الاديبة رومي الريس ومجموعة قصص قصيرة




"الزائر" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة رومي الريس - مصر 

مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:

**************************

1- الزائر 

في رحلة صعوده نحو المجد التي سارت بسرعة الصاروخ داس على رقاب الجميع دون وازع من دين أو ضمير كان يؤمن بمبدأ نفسي نفسي

ومن بعدها الطوفان

وهاهو الأن قد وصل إلى القمة ... أصبح كمن ينظر من مكان عال   فيرى من في الأسفل

بحجم نملة صغيرة ،حقيرة

لن يتورع من أجل مصلحتة على أن يدوسها بدم بارد

كانت أموره تسير على خير ما يرام والحياة تبتسم له وتفتح له ذراعيها على مصراعيها

ولكن دوام الحال من المحال وفجأة كشرت له عن أنيابها وتوالت الضربات والصدمات حتى كاد أن يفقد عقله

ففي يوم وبينما كان مع زوجته وأبنائه في طريقهم لقضاء العطلة الصيفية بأحد المنتجعات 

السياحة الفاخرة حدث لهم حادث أليم فقد على إثره زوجته وأبنائه 

وحين استيقظ من غيبوبته تمنى لو أنه مات معهم فقد كانوا كل

شيء في حياتة ولا قيمة

لها الأن بدونهم

زلزل هذا الحادث المأساوي كيانه و أثابه  لرشدة فقد قرر بعده أن يتوقف عن كل أعماله الغير قانونية وقرر أن 

يكفر عن كل ذنوبه و أن

يعوض كل من ظلمه على قدر استطاعته 

 لقد تغير مائة وثمانين درجة ولكن ظل شبح زوجته وأبنائه يلاحقة فكان يستيقظ في منتصف الليل وهو يصرخ بأعلى صوت وينادي عليهم والدموع تغمر وجهه ثم يلقي بجسدة المتهالك فوق فراشه ويجافي النوم عينيه حتى أصبح حطام إنسان 

وفي احدي الليالي وبينما كان مستيقظا في الفراش في انتظار آذان الفجر سمع أصوات أقدام في البيت 

وفجأة فتح باب غرفته

وظهر أمامه رجل طويل القامة يرتدي ملابس سوداء بدى كالشبح

أصيب الرجل بالهلع وقال له: من أنت؟ وماذا تريد؟

 رد عليه الرجل الملثم بصوت مرعب:

أريد روحك

هل تريد أن تقتلني؟

أرجوك أن تفعل

كم تمنيت ذلك منذ زمن بعيد 

فلا معنى ولا قيمة لحياتي بعد موت زوجتي وابنائي

هيا اضغط على الزناد

وقام بتعرية صدره وقال: ها أنا ذا اكشف قلبي للموت بصدر رحب

أصيب الرجل الملثم بخيبة أمل كبيرة

وقال له: لقد حطمت حياتي و سلبتني أموالي

وجئت كي انتقم منك

فتقول لي بدم بارد 

أنك تتمنى الموت

إذن هذا لن يكون 

سأتركك تعيش لتتعذب

و تتألم ... سأتركك تعيش في الجحيم ولن أمنحك هذه المتعة والراحة أبدا

تراجع شبح الرجل الملثم للوراء حتى ابتلعه الظلام ،والرجل ينادي عليه بصوت عال

وهو يستعطفه ويتوسل إليه أن يدوس على الزناد حتى غاب عن الأنظار وصوت الرجل يستعطفه

وهو يصرخ لا...لا... لا تذهب... انتظر... أرجوك يشق سكون الليل 

   *******************************************

2- الجريمة والعقاب

كان الطفل الصغير يسير

في أمان الله فوق الرصيف، وفجأة انشقت الأرض عن سيارة مسرعة

ركبت فوق الرصيف وسحقت الطفل المسكين تحت عجلاتها

وتركته غارقا في دمائه


ولكن كان هناك ذلك الرجل الأربعيني الذي شاهد كل شيء وحفظ رقم لوحة السيارة 

تجمع المارة، وحضر ضابط المرور وقال الرجل بصوت عال: لقد رأيت كل شيء وحين سأله ضابط المرور : هل تدلي بأقوالك في محضر رسمي؟ أجاب بكل ثقة : نعم فهي شهادة الحق

والله سيحاسبني عليها


وذهب إلي مركز الشرطة واعترف بكل التفاصيل

وتم إلقاء القبض علي المتهم والذي كان شاباً عشرينيا من عائلة ثرية

وأثبتت التحقيقات أنه كان في حالة سكر حين وقع الحادث 


ذهب الشاهد إلى بيته

وفي المساء وبينما كان جالسا مع زوجته وأبنائه

يتناولون طعام العشاء سمعموا طرقات عالية علي الباب

،وفتح ابنه الصغير الباب

دخل ذلك الرجل الذي تبدو على ملامحه علامات الهيبة والوقار

مساء الخير

أهلا وسهلا بك

مساء الخير

هل تسمح لي بالدخول؟

نعم تفضل

أنت لا تعرف من أكون؟

أنا (س.م) رجل الأعمال

أهلاً بك سيدي 

أنا والد سمير الشاب الذي صدم الطفل الصغير

رد الرجل : نعم رحمه الله

قال رجل الأعمال:

باختصار أنا أريد منك تغيير شهادتك

بهت الرجل ولم ينبس ببنت شفة ثم قال

 : ولكن هذا حرام

... لقد رأيت كل شيء

وولدك هو القاتل

نعم أعرف ذلك تماماً

لقد صدم الطفل ومات

ماذا ستستفيد من إلقائه بالسجن؟ هل هذا سيعيد الطفل للحياة من جديد؟

أرى أنك في أمس الحاجة إلي المال فلديك أبناء يحتاجون إلي الكثير والكثير من النفقات و الطلبات وأنت مجرد موظف بسيط 

نظر الرجل إليه في تعجب

فقال له: لا تتعجب فأنا سألت عنك وأعرف عنك كل شيء 

وكان الرجل ممسكاً بحقيبة سوداء في يده

فقام بوضعها على المنضدة وفتحها وكانت ممتلئه بالنقود

نظر الرجل إلى النقود في ذهول بعينين زائغتين فهذه هي المرة الأولى له في حياته التى يري فيها هذا المبلغ الكبير من المال

ابتلع ريقة ولاذ بالصمت

وسوس له الرجل في أذنه كالشيطان : كل هذا المبلغ لك وحدك مائة ألف جنيها تحت تصرفك

هم الرجل بامساك النقود بيده فقام الرجل بإبعاد الحقيبة وقال: غير شهادتك أولا ثم خذها 

،وهم بالانصراف

لم ينم الرجل ليلتها وظل يحلم بالحقيبة الممتلئة بالنقود، وكيف سينفقها ؟ولم يفكر ولو للحظة واحدة في الذنب الذي سيرتكبه، وفي الصباح ذهب إلي سراي النيابة

،وغير أقواله ،وبعدها استلم المبلغ المتفق عليه من رجل الأعمال

 احتضن الرجل الحقيبة

كالمجنون ، وبينما كان يعبر الطريق صدمته سيارة مسرعة ،ودهسته تحت عجلاتها ،وفتحت الحقيبة وتطايرت الأوراق المالية الملطخة بالدماء في الهواء 

    

********************************************


3- المهرج

وقف أمام المرآة ينظر إلى وجهه في صمت وأخذ يمسح الألوان الصارخة من علي وجهه بقطعه قماش مبللة بالماء.

ثم ارتمي على السرير و أجهش بالبكاء وتعالت شهقاته فأطبق بيده على فمه كيلا يعلو صوته ف

و يسمعه ابنه الراقد في الحجرة المجاورة لحجرته. إنه يعمل مهرجا في السيرك وله إبن وحيد، مريض بمرض عضال أفقده القدرة على الحركة فأصبح عاجزا،ملازما للفراش . لقد ماتت زوجته بعد ولادة الطفل مباشره وتركته بعهده الأب، وكلما نظر الأب إلى إبنه يشعر بالألم وقله حيلته. يالسخريه القدر! إنني أعمل مهرجا ، أقوم  برسم البسمة على شفاه الناس ،وقلبي ممتلىء بالأوجاع وتلال من الأحزان تجثم فوق صدري ،عندما أعود إلى المنزل كل يوم أشعر بخيبة أمل كبيرة حينما أجد طفلي المسكين راقدا في فراشه بلا حول ولا قوه كخرقة بالية ، عاجزاً عن الحركة،ولا أقدر على عمل شيئ له.ولكن عزائي الوحيد هو وجودي وسط الأطفال استمد طاقتي من وجودي معهم، ومن نشاطهم وحيويتهم. إن   الابتسامه التي أرسمها على وجوههم البريئه هي ما يمنحني الأمل والدافع لمواصلة الحياة والشعور بالسعادة. وهاهو يقف وسط الجماهير تحت الأضواء ،يقوم بأداء عرضه اليومي في همه ونشاط وتعلو الضحكات من حوله وصيحات الاعجاب والتصفيق الحاد،وتتسلل دمعه على خده فيشيح بوجهه بعيدا عن الأنظار ويمسحها بسرعة ويستأنف العرض من جديد وتتعالى الضحكات والصيحات والتصفيق . ثم يسدل الستار.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم