الشاعر الكبير عبد الناصر ابو بكر يقدم لديوان ( قول الأميرة ) للشاعرة أميرة محمود



الشاعر : عبد الناصر ابو بكر - مصر 





الشاعرة: أميرة محمود - مصر 




 مقدمة ديوان ( قول الأميرة ) 
لشاعرة الأسوانية / أميرة محمود
 بقلم / عبدالناصر أبوبكر


----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

لا شك أنَّ العديد من الفنون القولية – وفي القلب منها فنّ الواو 

-  نشأت وترعرعت في جنوب صعيد مصر, وحقّ لها أن تشعر بالانتماء لذلك الإقليم المسكون بالألم العبقري,وبالشَّجَن المُستعذَب, وتعطي لمبدعيه مفاتيح سِرّ الصنعة, وسواءً كان ابن عروس هو صاحب النشأة الأولى لفن الواو, أم كان لذلك الفن موجد قبله فلا يُشكّل ذلك معضلة تستحق الوقوف عندها, والسعي إلى فكّ طلاسمها, ومحاولة إثباتها أو نفيها, فالمهم في ذلك المقام هو أننا نقف الآن أمام فنٍ عريق ضارب بجذوره في أعماق تاريخ صعيد مصر, وهو كذلك ليس بالفن القديم الذي عفا عليه الزمن, ولا يصلُح لمواكبة العصور التالية لزمن النشأة الأولى, فما زال لهذا الفن مبدعيه وجماهيره, ومازلنا ننحاز ونفرح ونندهش بالتجارب الطارفة التي تُضيف أغراضا جديدة لفن الواو.. ما سمعنا بها في العصور التّليدة التي شهدت ولادة ذلك الفنّ البديع الأخاذ.

ومن المعلوم للمشتغلين 

بذلك الضرب من ضروب الإبداع الشّفاهي أنّ فنّ الواو له خصوصيته من حيث الوزن والهيكل الخارجي الثابت,فهو لا يُكتب على غير بحر المُجتثّ, ولا يكون إلا على شكل المربع .. أو الرُّباعية, ولا تُعرف له صورة غير اتفاق حرف الرّوي في الغصن الأول والثالث, وكذلك في الثاني والرابع, فلا يجوز للواو أن يكون موحد الأغصان في ما يُعرف مجازا بالقافية كما هو حادث في فنّ ( النَّميم ) الذي تنتهي أغصانه الأربعة بحرف رويٍ واحد.

ومن المعلوم أيضاً

 أنّ فن الواو قديما كان يتّكئ على الألم فحسب, فلا يناقش غير غدر الزمن وخيانة الأصدقاء وضيق العيش والنذالة وسوء الطّباع, وكل ذلك كان في إطار الحُزن والألم والشكوى, فلا مكان للأفراح والعشق في ساحته, أما الآن فقد اتّسعت أغراض فن الواو, وكادت أن تستوعب كل أغراض الشّعر الغنائي من مدح وذم وفخر وهجاء وغزل ورثاء,وقد أبدع ( القوّالون ) في كل تلك الفنون, وأثبتوا أنّ الواو بمقدوره أن يلعب كل أدوار القصيدة بفنّيات عالية, وبقدرات فائقة, وذلك يتوقف على اكتمال أدوات المُبدع, وحُسن تصرّفه في التقاط الصور الحية, واقتناصه للمفردة الطازجة وليس المستهلكة, وعدم محاكاته لمن نالوا قصب السبق في ذلك الفن العريق دون وضع البصمة الخاصة التي تُميز المبدع عن غيره, وقبل كل ذلك لابد من وجود الموهبة التي هي الفيصل, والمحكّ,  ورُمانة ميزان أي فنٍ من الفنون القولية, والتشكيلية,وغير ذلك من الفنون التي عرفها الإنسان.

قول الأميرة

.. مجموعة شعرية لا تبتعد عما تم ذكره, فالمبدعة هنا عاشت في جلباب ذلك الفن, وشربت من معينه,واحتفت برواده, وحاكت مربعاتها على نفس المكينة, ولم تنكر فضل الأساتذة, ولم تتخلّ عن أدب التلمذة, مع ملاحظة أنّ التلميذ له أن يتفوق على أستاذة, وللأستاذ أن يفرح بتلميذه النجيب, وبحكم إقامة الشاعرة في مدينة أسوان, وفي أكناف مجموعة  من رواد ذلك الفن الماتع .. أمثال عبده الشنهوري, وجمال حداد, وأبي أميرة الأسواني وغيرهم.. فمن الضروري أنها استفادت بشكلٍ أو بآخر من هؤلاء المبدعين الحاذقين في صنعتهم.

لم تترك شاعرتنا غرضا من أغراض الشعر العربي في هذه المجموعة الشعرية إلا وحاولت أن تثبت فيه ذاتها, ولا شك أنها نجحت في مواطن كثيرة, وأخفقت في بعض المواطن كونها إنسانة تخطئ وتصيب, وبحكم أن هذه التجربة في توليف وتأليف المطبوعات .. هي الأولى لصاحبة ذلك الكتاب الجميل, ورُبّما تأتي أهمية ذلك الكتاب - من وجهة نظري على الأقل - من كون المؤلفة امرأة أثبتت أنّ ذلك الفن ليس حكراً على الرّجال, وأنها تستطيع أن تقول الواو بملء فيها, وتقنع المستمع, وتُجبره على الإصغاء لتلك التجربة الأنثوية الطازجة في ذلك الميدان الذي يتّسع للجميع.

تناولت الشاعرة 

كما أسلفنا كل الأغراض التي يمكن أن يقولها غيرها من القوالين, فهي المادحة للرسول, وهي العاشقة التي تستعطف المحبوب, وتجلده بسياط العِتاب واللوم.. كونه غير مبالٍ بذلك العشق الكبير, وهي الوفية لزوجها وحماتها, وهي المتشبثة بالأرض, والمدافعة عن العِرض, والرّافضة للنّذالة وسوء الطباع, وهي كذلك النائحة والثكلى بما يتناسب مع طبيعتها الأنثوية التي تتفوق على الرّجال في ذلك الغرض الذي برعت فيه, ووضعت بصمتها الخاصة .. مُقتدية بسيدة النائحات( الخنساء ) رضي الله عنها, ومقلدة لحريم العزاء في اجترار الأحزان الدفينة كمشاركة وجدانية لصاحبة العزاء الحقيقية, ولا غرابة في أن تنجح أميرة في صياغة البكائية المتناسبة مع طبيعة المرأة الجنوبية الممتزجة بالشجن, فهو ملعبها وحلْبتها بالوراثة, وإذا قالت وجب الاستماع لما تقول.

انظر عزيزي القارئ

 إلى تلك البكائية التي تؤكد على براعة الشاعرة في ذلك اللون المشار إليه:

( كم قبر جوا في أعلام /هزوا خطاوى وطيها  

شق الترايب يا  لمام /   جايب عاليها ف وطيها)

*** 

( يا قبر شيل الحصاوى/ زينة شبابها  ياجيله

ف التربه  ملس و ساوى/ د يساوى ستين ف جيله)

كما يُحسب لأميرة

 إجادتها في البكائية المعزوفة على آلة فن الواو.. فهي أيضاً تستحق الجائزة الكبرى لتفوقها في المربعات المعزوفة على وتر الغَزَل, فلذلك الغرض طبيعته التي تحتاج إلى الشجاعة في الطّرح بما يُشكّل صعوبة على الأنثى الجنوبية المثقلة بإرث كبير من الكبت والسّحق والعيب والحرام, فقد حكم العرف المُلزم عليها بالصمت, ومنعها من التعبير عن مشاعرها, واصفاً من تأتي بذلك الفعل بقليلة الأدب, وعديمة التربية, وقد ضربت الشاعرة عرض الحائط بكل تلك الخرافات, والأساطير, والأحكام الظالمة, وتغزّلت في محبوبها في وضح النهار,وجاءت بمربعات غزليةٍ في غاية الروعة,انظر عزيزي القارئ إلى قولها في الغزل:

( الحرف من بقه فارق / جلع النسا شهد تينى

مانا لما قولتله  فارق / كان كل همى   ياتينى )

*** 

( ساعة ماخبط   هبشنى /   عقلى اللى راقد ف  بيته

وهمسلى قاللى وحشنى / حتى عدوى  دعيته )

هناك ملمح إنساني واجتماعي

 في هذه المجموعة الشعرية يستحقّ الوقوف على أعتابه, والطّواف حول كعبته.. يتمثل في علاقة الشاعرة الإنسانة بمن حولها من الأقارب والجيران, ووصلها للأرحام المقطوعة في زمن العالم الافتراضي الذي قضى على معظم العلاقات الإنسانية, وأدّى إلى قطيعة الأرحام, وكذلك علاقتها بزوج تحترمه, وتُحسن معاملة والدته, وتُدنيها من نفسها الأمّارة بالخير, وحُسن الظّن, وهي بذلك ترسم لوحة جميلة لزوجة الابن التي تربّت على الأصول  والأخلاق الحميدة, وأنزلت حماتها منزلة الأم , وتحمد لها صنيعها مع فتاةٍ صغيرة السّن.. قليلة الخِبرة.. خائفةً من الفشل في إدارة شئون بيت العائلة الجديدة, فما أروع تلك الصّورة المدهشة التي التقطتها عدسة الشاعرة الإنسانة الحافظة لجميل حماتها .. التي لم تعاقبها على إتلافها لأرغفة الخُبز الشّمسي وهي تخوض التجربة لأول مرة, وبذلك تأتي الشاعرة بصورة جميلة للحماة التي شوّهتها الأعمال الدّرامية في السينما المصرية والعربية.

 انظر إلى ذلك الوصف البديع 

الذي وصفت به حماتها الصابرة على تدريبها وتعليمها دون تبرّم أو غضب:

(لخبطنا عيشك.. وعجبك )

( صغيره كان فكرى شاتت * ربيتى  وشربت أدبك)

  ( راسى ف حجرك وباتت * لخبطنا عيشك وعجبك )

ذلك الذي أشارت إليه الشاعرة ليس بالأمر الهيّن اللين عند سيدات البيوت المخضرمات في صعيد مصر, فإتلاف الخُبز مصيبة سوداء, وذنب لا يُغتفر, ومع ذلك تجاوزت حماتها عن ذلك الذّنب العظيم, وغفرته لزوجة الابن الغريرة.. ولم يقف الأمر عند ذلك الحدّ.. بل تجاوزه لدرجة تصل إلى الإعجاب بإتلافها للخُبز في مرحلة التمرين والتدريب.

تنتسب أميرة لقبائل بني هلال, 

وتعتز بذلك النسب, وتفاخر به في أسواق الكلام, ولتلك العائلة التي اقترنت بملحمة السيرة الهلالية حلولها وحضورها, وتراثها الذي لا ينفكّ عن مربعات فن الواو, فكل مربعات السيرة الهلالية جاءت على بحر فن الواو, وبنفس طريقة الصّياغة, ورُبّما كان لذلك الأثر البالغ في التكوين الوجداني للشاعرة, واشتغالها بذلك اللون من الفنون القولية, ونجاح تجربتها الوليدة وهي تطرح أول كتاب لها في السّوق, وتمارس فنّيات التعامل مع الزّبائن على اختلاف أمزجتهم.

تحية إجلال وتقدير لشاعرة أسوان الجميلة الجريئة التي أتت بما لم تستطعه النّساء, ونجحت في نظم ذلك العِقد النفيس الذي زيّنت به أعناق المؤلفات التي صدحت في سماء ذلك اللون المُدهش من الفنون القولية ,

------------------------------------------------

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم