الاديب د.ابراهيم مصري النهر يكتب: "وصلت الرسالة"



"وصلت الرسالة" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب  د. ابراهيم مصري النهر

مقدمة :
وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:

****************************

1- وصلت الرسالة 

خارج أسوار المستشفى يفترشون الرصيف ويلتحفون سماء شهر نوفمبر الباردة، يجلسون القرفصاء مسندين ظهورهم بالسور، ومستظلين بأشجار الفيكس من طل أخر الليل.

خرجت من المستشفى لشراء بعض الطعام والشراب، مرتديا اسكرب لونه أزرق؛ اعتدنا لبسه والكمامة منذ انتشار وباء كورونا، فإذ بصوت متهدج آتٍ من الخلف: دكتور، دكتور ... -يعلو في كل مرة عن المرة التي قبلها-

التفت، لأجد رجلا في الأربعينات من عمره، قد خالط الشيب لحيته؛ التي أُهمِلت على طريقة المساجين أو كالحزين على عزيز له مات، رث الثياب -برغم فخامة خامته- تعلو عينيه غمامة حزن وتشوب وجهه مسحة بؤس من الحاضر وملامح خوف من الغد المجهول.

اقترب، تبادلنا التحية؛ تحية غرباء باهتة، ثم أردف قائلا: ألم تعرفني؟ مققت وأطلت النظر فيه لأتعرف عليه، ولكن باءت محاولتي بالفشل....  

عندما أدرك ذلك عقَّب قائلا أنا المهندس فلان زميل الثانوية، رحَّبت به ترحيبا أكثر حرارة من الترحيب ذي قبل، واصطحبني في الذهاب إلى السوبرماركت القريب من المستشفى.

في الطريق اغرورقت عيناه بالدموع وانفرط عقد دموعه، أخبرني بأن زوجته محجوزة بوحدة العناية المركزة بعد اصابتها بڤيروس كورونا، ويود أن يعرف أخر تطورات الحالة....

حاولت مواساته ببعض الآيات والأحاديث التي تحض على الصبر، ووعدته بالمرور على زوجته في التو وموفاته بأخر المستجدات....

ذهبت مسرعا لوحدة العناية، طلبت من الممرضة احضار ملف المريضة، اطلعت عليه بسرعة، وذهبت إلى غرفة المريضة لأجدها في حالة حرجة، موضوعة على جهاز تنفس صناعي والموت يحوم حولها، تأثرت جدا لسوء حالتها... 

ماذا أقول لزوجها الذي ينتظر على أحر من الجمر ردا يحمل ولو بصيصا ضعيفا من أمل؟

متردد أذهب أو لا أذهب إليه، وجدت من الأفضل الذهاب إليه وإخباره بحقيقة الأمر فمهما كانت مرة أفضل من الوهم.

يرمقني من بعيد من بين أسياخ بوابة المستشفى الحديد بأعيون يحدوها الأمل، عندما اقتربت منه رأني بوجه غير الوجه الذي ذهبت به، وفّر عليّ معاناة البوح برسالة حزينة ومؤلمة.

 بلسان متهدج من وراءه قلب يعتصر ألما قال: أعرف أن الحالة حرجة، ولكن هل يمكنني المبيت الليلة في بيتي الذي لم أدخله منذ خمسة عشر يوما لأغير ملابسي الرثة وأحضر في الصباح الباكر؟

فحركت رأسي في أسف أن لا.

فعقَّب بصوت مذبوح: وصلت الرسالة.

د. ابراهيم مصري النهر


**********************************************


2- شرود

في سنة الإمتياز في مستشفيات جامعة الإسكندرية، استقليت من بلدتي قبل غروب الشمس الحافلة المتجه إلى تلك المدينة القابعة على شاطئ المتوسط وينادونها بعروسه، كنت نوباتجيا في هذه الليلة، ركبت في مكاني المفضل بجوار النافذة، حيث التربة الخصبة للخلوة الذهنية والشرود مع أعمدة التليفون وأسلاكها، ومنظر شفق الغروب واحتضار الشمس وسط بركة من الدماء، وأسراب الطيور المُعزِّية على خلفية من السحب السوداء المتناثرة في أرجاء السماء، في مشهد تراجيدي مهيب، إنه الغروب الآتي لا محالة.

وفي خضم هذا الزخم من توارد الخيال واكتظاظ الذهن به والضياع في أزقة الشرود المتشابكة والمتشابهة، تفاجأت بوخزة في جنبي بكوع من بجواري قطعت حبل شرودي مصحوبة ب ”الأجرة يا أستاذ“. 

لا أراه لجأ إلى استخدام كوعه إلا بعدما فشل في تنبيهي بصوته، شرود واندماج وصل إلى حد الغياب التام عن العالم المحيط.

أخرجت حافظتي التي كانت عامرة بالنقود وبها بطاقتي الشخصية، ودفعت إليه الأجرة وتركتهم يتجادلون كالعادة حول الفكة والباقي، ورجعت مسرعا لأستكمل شرودي.

نبهني إلى مكان نزولي صوت السائق ”أول الكبري اللي نازل“، لملمت على عجل شرودي واستعددت للنزول.

عند أول كوبري محرم بيه توقف السائق وهو يستعجلنا بقوله ”بسرعة يا جماعة اللي نازل“ فأبواق السيارات التي خلفه تحثه على المسير. 

وما أن قفزت خارج الميكروباص إلا وجر أحد الركاب الباب مُوصِدا إياه، وانطلقوا....  

أفاقني هواء البحر الخريفي البارد من شرودي وعاد بي إلى أرض الواقع، بدأت أبحث عن الحافظة، في جيوب البنطلون تارة وجيب القميص تارة أخرى، أخرجت الجيوب إلى الخارج وكأني أبحث عن إبرة اندست في تعاريج الجيب، ألتفت حولي، أنظر خلفي، أبصر تحت قدميَّ بعد أن أرفعها في حركات بهلوانية سريعة، أخيرا تذكرت أنها كانت في يدي، نظرت فيها فلم أجد شيئا، أيقنت وقتها أنها فُقِدت.

خيم الهم والحزن على قلبي وأخذا ينخرانه بسوسهما الشرس،  وانهلت على النفس جلدا، ألومها وأعنفها، كثيرا ما نصحتها بالتركيز ولم تمتثل، كنت أبتغي شراء سويتر بهذا المبلغ الذي جمعته بعد عناء.   

ترجلت من كوبري محرم بيه إلى مستشفى الميري أترنح ألما وحزنا، لا أدري ماذا أفعل، كيف سأقضي ليلتي ضامر البطن، كيف سأعود في الغد وليس معي أجرة الطريق، ممن أستلف بعض المال وليس معي زميل مقرب أو على الأقل أعرفه.

سلمني شرودي إلى شرود أشد وأخطر، شرود كاد أن يكلفني حياتي، حيث سمعت صوتا مدويا لاحتكاك اطارات سيارة بالرصيف على إثر ضعط سائقها على كابح السرعة وهو يصرخ بأعلى صوته "صحصح يا أستاذ، بطلوا الهباب اللي بتبلبعوه ده“ وباعجوبة نجوت من موت محقق، حمدت الله أن جاءت على ضياع المحفظة.

أثناء النوباتجية لاحظَتْ زميلتي مسحة حزن على وجهي، ودموع وهموم متجمعة خلف العيون، مسحة ودموع وهموم لا يراها إلا كل إنسان وهبه الله عيون بعدسات خاصة ترى المشاعر والأحاسيس وخدوش وكدمات النفس.


استشفَّت بحسها المرهف ومن الحزن المخيم على ملامحي أني تعرضت لحدث ما، وأصرت أن تعرف، وحاولت أتهرب منها، لكني أمام إلحاحها لم أصمد طويلا، وانهرت وحكيت لها ما حدث.

أخذت تضحك وتضحك وتضحك.....

ثم قالت هون على نفسك، واصطحبتني إلى الكافيتريا، ابتعنا مولتو وبسكويتا واحتسينا شايا، كل ذلك كان بشرط أن يكون كل ما نشتري على حسابي مما أقرضتني من نقود، وهكذا من شرود إلى شرود!.


*********************************************


3- الفتى الريفي والخواجايه

لي زميل جامعي كان مولعا بالفتايات لا ينفك يذكرهن،  ومغناطيس قلبه لا ينجذب إلا إلى الفاخر منهن (السوبر ستار)، وكنت عندما أقل له ذوقك وطموحك أعلى بكثير من امكانياتك، كان رده „أعلم، ولكن ما المانع أن أحلم„. 


من أصول ريفية، بسيط الملبس (قميص كاروهات لا يدخله في البنطلون القماش) ، يتكلم بتلقائية ولهجة ريفية لم يحاول أن يعدل منها والتي كانت سر جماله، قد أعفى شاربه، يفرق شعر رأسه، طويل القامة، أسمر البشرة، مبتسما دائما، خفيف الظل، سريع البديهة، لا تمل من الحديث معه.


ومما أذكره من سرعة بديهته وخفة ظله، في يوم وبعد انتهاء المحاضرات وفي طريق العودة إلى المدينة الجامعية ركبنا منيباص النقل الداخلي، وعند حصان باب شرق قال أحد الزملاء انظروا جدي مشيرا إلى الفارس الذي يمتطي الحصان، وبسرعة بديهة كان رد زميلي هذا ”ومن الذي يركبه؟“

لنضحك جميعا ضحكا هستيريا متواصلا حتى نزلنا.


وكنا عندما نجلس قبل دخول الدكتور لإلقاء المحاضرة، كان يعقد مقارنة بين فتاته وباقي الفتايات، وكانت فتاته خواجايه بمعنى الكلمة، العيون الخضراء، الشعر الأشقر، القوام الفرنساوي، اللهجة الأسكندرانية المطعمة باللكنة الفرنسية،  كانت بحق وردة وسط خريف المدرج، وعلاوة على أن أبيها أستاذا بالجامعة، وأمها فرنسية الجنسية، كانت من أوائل الدفعة، إن لم يكن بتفوقها فبجمالها، وإن لم يكن بالاثنين فبمنصب أبيها. 


كان هذا الفتى الريفي متيما بها لدرجة أنه كان يقول أن بنات الحور لو كانت مثلها لكفى جمالهن، كان عندما تُصبِّح عليه لا ينام ليلتها من كثرة الكلام عنها والتفكير فيها، ويفتعل المواقف ويختلق الموضوعات التي تفتح له مجالا للحديث معها.


وفي يوم من أيام السنة الخامسة وقبل بدء المحاضرة، تفاجأنا بها تفرق علينا قطعا من الشوكولاته، التي لم يزل مذاقها في فمي حتي الآن، لأنها فعلا كانت شوكولاته من نوع نادر، ولكنها كانت لزميلي بمثابة غصة في الحلق، فقد كانت بمناسبة خطبتها لضابط طيار.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم