عيني هي حركة لا إرادية تحدث من حينٍ لآخر! العجيب .. أنه كلما رأني  غمز لي وابتسم ..

كنت معبأة بالألم عندما علت نبرة جارتي حتى اخترقت جدران صبري، تذكرت  الابتسامة المكذوبة التي جعلتني أسيرة بلا فداء، و تذكرت الغمزة غير المقصودة التي جعلتني موصومة بالانحراف، وتذكرت سوء ظن الطبيب وكان هو الاولى به!

لذلك لم يكن مفاجئًا أن تخرج جارتي من بيتي باكية متهمة إياي بالوقاحة وسوء الأدب .

والحقيقة، أنني كنت حقًا كذلك ! فقد قلت لها بكل وقاحة : 

_ أنا لم أفعل ذلك !!

.....................

القراءة

........

بطلة النص كأنها  أحد شـــــــــخصيات تشيكوف  .. بطل مثخن بالجراح

 العميقة , يعانى قسوةآلام بطل تراجيدى تتركز مأساته في نقطة محورية

 و خطأ ما_ نبيل غالبًا _ لا دخل له في إيجاده , إنما وضعته الظروف في

 لهيبه , و عليــــه أن يعانى تبعات هذا التورط القدرى _ كالتردد الهاملتى , 

و غيرة عطيل , و طيبة الملك لير البلهاء ... و هكذا .


و على هذا فيمكن في ظل قراءة أخرى  النظر للنص من زاوية  ( الكيان

 النفسى المختل ) الذى أصابه عطب ما ارتيابًا أو تهيبًا و شــــكًا مرضيًا 

و وساوس تجتاح الأجواء من حين إلى حين و تؤرق المسار .

قراءة تتوقف عند المنحى النفسى للشخصية كهاجس و معوق عن التكيف  , 

و هو جانب يستدعى الشفقة الدرامية الحانية على البطل الضعيف المعذب 

تحت وطأة هذه الأوهام التي تــــؤرق مضجعه , في مقابل القراءة الأخرى

  الباهرة ( الاجتماعية \الثقافية ) التي تناولت بالتفصيل وضــــعية المرأة 

كأنثى ما زالت تقع في دوائر الذكورية غير المتفهمة و المتسلطة .

القراءة الحديثة تنادى القراءات  المتعددة مختلفة  الاتجاهات و الألوان من

 منطق أن الحقيـــقة تتميز بالأوجه المختلفة , و لا تعتمد الوجه الواحد فقط

 بالمنطق النسبى  .


أحيى الكاتبة الرائعة التي أجادت النسج و ســـارت بالسياق بشكل تناغمى

  تسلسلى تأكيدى التفافًا بخطوط الزوايا  الراسمة لجوانب الشخصية التي 

 يغرقها وسواس فقدان الثقة نتيجة عوامل كثيفة مرتدة كانت فيها التعاملات 

خاطئة مع الطفل الغض الذى يتكلس بما يُطبع عليه من مــــظاهر قد يكون 

أغلبها خاطئًا.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم