الاديبة سهام رمضان محمد حسن تكتب في مجموعتها القصصية عن الموعد




"الموعد" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة: سهام رمضان محمد حسن - مصر


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 


*************************

1-  الموعد

حين تسقط انت فقط من لديه الخيار ان تقف ثانية او تظل مكانك ،حين تسير في طريق خطأ انت فقط من لديه الخيار ان تكمل الطريق بلا فائدة او تعود ادراجك، حين تجرح او تكسر انت فقط من لديه الخيار ان تترك ذلك الجرح ينزف او تضمده و تجبر كسرك. 

فك قيود اليأس ،حطم اسوار الحزن حولك.... 

لكن حتما سيكون لنا موعد اخر 

كانت تلك كلمات هدي لنفسها بعد قراءة رسالته الاخيرة.

حبيبتي هدي انا لن آتي في الموعد المحدد، بسبب بعض الظروف .

وقفت هدي والرسالة في يدها و الدمع يآبي ان ينزل ، تختنق لا تستطيع التنفس تشعر بالدوار تكاد ان يخشي عليها، فحياتها الان تمر امامها اما ان تواجه ما ينتظرها خارج الغرفة او تعود لتلك القوقعة منطوية حيث كانت ،فهي تذكر تلك القوقعة التي خرجت منها للتو، ولماذا خرجت ،و هل تعود لها بعد ان خرجت للعالم ،لكن كيف ستواجه هذا العالم  المخيف وحدها، هل ما رأته من امل كان سراب!. هل سينتهي ذلك الحب بتلك الرسالة ،هل كان ذلك الحب مجرد لعبة واي لعبة و يا لها من نهاية .

بينما كانت العروس هدي في غرفتها تفكر كيف ستواجه مصيرها 

دخلت اختها الصغرى عليها الغرفة 

اما زلتي غير مستعدة لقد حضر الجميع لقد تأخرت و تأخر آسر ايضا ،وما تلك الورقة التي بيدك ؟

حيث كان اليوم هو حفل خطبة هدي، الزينة في كل مكان و الاضواء بألوانها الزاهية تضئ المكان بالفرح والحان الموسيقي تعلو فقد حضر الجميع للتهنئة ،حضر الجميع للاحتفال لكن اين العريس ؟

ظلت هدي  في مكانها واقفة و الدموع متجمدة في عينيها شاردة لم تجيب علي اختها الي ان قاطعتها متسائلة مجددا :

اين آسر زوجك المستقبلي الخطيب المنتظر 

قالتها و هي تضحك لكن قاطعتها تلك الدموع في عينا اختها

لن يكون كذلك و لن يكون نفس المصير.

اي مصير تقصدي؟

انا لا افهم ماذا تقصدين.

ستفهمين كل شيء الآن. 

خرجت هدي من غرفتها لتخبر الجميع ان هذا الزفاف انتهي ،خرجت متقبلة جرحها ،خرجت بعد ان قررت انها لن تعود لتلك القوقعة ،فهي تعلمت كيف تواجه ،كيف تقرر، تعلمت ان تحلق وان تطلق العنان لقلبها و فكرها ،تعلمت ان تحول لحظة الانكسار لقوة ترمم نفسها. خرجت مبتسمة 

اسعدني حضوركم جميعا و اشكر الجميع علي الحضور و اود ان اخبركم ان الحفل انتهي .

علت اصوات الجميع في عجب مما حدث واخذوا يتغامزون  و يتلمزون ، و ظلت هدي صامدة و كأن شيئاً لم يكن. و انتهى العرس .لكن لم تنتهي الحياة، ربما انتهي الحبيب لكن لم ينتهي  الحب ،انتهت قصة لم ينتهي العالم. 

عادت هدي لغرفتها غير مصدقة لما حدث تتمني ان لو كان كابوس تستيقظ منه في اي لحظة غير مصدقة ان حبها قد انتهي بمجرد رسالة . لكنها الحقيقة المؤلمة التي عليها التعايش معها .امسكت هدي بالرسالة لتقرأها مرة ثانية متأملة كلماته الكاذبة ،كلماته القاتلة .التي اطاحت بقلبها. 

حبيبتي هدي 

قرأتها و ضحكت ضحكة يخالطها البكاء. 

حبيبتك ،كيف للحب و الغدر ان يجتمعا سويا ،كيف ندعي الحب و نتقنه و لا نشعر به داخلنا .!

لما لا يتراجع الجاني عن ارتكاب جريمته حين يري براءة المجني عليه ،حين يري ثقته به و احساس الامان معه.! 

لما الخيانة ؟

و كيف يكمل الجاني حياته بعد ارتكابه الجريمة و كيف يغمض عينيه ؟

لماذا لا نعدل من نوايانا الخبيثة امام نقاء الطرف الثاني ،اي قوي شيطانية تلك التي تحركنا ؟!


طرقت اختها الباب تستأذنها الدخول بعد ان انصرف الجميع،مسحت هدي دمعها مسرعة،

تفضلي بالدخول 

هل انت بخير يا هدي ؟

نعم بخير اطمئني يا حبيبتي .

ثم خرجت و اغلقت الباب خلفها لتجلس هدي مع ذكرياتها حزينة منكسرة ، تتذكر اول حوار لهما ،تتذكر اول نظرة خاطفة  و كيف اسرتها.. حين  استوقفها أمام منزلها اول مرة. 

كيف حالك يا آنسة  هدي ؟

هل تعرفني لتسألني عن حالي؟

وكيف حالك جدتك اليوم

نظرت له هدي نظرة استعجاب و نظرة خوف ايضا. 

قال لها ضاحكا :

لا تخافي ،فأنا  هنا من أجلك .

نظرت له نظرة اخري غاضبة ثم تركته و اكملت طريقها و لم تبالي لكلماته ،فكانت حياتها كلها منحصرة  بين البيت و قضاء مشترياتها او زيارة بعض اقربائها ، حيث كانت هدي شديدة الانطوائية ،تخشي الاختلاط بالعالم ،ليس لديها هوايات تمارسها او اهداف تسعي لتحقيقها سوي مراعاة جدتها و اختها. اصبحت كل احلامها مجرد ذكريات  تستدعيها في لحظة حنين للماضي. اصبحت هدي البالغة من العمر  عشرون عاما كأنها امرأة عجوز بالية. 

مر ثلاثة ايام من اللقاء الاول ظل آسر ينتظرها امام منزلها يوميا ،ينتظر خروجها من ذاك القفص دون فائدة ،الي ان جاء اليوم الرابع ،تلك اللحظة التي خرج فيها العصفور من القفص ،شعر آسر و كأن الشمس طلت بنورها بعد سواد الليل  الحالك. تركها لتعبر الشارع ثم استوقفها ،

صباح الخير يا أميرتي

انت ثانية ،ان لم تكف عن ملاحقتي سأتخذ موقف لن يروق لك. 

انا لا الاحقك 

اذا بماذا يسمي هذا.

انا احبك منذ النظرة الاولي ،فانا اعلم عنك كل شيء .

ان كنت حقا تعلم عني كل شيء ،كنت ستعلم اني لا اؤمن بتلك السخافات. 

هل لا تؤمنين بالحب ؟

يبدو انك شخصا سفيه ،اضعت وقتي بما يكفي. 

ابتسم ساخرا من كلماتها ،

انا لست سفيه أميرتي ،بل انا عاشق

بل انك مجنون. 

نعم ،مجنون في حبك

شعرت هدي بخوف ملئ قلبها و اصابتها رعشة سرت بجميع جسدها ،همت بالرحيل لتكمل طريقها تاركة كل هذا خلفها ،حتي استوقفها قائلا 

لن أهدئ حتي ينبض قلبك بحبي. 

استدارت نحوه يملئها الغضب. 

اتركني وشأني .

اعلم انك عانيتي الكثير و ان حياتك تقبع خلف ذاك السور، وانت اصبحت أميرتي لذلك احب تحريرك من تلك الاسوار الكامنة داخلك. 

من انت و من اعطي لك الحق بكل هذا؟!

انا آسر عاشقك ،و حبي لك هو من اعطاني هذا الحق. 

حياتي التي تتحدث عنها ليست ملك لي، اما عن ذاك الحب ،فالحب فقط موجود علي ورق الروايات.

اما عن عالمي فلن اتركه لان انا هنا بأمان. 

سأكون انا امانك.

انا لا اعلم شيء عن العالم الذي تتحدث عنه. 

سأكون مرآتك التي تعكس لك كل هذا.


ستري العالم بعيوني. سأكون دوما بجوارك. 

انك كاذب .

اتركني و شأني فقلبي لا يحتمل جرح جديد. 

دعي الايام تثبت. لن اتحدث عن نفسي كثيرا و لن اقول لك اشعار ، فالرجال افعال لا اقوال ، فقط الايام  وحدها شاهدة علي ما اقول .

تنهدت هدي  بألم وقالت بينما تمسح دموعها ،

حقا لقد ثبتت الايام ، حقا قد شهدت علي المكر والخديعة ،لقد شهدت علي الغدر و الخيانة. 

حتما سيأتي  موعد نلتقي فيه ،سأظل انتظر ذلك الموعد ،حتما ستعود نادما لكن حين تعود لن تجدني خلف تلك الاسوار، لن تجد ذلك العصفور الضعيف داخل القفص ،لقد تحول العصفور لنسر يعشق التحليق عاليا ، يعشق ان يظل رأسه عاليا ،يآبي الاسر. 

لقد قررت هدي ان تكمل تعليمها  الجامعي ،قررت ان تخرج للنور ،لقد اقسمت بأنها لن تعود تلك القوقعة ثانية ، قررت ان تحول هذا الانكسار الي نجاح ينبهر منه الجميع ،ربما اخرجها آسر من القفص لكن هي وحدها القادرة ،ربما جعلها تري العالم خارج حدود يأسها لكن هي وحدها من عليها تلوين و تشكيل عالمها. و شرعت في البحث عن عمل بجانب الدراسة. حرصت هدي علي حضور دورات تدريبية لتتعلم لغات جديدة الي جانب دورات و ندوات للتنمية البشرية .

في يوم عادت هدي من العمل متعبة و كادت ان تدخل الي غرفتها لتنال قسط من الراحة بينما استوقفتها جدتها،

اري التعب انهكك يا عزيزتي. تكادي تقتلي نفسك بين دراستك ،عملك و بين احتياجات البيت، هوني عليك يا عزيزتي. 

لا عليك يا جدتي لقد هانت ،انه العام الاخير للدراسة ،ثم سأتفرغ  للعمل. 

لما كل هذا ؟ اما زلت تحبينه ؟ام ان هذا شعور بالانتقام ، وان كان كذلك فانت تنتقمين من نفسك ،و ربما هو يحي حياة طيبة.

لا هذا و لا ذاك يا جدتي. كل ما في الامر اني و جدت نفسي ،وجدت احلامي التي دفنت سابقا. ادركت ان الحياة لا تقف علي اشخاص و مواقف ،بل انها تقف فقط علينا نحن ،نحن فقط يا جدتي ،نعم نحن فقط قادرين علي تحويل مصائرنا. 

أ تذكري يا جدتي حين تركتنا امي بحثا عن كبريائها ولم تفكر قط كيف سنحي بعدها و ماذا قد يصيبنا في غيابها ، وابي الذي اندفع خلف نزوته ،ولم يفكر في مصيرنا ايضا، تذكرين ذلك اليوم الذي تشتت فيه تلك الاسرة ، تعلمين يا جدتي لو سمع كل منهم  الاخر لما حدث كل هذا ،لو تنازل احدهم ، لو سامح كل منهم الاخر ،لو تذكروا تلك العشرة بينهم ،لو تذكروا هاتين الطفلتين وهذه العجوز ،لما حدث كل هذا... 

هل تذكرين ذلك اليوم الذي انتهي فيه كل شيء يا جدتي. ذلك اليوم الذي اخترت فيه العزلة و الضعف والاستسلام للانكسار كأن العالم انتهي .

ذاك اليوم كانت هدي في الصف الثاني الاعدادي ،فهي طالبة متفوقة ،لكن ما أشد من الايام قسوة حين  تفاجئنا بما تضمره لنا. كانت هدي عائدة من المدرسة يملئها الامل والطموح حيث حصلت علي المركز الأول في مسابقة لأوائل الطلبة، ارادت ان تشارك تلك اللحظات مع اسرتها الصغيرة ،المكونة من اب وام و جدة و اختها الصغرى. 

تطرق علي الباب و كأن طرقاتها مقطوعة موسيقية، لتفتح جدتها الباب و يبدو عليها ملامح الحزن، فسألتها هدي :

ماذا حدث يا جدتي !

اين امي واين ابي هل لازال في العمل فقد تأخر اليوم.

اخذت هدي تبحث عن امها في ارجاء البيت تنادي عليها بصوت يملئه الخوف 

امي اين انت يا أمي 

. فوقعت كلمات جدتها عليها كالصاعقة،

لن تجدي اي منهم يا هدي. 

لقد تزوج ابيك من اخري ولم تقبل امك بهذا فقررا الانفصال .

ارتمت هدي بين احضان جدتها ،تبكي بانهيار لقد ادركت ان كل شيء انتهي ،

كيف حدث هذا ولماذا ،أجيب يا جدتي ،وأين نحن من تلك القرارات ؟

لقد كبرتي يا صغيرتي و عليك تفهم الامر و عليك ايضا الاعتناء بنفسك و بأختك فإيامي باتت معدودة. 

لا تقولي ذلك يا جدتي فأصبحت انت كل شيء .

ظلت هدي ترعي جدتها  و اختها الي ان وصلت للمرحلة الثانوية وانهتها ،و عند انتهاء تلك المرحلة انتهت الاحلام بالنسبة  لها . حيث شغل اهتمامها بعائلتها كل وقتها و استنفذ كل طاقتها ،فأصبحت مكرسة حياتها من اجل صغيرتها و جدتها التي اشتد عليها المرض. حيث وضعت قلبها واحلامها في صندوق والقت به في الفضاء. 

ما زلت تذكرين تلك الايام يا عزيزتي. 

بل أتناسها دوما. 

احتضنتها جدتها و قبلة جبينها ،

فليحقق الله جميع امنياتك و ليشف جميع جروحك يا طفلتي.. 

قبلت هدي يديها ثم دخلت غرفتها لتفكر فيما قالت جدتها، 

هل حقا مازال بقلبي ام اني اود الانتقام.؟

لا لا انه ليس انتقام ؛ كيف انتقم و انا لم اؤذيه ولم اتمني له هذا.؟

اذا ماذا ؟

سكتت هدي تقاوم احساسها ،تكذب نفسها ،تضحك علي عقلها ،لا تريد مواجهة الحقيقة الكامنة بقلبها ، فأجابتها دموعها ، اغمضت عيناها و اخذت نفسا عميق مرددة بغضب،

لا ،لن يكون هذا صحيح ، لن يكون بقلبي .

ما بك يا قلب تهوي من اراد هوانك 

ما بك يا قلب تهوي من اراد عذابك

لا لن يكون للماضي  تأثير ، انه المستقبل و المستقبل فقط.

 بعد يوم طويل من المشقة و التعب و كثرة التفكير غرقت هدي في النوم لتستيقظ في الصباح الباكر تستقبل يومها  بابتسامة يملئها الامل ،تملئها الارادة  ،فكان عليها الاستيقاظ مبكرا لتمر علي المكتبة لشراء بعض الكتب و المراجع اللازمة لإجراء  الابحاث المطلوبة بالجامعة. حيث اصبحت تقصد المكتبة يوميا تقريبا منذ التحاقها بالجامعة ، فكان صاحب تلك المكتبة رجل حكيم ذو خبرة واسعة ساعدته في التقرب الي الشباب و الفتيات الواردين الي المكتبة و كان يقيم بها ندوات ادبية و امسيات شعرية ، حرصت هدي علي حضورها كل امكن لها الوقت ذلك. 

صباح الخير يا عم فتحي

صباح الخير يا ابنتي

كنت قد طلبت بعض المراجع هل و جدتها لي ؟

نعم ، لقد احضرتهم لك ،تفضلي 

و تفقديهم ربما يكون شيئا ناقصا

اشكرك .

لكن هل تأذني لي بسؤال يا بنيتي ء؟

بالطبع نعم. 

اراك تنهمكين في دراستك بشكل كبير علي غير  زميلاتك. 

حيث كانت هدي من الطلاب الدائمين لديه. ابتسمت هدي واجابته ،

لانهم يسيرون في وقتهم الطبيعي ، اما انا فأسابق الزمن ،لقد فاتني الكثير، و لا ارغب في تضيع

ما بقي لدي من وقت. 

وارغب بالفوز في نهاية  ذلك السباق .

ستفوزين حتما يا هدي، فلكل مجتهد نصيب. 

 ودعته هدي ، لتلحق محاضراتها بالجامعة .

بينما كانت هدي في الحافلة متجهة للجامعة اذ بكلمات ام كلثوم(انت عمري) تأخذها الي وقت ليس ببعيد ، وقت كم تمنت لو اسقطته الحياة من ذاكرتها ،حيث  كانت تلك الأغنية الاولي التي اهداها آسر اياه

اللي شفته قبل ما تشوفك عينيا عمر ضايع  يحسبوه ازاي عليا

انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه

قد ايه من عمري قبلك راح و عدي

تعلمين يا هدي ان كلمات هذه الاغنية تعبر عن كل ما بداخلي نحوك. 

وقفت الحافلة مما قطع شرود هدي واستعددت للنزول محدثة نفسها :

يا لك من كاذب.

و كم كنت غبية حين صدقتك. 

ثم سكتت للحظة و تابعت

دعك من الماضي ، وركزي هنا فهنا مستقبلك و هنا انت.

اكملت هدي مشوارها الجامعي و حصلت علي ليسانس الحقوق بتقدير جيد .ثم عملت بإحدى مكاتب المحاماة لاكتساب الخبرة اللازمة فترة من الوقت ،حتي استطاعت تحقيق ذاتها و اثبات جدارتها. 

استلمت هدي عقد عمل بإحدى الشركات الخاصة كمسؤول الشؤن القانونية. الي جانت عملها الخاص و علي الرغم من اندماج هدي في العمل الا انها لم تنسي قط موعدها ،ذلك الموعد المنتظر. 

بينما كانت هدي في غرفتها تراجع بعض القضايا اذ بجدتها تنادي عليها ،تركت هدي تلك الاوراق المبعثرة علي المكتب مسرعة لغرفة جدتها. 

ما بك يا جدتي  وما الذي ايقظك الآن ؟

هل انت متعبة ،أيؤلمك شيئا ؟

نعم يؤلمني

انت يا هدي 

وقفت هدي صامتة متعجبة تلك الكلمات تنظر لجدتها غير مدركة ماذا تقصدها. قاطعتها جدتها قائلة 

منذ متي لم تزوري والديك ؟ و الي متي ستظلين  ترفضي كل من يتقدم لخطبتك؟

والداي 

قالتها ثم سكتت شاردة و الدمع يلمع بعينيها. 

اظنك نسيتهما 

بل هما من نسيا .

الي هذا الحد ملئ السواد قلبك ،اين الحب الذي زرعت بقلبك ،هل هذا ما علمتك. ؟

عن اي حب تتحدثين يا جدتي فقد ولي زمنه ،هل بعد تخلي الام حب ،هل بعد رحيل الاب حب.

الا تذكرين تلك السنين وكم عانينا ،الا تذكرين تلك المراهقة التي شاخت فجأة و تلك الصغيرة التي تيتمت بلا ذنب .

اما عن تلك العروس فقد احتضن الكفن قلبها بدل ثوبها الابيض؟

هل ما زلتي تذكرين الحب يا جدتي ؟

نعم سأظل اذكر الحب دوما و سأذكرك بان نبتة الحب في قلبك سيغطي ظلها ذاك الحقد و سيطفئ نداها تلك النار المتقدة داخلك. 

فإحساسي لن يخذلني  يا بنيتي ،فالإحساس الصادق لا يخذل صاحبه .

بل يخذل يا جدتي.. حين نثق اكثر من اللازم  يخذل ،حين نحب من لا يستحق يخذل .

انسي الماضي فالمستقبل ينتظرك يا بنيتي ،اصفحي وصافحي الفجر الجديد .

ما زلت انتظر ذلك الموعد .

قالتها هدي في سرها ثم ذهبت الي غرفتها تعيد حديث جدتها الذي اشعل نار قد انطفأت في قلبها او حسبتها كذلك. 

بعد مرور يوميين اصيبت والدتها بوعكة صحية وحين علمت هدي بالخبر هرولت اليها هدي  دون تفكير مرتمية بين احضانها. 

هل انت بخير يا أمي

نعم يا حبيبتي انا بخير منذ رأيتك 

ظلا يتحدثان طويلا ثم عادت هدي الي بيت جدتها بعد ان وعدتها بان تزورها ثانية و بمجرد ان دخلت البيت اذا بجدتها مبتسمة و كأن اخيرا قلبها أطمئن. 

الم اقل لك يا هدي ان الحب سيغطي قلبك نورا .

جست هدي علي ركبتيها مقبلة يدي جدتها 

الحمد لله  الحمد لله يا جدتي  .

بينما كانت هدي في طريقها للعمل اذا بشخص يقف امامها نظرت له مبتسمة لم تكن ابتسامتها بريئة.

كان ذلك الشخص هو آسر ،وقف ينظر لها متعجبا لردة فعلها قائلا

حسبتك ستتفاجئين لرؤيتي. 

ضحكت هدي ضحكة عالية ضحكة تملئها السخرية. 

كنت اعلم انك عائد فكم انتظرت هذا الموعد .

فرح آسر لما سمع ظن انها تنتظره حقا 

اعلم ان اي شيء لن يعوضك ما فات و اعلم ايضا اني جرحتك جرح كبير  

قاطعته هدي قائلة 

بل ذبحتني و تركتني انزف دون رحمة ،لقد انتزعت قلبي لتقطعه اربا 

لماذا ،هل كان ذنبي ان احببتك ام اني وثقت بك ؟

و هل الحب ذنب يستحق العقاب! 

ظل آسر صامتا دامع العينين يبدو عليه الندم. 

لكني احبك حقا يا هدي

لم اكن اعلم اني احبك الي هذا الحد. 

قاطعته هدي 

وفر مشاعرك الكاذبة لضحية اخري ،فانا لم اعد ذلك العصفور الصغير الحالم بالحرية ،لأني قد تحررت فعلا.

انا لم انتظر موعدك هذا لأسمعك منك اعتذار واعذار ولم انتظرك شوقا ،

بل انتظرت لأشكرك ، فأنت من اخرجني من خلف تلك القضبان و فك سلاسل اليأس حولي 

اشكرك لأن لولا انت ما تحول ذلك العصفور البريء لنسر يحلق عاليا ..

لولا انت ما ادركت تلك القدرات الكامنة داخلي.. 

همت هدي بالرحيل و استدارت لتعبر الجانب الاخر من الطريق رافعة رأسها و هي تتنفس الصعداء و كأنها تعانق الصباح لأول مرة و بعد بضع خطوات استوقفتها كلمات آسر

يا سيادة المحامي الا تعلمي ان قبل تطبيق القانون هناك ما يسمي روح القانون. 

و ان لم تسامحيني فستكون قد ارتكبت نفس خطيئتي ،حينها يتساو الجاني و المجني عليه 

استدارت هدي نحوه صامتة 

اعلم ان قلبك ما زال ينبض بحبي وان القلب الذي يحب لا يعرف للكره طريق. 

نعم ما زلت احبك لكن جرحك اكبر من هذا الحب .لقد مضي ستة اعوام و ما زال ينزف ،ستة اعوام و لم يلتئم  بعد.

لقد صدر الحكم ضدك و انتهي الأمر. 

سأستأنف حكمك مرارا و تكررا حتي يلتئم  جرحك و يصفي قلبك . سأنتظر موعدك 

اذا ستنتظر ما حييت. 

لا بل قريبا يا حبيبتي  فأنا اثق بإحساسي ولن يخذلني ابدا. 

اكملت هدي طريقها ولم تنطق بكلمة و ظل آسر مكانه حتي تلاشت هدي من امام عينيه. 

و اخيرا رددت هدي لنفسها 

لن يخذلك احساسك حقا ،لقد سامحتك و ما زلت احبك ،لكن أين الثقة التي فقدت وأين الامان الذي ضاع….فلن يدوم الحب دون ثقة دون أمان. 

بينما هدي في شرودها اذ بعصفور يقف علي كتفها تضحك قائلة 

فلنحلق بعيدا ،فلنحلق مغردين الحان الحياة....






2- لا شيء

اهداء الي عائلتي التي اكتنفتنِ بالحب دوما .

اهداء الي صديقة دربي أمينة

اهداء الي كل من جرحني وكان جرحه مصدر قوتي.

اهداء الي كل من تمن لي الخير….

مقدمة

الحب كالشجرة الطيبة الا لم ننتفع بثمارها يكفي ظلها، الحب هو تلك الطاقة الخفية التي تلون الروح بالوان مبهجة، الحب هو البلسم الشافي من اي جرح ،الحب هو طريق التسامح والامل ،الحب هو القوة .

فالحب ثمرة لا تنبت في كل القلوب فهنيئا لكل قلب لا يثمر الا حب ،لكل قلب لم تلبسه الجراح ثوب السواد ،لكل قلب لا يعرف للكره طريق مهما تجرع من آلام.

لكن الحب وحده لا يكفي لابد من ان يرويه التسامح والثقة و يدعمه التفاهم و التغافل حتي ينمو و نتذوق ثمرته.

اهدي هذه الكلمات الي كل من جرح وغدر وخان باسم الحب ،الي كل من تلاعب بالمشاعر وكسرها باسم الحب ، فالحب اسمي ،وسيظل الحب باقي ما بقي الزمان ،قادر علي شفي الجراح وجبر الخواطر و ستظلون انتم محرمون منه دائما…

د/مصطفي محمود

“الحب هو الألفة و رفع الكلفة، ان لا تجد نفسك في حاجة للكذب ان تصمتا انتما الاثنين فيحلو الصمت وان يتكلم احدكم فيحلو الاصغاء”

*********

اذن لماذا سحبت خنجرك و غرسته بقلبي!

كان هذا حوارهما الاخير

اغمضت سلمي عينيها متجاهلة ما مر بذهنها …..

انها الحادية عشر من مساء كل يوم حيث تتفرغ سلمي لقراءة الكتب.فكانت سلمي هادئة الطبع يشوبها شيء من العصبية ،تميل للعزلة قليلا، الا انها تحب الحياة بكل ما بها من تحديات.. تؤمن بان الحب اساس الحياة ،ان الحب وحده كفيل بتضميد الجراح و تذليل العقبات.كانت تعتقد دائما ان الحب يسود كل القلوب ،لكن كيف يسود الحب في زمن اصبح به التكلف نمطا حياتيا واصبح للحقد والكراهية صوت يعلو صوت الحب ،فهي تردد دوما ان الحب باقي ما بقي الزمان.

بينما كانت سلمي تقرأ كتابها اذ بصوت والدتها من خارج الغرفة :

• هل نمتي يا سلمي؟

• تفضلي يا امي ما زلت مستيقظة.

• كيف كان يومك ،لقد تأخرتي كثيرا عن موعد غدائك؟

• نعم يا امي الكثير والكثير من المهام .

توقفت سلمي عن الحديث لحظة ناظرة لوالدتها محدثة نفسها

ماذا تريد امي فانا كثيرا ما أتأخر عن موعدي .

ادركت والدتها معني تلك النظرة فسارعتها قائلة

• تعلمين يا ابنتي اني كبرت كثيرا في العمر و والدك ايضا و كم تمنيا ان نراك عروسا لتكتمل رسالتنا بالحياة ، الان ادركت سلمي ما كانت تريد والدتها فقاطعتها

• امي كم تحدثنا في ذاك الموضوع، وكم مرة اخبرتك باني لن اتزوج بتلك الطريقة :لذلك وفري جهدك ،

لن اتزوج الا بمن يقتنع به عقلي وقلبي.

لم تكن سلمي تنتظر بطلا خارقا لترتبط به ،فكل ما تمنته هو انسان بسيط في زمن ندرت به البساطة ،في زمن اصبحت به المشاعر مزيفة و باهتة ،انسان طموح لديه عقلية واسعة ،انسان تشعر معه بالأمان .

• حسنا يا سلمي سأبلغ والدك انك لم توافقي علي ادم ابن عمك

وهمت والدة سلمى بالخروج من الغرفة الي ان استوقفتها سلمي ،فكانت سلمي غير متوقعة ما سمعت او انها متظاهرة بعدم توقعه يخالجها شعور مختلط بين الفرحة والخوف.

• هل كان ادم يا امي

• نعم ادم.

حيث كان ادم شابا يافعا متوسط الحال يكبرها بثلاث سنوات يمتاز بالحس الفكاهي ،مثقف رغم حصوله علي تعليم متوسط، لديه عمل حر، و لديه ميول مشتركة منذ الصغر مع سلمي.

ردت سلمي مسرعة قبل ان تغادر والدتها الغرفة : حسنا سأفكر بالأمر.

كانت سلمي لديها مخاوف كثيرة من فكرة الارتباط فهي لا تريد لقلبها الحالم ان يكسر ،لا تريد ان تضع بذرو الحب في ارض بور ..لذلك كانت سلمي تخبئ مشاعرها بين الكتب و ملفات العمل ،تخفيها في ثوب القوة.

اخذت سلمي تفكر جيدا في ذاك العرض خاصة انها لم تكن المرة الاولي التي تقدم لها ادم لخطبتها ..

فبعد مرور يوميين اخبرت سلمي والدتها بالموافقة ،ففرح الجميع وشرعوا في اعداد الترتيبات اللازمة. الي ان جاء اليوم الموعود ،فكل شيء حدث في لمح البصر.

كان ادم في ذاك اليوم تبدو عليه ملامح السعادة حيث بعيناه بريق كبريق النجم الهادي في جوف الليل الصافي ،تملئ ثغره ابتسامة خافتة تبادله اياه سلمي .وبينما هما يتبادلان النظرات والابتسامات قاطعته سلمي سألة ،:

 لماذا انا

 لأنك كالوردة المزروعة ببستان القصر لا احد يستطيع لمسها او شمها باستثناء الملك.

 ابتسمت سلمي واخفضت راسها من الخجل. ثم تابعت حديثها لكنك ذو ماضي ،فلماذا تركته وهل نسيته ام انك…

قاطعها ادم قائلا:

اعلم ما يدور بعقلك، فقبل كل شيء انت ابنت عمي و من دمي و تعلمين مدي معزتك بقلبي ،فلا تخافي انا لن اضرك فلم اضر غريبا فكيف سأضر من هو مني.

اطمأنت سلمي لحديث ادم المغموس بالعسل متناسيه كم من سم قد دس بالعسل! باتت سلمي في منتهي السعادة حيث انها اخيرا وجدت حب عمرها وجدت أمانها او انها توهمت ما وجدت.

• اما انا فاخترتك لأن شعرت معك بالأمان ،و اعطيك ثقة لم اعطيها احد من قبل.

فكن لي الامان دوما فيكفي غدر الزمان

لا تغضب من جنوني فالقلب يحمل براءة الاطفال

فكن لي ملجأ من العالم اهرب اليه

رد ادم :تأكدي يا ملكتي ان اختيارك صحيح .

• تعلم ان احساسي اتجاهك لم يخطئ ابدا دوما كنت اقرأ عينيك، هل تؤمن بمقولة .

“ما تخفيه القلوب تفضحه العيون. “

• نعم فكم اخفيتي مشاعرك عني و فضحتك عيونك



في تلك الايام صار كل شيء علي ما يرام ،بات ادم ينسج شباك الحب حولها ،وصارت العلاقة بشكل هادي يسودها الحب والاتفاق الا انها اختلطت ببعض من الاختلافات الطفيفة التي تحدث في الطبيعي التي لم تستطع ان تطغي علي شحنات الحب بينهما.كانت سلمي تعلم جيدا في قرارة نفسها ان هذا الهدوء السائد لم يكن الا ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة، ليس تشاؤما منها .لكن رغم حبها الشديد له و رغم شعورها بحبه لها الا انها دائما ما اخبرها حدسها ان هناك شيء خاطئ، شيء لا يقبله عقلها و لا يرتاح له قلبها ، فهي تعلم ايضا ان الحب الحقيقي لا تظهره تلك الايام الخوالي ولا اغنيات الغرام بينما تظهره الخلافات و المواقف الصعبة تظهره تلك التحديات العنيفة التي تواجهنا بها الحياة دائما.

فهنا وهنا فقط يظهر من احب ومن ادعي، يظهر العاشق ومن سيسقط عنه القناع. فكما يقول الشاعر فاضل اصفر:

لا يخدعنك شكل الرجل وان كان يبدو بأبهي الحلل

فرب دواء شديد المرار ورب سموم بطعم العسل

و فتك الذئاب يكون عظيما. اذا ما تخفت بجلد الحمل

.فكم تمنت ان يخطئ احساسها تلك المرة، فكم تمنت ان يغلب حبه تلك الحيرة بقلبها…

سرعان ما تمر الايام الحلوة ، لقد مر شهر منذ اتمام الخطبة واخذت العلاقة شكل جديد، بعد كل هذا الحب الذي يملئه الشغف ساد الفتور بينهما ،هل انتهي الحب و كيف وقف الحب عاجزا مهزوما امام ذلك الانهيار !ام انه مجرد شغف انتهي بانتهاء الحماس!

فجأة اصبح ادم صامتا ،اصبح شاردا عنها وان كان قريب .، لم يعد يقابلها كما كان ،لم يجب علي الهاتف الا في اضيق الاوقات ،اصبح كل ما يربطهم رسالة علي مواقع التواصل الاجتماعي .

و اخيرا التقت سلمي بآدم مصادفة كالغرباء ،فسألته سلمي مستنكرة هذا الوضع:

• اريد ان افهم ما يدور حولي ،فإنا لا يروق لي هذا الامر.

• ماذا تعتقدين اذن؟

• انا من بدأ السؤل و اريد جوابا

• ربما فعلت امر دون قصد مني ،ربما سوء تفاهم ، وربما قد قصرت معك في شيء

• اخبرني ماذا فعلت انا من كل هذا.

• وان كانت لديك علة او خطب ما لماذا لم تخبرني اذن؟

رد ادم :

• لا شيء ، لا هذا ولا ذاك.

ثم ساد الصمت قليلا بينهم و قطعته سلمي :

عاتبني فصمتك يقتلني

عاتبني فعيونك لما اخفيت فاضحة

فكيف تقول اهواك

واراك تحيا بعذابي

كيف تقول البعد عني محال

وارك بعيدا في قربي

عاتبني فصمتك يقتلني

رد آدم بشيء من اللامبالاة و كأنه يريد ان يستفزها.

• لا شيء

• تعلم يا آدم ان لدي احساس يخبرني بأنك تتصرف معي علي عكس ما في قلبك.

• اتبعي احساسك اذا.

• هل تعلم اي احساس لدي ؟

عاد آدم لصمته مجددا ، و انصرف دون ان يودعها ،تاركا ايها في مزيد من الحيرة والألم.

لا تعلم سلمي ماذا حدث ،و كل ما تيقنه سلمي ان شيء كسر و صعب اصلاحه ،فحاولت سلمي جاهدة فهم ما حدث لكن يبدو انها تحاول وحدها ،و ربما هي و حدها تريد ابقاء العلاقة علي قيد الحياة .

طوال تلك المدة بدت سلمي متماسكة ،هادئة ،قوية ، تتحلي بالصبر علي عكس عادتها ،لكن قلبها يعصف من الالم و تشتت الحيرة عقلها ، نعم ان اقوي صراع قد يقوده الانسان ذاك الصراع بين ما يقبله قلبك و يرفضه عقلك ما ينفيه قلبك و يثبته عقلك ،و في نهاية الامر اخذت سلمي قرار واسرته في نفسها ،اخفت سلمي حزنها وحيرتها عن الجميع الا صديقتها المقربة ندي التي كانت دائماً معها. فهي صديقتها منذ الطفولة و تعملان سويا في نفس الشركة مما و تطد علاقتهما رغم اختلاف شخصيتهما ، فتمتاز ندي بشخصيتها الاجتماعية و تمتلك حس من الدعابة و اللامبالاة علي عكس صديقتها التي تمتاز بتحملها الشديد للمسؤولية ،فكانتا تتبادلان وجهات النظر في معظم امورهم.

لم تستطع ندي مساعدة سلمي لأنها مثلها باتت في حيرة لما يفعله ادم و ماذا يخفي وراء صمته! و كيف استطاع هجرها كل تلك المدة و اين ذهب كل ذلك الحب ،ام انه مازال موجود! فكل ما نصحتها به ندي ان تتحلي الصبر، لعل الله يحدث بعد ذلك امرا.

• مبارك لك يا سلمي، انت فتاة مجتهدة و تستحقين كل خير .

• شكرا جزيلا يا سيدي، فهذا بفضل توجهات حضرتك بعد فضل لله.

• اتمني ان اكون عند حسن ظنك يا سيدي

• ائذن لي بالانصراف

• تفضلي و بالتوفيق دائما.

انصرفت سلمي الي مكتبها و هنئها أصدقائها علي منصبها الجديد بالشركة، حيث انها تحب عملها و تتقنه ،فكانت دائمة الدراسة و القراءة مما اكسبها مهارات جديدة ساعدتها في كسب ثقة رؤسائها. لقد اعتادت سلمي ان تحول اي لحظة انكسار او حزن لديها الي طاقة ايجابية تدفعها للأمام ،تدفعها للقمة ،اعتادت ان تقف علي حطام اليأس لتصل للقمة ،فكانت دائما راضية عن انجازاتها حتي و لو قليلة ،يكفي فقط ان تمتلك القوة التي تقف بها امام حزنك .

اعدت سلمي حفلة صغيرة بمنزلها و حضر الاصدقاء لتهنئتها ،فكان اليوم حافل وجميل ،لقد تناولوا العشاء سويا وسمعوا بعض الاغنيات معا ،و في ظل هذا الصخب والاصوات المتعالية ،شردت سلمي بذهنها الي واد بعيد الي حيث الحيرة و الألم ،في هذه اللحظة ادركت سلمي ان كل شيء انتهي.

قالت محدثة نفسها:

• اتي الجميع الا هو ،الكل رأي نجاحك و هو لم يراك من الاساس ،اي لعبة هذه !

ظلت سلمي شاردة لحظات و يبدوا ان ندي لاحظت ذلك فقطعت حبل افكارها حتي لا يلاحظ احد ما يحدث.

• كل شيء سيكون علي ما يرام

• ابتسمت سلمي ، نعم كل شيء سيكون كذلك.،قريبا سيعود كل شيء لطبيعته.

انتهي اليوم فمنذ زمن لم تحضر سلمي حفلات ،فهي بطبيعتها تحب الهدوء ، لكن ايضا كان يوم مميز ،جعلت سلمي نور الغرفة خافت لتقرأ القليل قبل النوم ،امسكت الكتاب و تهيأت للقراءة ،عينها علي الكتاب و عقلها محلق بعيدا ،اغلقت الكتاب و كادت ان تنام و قبل ان تغمض عينيها لمحت طيفه امامها ،فدمعت و حدثت نفسها :

• ان كان يحبني حقا فأين هو الان.

• كيف هنت عليه و لماذا اقترب اذا كان يود البعاد!

• كم ارغب في ايجاد اجابة علي كل هذا.

وقفت امام صمتك حائرة

أ يشبه البحر في علو موجاته

ام يشبه البحر في هدوء جريانه

وقفت امام صمتك حائرة

أ قارب نجاة

ام قارب فارق قبطانه !

مسحت سلمي دموعها و خلدت للنوم لتستقبل يوم جديد غير فاقدة للأمل ،فغدا سيكون اجمل ،فغدا سينتهي كل ألم، فغدا سيصبح كل هذا لا شيء ،








دربت سلمي نفسها دوما ان تستقبل اي مشكلة بأمل و قوة و قبل كل هذا ثقتها بالله ،فرب الخير لا يأتي إلا بخير. قالت لنفسها مبتسمة،

يكفي هذا 

فقد خلقت العلاقات للراحة ،ليكمل كل منا الاخر ،لمساندة بعضنا البعض لا لاستنزاف طاقتنا في التفكير المفرط. من ارادك حقا سيبحث عنك ،من ارادك سيفتقدك ،من ارادك سيقبل عيوبك قبل مميزاتك. فلقد خلقنا الله  ازواجا للسكن والراحة ...قال عز وجل "ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة "


استيقظت سلمي لتستقبل يوم جديد بمهام جديدة  في منصب المدير مدركة كم المسؤوليات علي عاتقها ،اجتمعت بزملائها لتتفقد بعض الامور و توزيع المهام ،غير مستخدمة اسلوب رئيس و مرؤوس ،فهي تفضل روح التعاون والمشاركة اكثر من اعطاء الأوامر. و في خلال فترة وجيزة استطاعت تطوير وتغيير الكثير و الكثير في الشركة . في تلك  الفترة غرقت سلمي في عملها اكثر من اللازم  ،ربما لتثبت انها علي قدر المسؤولية التي وكلت لها ،او هربا من واقعها. لاحظت ندي انهماك صديقتها في العمل ،فطلبت منها ان يلتقيان خارجا بعد انتهاء عملهم. وافقت سلمي ، و التقيتا في احد المطاعم ،وتناولتا الغداء معا. 

بدأت سلمي الحديث قائلة :

اشكرك يا ندي علي دعوتك ،فكم كنت احتاج اليها. 

نعم ،فمنذ متي لم نخرج سويا خارج اسوار الشركة. ؟

اراك يا سلمي تنغمسين في عملك اكثر من اللازم أصبحت تقضين يومك بها اكثر من منزلك ، هل تهربي من مواجهة قرارك ؟

اهرب ،انت تعلمين جيدا اني لم اهرب قط من اي مواجهة . كل ما في الامر اني استعيد توازني ،استعيد ثقتي و قوتي ،فانا كمن تلقي ضربة علي رأسه افقدته توازنه. 

اعتذر يا صديقتي ،لم اقصد مضايقتك ،انا خشيت عليك من التعب. 

لا عليك انت تعلمين جيدا ان لم اتضايق منك.. 


عادت سلمي الي منزلها تفكر في ما قالته ندي هل ما تفعله حقا هروب ،و هل حقا لا تستطيع تنفيذ ما اتخذت من قرار ،واي قرار سينفذ ، ما اتخذه عقلها ام ستتبع قلبها .ظلت سلمي صامتة لحظة محاولة فض الاشتباك القائم داخلها ،الي ان غرقت في النوم .

مر ثلاث اشهر علي خطبة سلمي ،او علي علاقة سلمي المضطربة قد لا نسميها علاقة لان العلاقة تتطلب طرفين ، وفي حالة سلمي كل شيء  كان من طرف واحد ، طرف يتحدث والاخر ينصت، طرف يعطي واخر يستقبل ،طرفان يكمل كل منهم الاخر ،في تلك الاثناء عاشت سلمي اقوي صراع قد تواجهه الا و هو صراعها مع ذاتها ؛صراع بين حبها و كبريائها .فكم تمنت ان ينهي ادم ذلك  الصراع  بداخلها حتي بكلمة واحدة. لم يتخذ ادم اي خطوة ليحافظ علي بقائها ،ليحافظ علي حبه كما ادعي ، قررت ان تفعل محاولتها الاخيرة ، قررت ان تنهي الحيرة و الشك بداخلها ،قررت ان تسمع صوتها . 

بينما سلمي في مكتبها تقلب في بعض الورق دخلت صديقتها ندي :

صباح الخير يا حضرة المدير 

صباح الخير يا آنسة

ضحك الاثنان ضحكة عالية ثم تابعت ندي حديثها 

اراك اليوم في حال جيد ،واري في عينيك ان حيرتك قد انتهت .

فعلا قد انتهت .،انها محاولتي الأخيرة. 

ماذا ستفعلين .؟

سؤالا واحد سأطرحه عليه و علي رده ،اما سيكون بقلبي كل شيء او لا شيء. 


بين شوق يود لقائه و كبرياء يرفض رؤياه 

نعم اشتاق لكن وضعت كرامتي فوق اشتياقي 

ارغب في وصلهم دوما لكن طريق الذل لا تهواه ساقي.     ..

                                               شعر احمد شوقي

     ذهبت سلمي لرؤية ادم ،كان لابد لهذه الزيارة ان تتم ،حتي تضع نهاية  لقصتها. ذهبت متمنية ان يخونها احساسها هذه المرة ، و بمجرد ان رأته اجابت عيناه عن كل أسئلتها ،ظلا ينظران لبعضهما  بصمت، قطعه صوت سلمي المتهدج خافية دموعها متظاهرة بالقوة حتي لايري ضعفها :

انا هنا اليوم ليس لأسئلك عن النهاية  لأني اعلمها جيدا. لكن لاطرح عليك سؤلا واحدا:

اتذكر حين قلت انك لن تضرني فانا لم اضر غريب فكيف اضر من هو مني. 

اذا لماذا سحبت خنجرك و طعنته بقلبي! 

ظل ادم صامت لا يبالي لما تقول ، وكأنه يتلذذ بعذابها. 

استعدت سلمي للذهاب بعد ان حسم كل شيء  ،كادت ان ترحل ولم يمنعها آدم، وصلت للباب لتخرج و لكنها استدارت  ناحيته و قالت

علي كل انا لم اخسر شيء ،انت من خسر الحب ،خسر الاخلاص والصدق . ربما كان اختيار خاطئ ،ربما كنت بارع التمثيل فغالبا ما يكون الصياد اشد مكرا و ذكاءً من الفريسة. 

فدائما  يتربص و يتلصص لاختيار الوقت المناسب لينقض علي فريسته، بينما تتصرف  هي بتلقائيتها ،تحيا بطبيعتها ،بسذاجتها ،غير مدركة لما يدور حولها ،غير مدركة بصائدها ، ترقص و لا تعلم انها ترقص علي الحانه  ،تاركة العالم خلفها لترتم بين فكيه مطمئنة ليغرسهما في قلبها ،تلفظ هي انفاسها غير آبه بها ،ليبحث عن فريسة اخري بلحن جديد ،معتزا بتسجيل عدد فرائسه مشبعا غروره ،يا له من انجاز عظيم ،فكم ضحية وقعت في تلك المصيدة و كم من ضحية رقصت علي تلك الالحان! 

تابعت سلمي حديثها  وقد غلبتها دموعها ،فأخذت تبكي بدموع منهمرة و كأنها امطار الشتا في ليله القارص. 

سمعت عن ضحايا الحب كثيرا و عن غدره ،لكن في  مثل حالتي ما ضررني غريب لكن من دمي .

ضررني من وثقت به و حسبته ملجئي فغدر بي ،ضررني  من احببته عمرا فباعني .

حين رأيتك قلت ما هذا ببشر فانت ملاك تمثل في بشر 

وانت حقا من انحني له الشيطان تعجبا

هل يفوق الشيطان بشر 

اي قلب هذا الذي تحمل بين  اضلعك 

ام انك ما تحمل الا حجرا

وربما اشد من الحجر قسوة

فحتي الحجر منه الماء تفجر  

فهل يفوق الشيطان  بشر

مسحت سلمي دمعها المنهمر رافعة رأسها و قالت :

سأجعلك داخلي لا شيء ،فحبك الساكن قلبي سيحترق حتي يكون لا شيء ،انت و ذكرياتك ستكون لا شيء .

فلن اعطيك شرف هزيمتي وانكساري ،و لن اسقط قتيلة حبك ،فليس كل قلب بين انيابك سيتوقف عن النبض ،نعم سيتوقف قلبي عن حبك لكن لن يتوقف عن الحب مهما جرح و مهما نزف ،سيظل الحب بداخلي انهارا .

فذات يوم يا حبيب العمر ستقف امامي ندما علي ما فات طالبا مسامحتي ،حينها سأسامحك كما انا اليوم سامحتك ،لكن سأغمض عيني لأقول انك




حقا لا شيء ،لا شيء. 

سأسامحك ليس لأني  ما زلت احبك  لا ،لكن حتي استطيع ان اضمد جرحي ،حتي لا يلبس قلبي الوشاح السود. 

نعم  فنحن حين نسامح  نتعافى و تسلم قلوبنا من الحقد و الغل ،فالتسامح هو نواة الحب .

فلنسامح و نتغافل حتي نستكمل حياتنا دون معاناة ....






3- قناع

اعُدت الولائم ومُدت الموائد ودُعيّ الفقراء والمساكين ،انها مائدة الحاج صالح التي تقام في الاول من كل شهر ،انها ولائم الادعاء والتباهي، ولائم  الشهرة وبناء الاسماء علي آلام الفقراء واحتياجاتهم. 

انه الحاج صالح الذي تردّ خطبة الجمعة باسمه من اعلي منابر مسجده ،مسجد الحاج صالح ،داعين الله له بدوام الصحة وطول العمر.الحاج صالح الذي لا يستطع فعل الخير الا علي الملاء،.متناسيا ان الصدقات ومساعدة الفقراء لا تكون الا سرا ،وان هؤلاء لديهم عزة نفس و كرامة قد يجرحها الملاء. 

الساعة الثامنة مساءً من كل خميس يذاع برنامج وجوه الخير، ليلتقي بالحاج صالح و يعرض لنا اهم انجازاته الخيرية

معنا ومعكم احد وجوه الخير والذي يسعدنا و يشرفنا اللقاء به ،الا ضيفنا المرموق ، ضيفنا المميز بالخير دائما؛ الحاج صالح. 

اهلا و سهلا حاج صالح

اهلا بحضرتك استاذة سحر. 

نود ان توجه كلمة لكل صاحب نعمة تحثه علي مساعدة الفقراء ، لقد تركت بصمة في معظم الاماكن في بلدتكم. 

اولا ؛ اود ان اشكركِ و اشكرك برنامجكم المتميز دوما. 

كلمتي المتواضعة هي ؛ علينا جميعا ان نشعر ببعضنا البعض ان يساعد كل منا الآخر، خاصة الفقراء و المحتاجين بيننا.  وكله لوجه الله. 

انتهت الحلقة و انطفأت الانوار بالأستوديو وانطفئ معها نور الرحمة و الرأفة في القلوب ،انصرف الضيف و انصرف معه التقوي و الصلاح. 

انهي الحاج صالح الحلقة و بينما هو خارج من الأستوديو، يركب سيارته الفارهة ،اذ بسيدة يبدو عليها الاحتياج تستوقفه طالبةً منه المساعدة ، فينهرها و يغلق زجاج السيارة في وجهها و ينطلق و كأن شيئاً لم يكن. و كله لوجه الله .تركها دون سماع شكواها ،تركها تلملم اذيال الخيبة بعد ان كسر خاطرها ،راجية من الله صلاح الحال.

 لماذا يساعد الحاج صالح  هذه السيدة حيث لا يوجد قنوات اعلامية تصور المشهد ولا حتي هناك جمع من الناس يصفقون لخيره المزيف ، لماذا يساعدها و هو لم يقرأ قول الله تعالي، بسم الله الرحمن الرحيم 

 "قولُ معروف و مغفرة ُخير من صدقةٍ يتبعها اذي و الله غني حليم"  ،   ( البقرة 264)...

مر الحاج صالح علي الست نادية  أرملة  الحاج محمود ،التي تعيل ثلاثة ابناء و صاحبة الكشك الصغير الذي كان هو سببا في تسهيلاته ، ليذكرها بفضله عليها و ليُعلم الجميع انه صاحب الفضل ،يسألها امام المارة بصوت مرتفع و دون حتي ان ينزل من سيارته،

كيف  حالك يا حاجة نادية و كيف حال اولادك؟

بخير يا حاج صالح. 

ان احتجتِ اي مبلغ اخر من المال ،لا تتردّي في طلبه مني. 

ردت الست نادية والحرج يلعثم لسانها و الانكسار و قلة الحيلة تبدو جلية في عينيها. 

اشكرك يا حاج صالح. 

قالت لنفسها ،

لماذا كلما رآني يذكرني بانه اعطاني مبلغ من المال وان لولاه ما بُني الكشك.

اللهم لا تحوجني إليه مرة ثانية. 

ذات يوم التقي الحاج صالح بالشيخ حسن الإمام الجديد للمسجد. والذي كان لا يروق له تصرفات الحاج صالح. والذي كان أيضاً شاهدا علي كثير من مواقف المن. 

السلام عليكم يا حاج صالح. 

و عليكم السلام يا شيخ .

سأسدى لك بنصيحة علّ الله يهدينا وإياكم ان شاء لله. 

تفضل و لو اني لا احتاج لنصائح. 

لا حول ولا قوة إلا بالله متغاضيا ما قال. 

اعلم انك تفعل الكثير من الخير لكن ما فائدته ان اُتبع بالمن والأذى ،قال تعالي :بسم الله الرحمن الرحيم

" يأيها الذين آمنوا لا تُبطلوا صدقاتكمِ بالمنِ والأذى كالذي يُنفق ماله رِئاء الناسِ"

فانت يا صالح ترتدي قناع الرياء و التباهي ،قناع التقوي و الإيمان ،ترتدي قناع الخير ..و انت بعيد كل البعد عن هذا. 

حقا مجرد اقنعة ! فكم فقير كُسرت عزته و نفسه ،كم محتاج اذلته  تلك الاقنعة ، ليتنا نسقط القناع و نشعر بمن حولنا كما أمرنا الله ،ليس كما أمرتنا أنفسنا .







0/أكتب تعليق

أحدث أقدم