الأديبة أمينة أحمد حسن ومجموعة قصص قصيرة بعنوان "حظ أفضل المرة القادمة"





"حظ أفضل المرة القادمة" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة: أمينة أحمد حسن - مصر 

.

1-حظ أفضل المرة القادمة

يجلس مسعود(الذى ليس له من إسمه أدنى نصيب ) وسط كتبه المبعثرة ، يتصفح جهاز الحاسوب الخاص به ، وبجانبه ، هاتفه ،وبعض بقايا الطعام فى الأطباق ،فهو كائن يعشق الفوضى.!

رن هاتفه ، تجاهله مرة وأخرى ،ثم أجاب بغضب..

آلو كمال ماذا تريد أنا مشغول..

ماهذا الرد يا مسعود ،كنت أريد إخبارك بشىء قد يسعدك ، ولكنك لا تستحق ،إلى اللقاء

لا لا تغلق الهاتف صديقى العزيز ،ما هو الخبر ؟

هناك شركة كبيرة تطلب موظف ، أعرف أنك تبحث عن وظيفة ، أظنها مناسبة لك.

ماهى تفاصيل الوظيفة ؟

سأرسل لك الرابط على الإنترنت ولتتابع التفاصيل بنفسك.

شكرا صديقى ،إلى اللقاء.



فتح مسعود الرابط الذى يحمل تفاصيل الوظيفة وهو فاغر فاه إلى أقصاه من الفرحة ..


الشروط المطلوبة للوظيفة:

أن يكون المتقدم حسن المظهر

تقديراته الجامعية لا تقل عن جيد جدا

يجيد خمس لغات

يجيد إستخدام الحاسوب


....فرح مسعود فرحة الأهبل وهو يقارن صفاته بالشروط المطلوبة ..

يرى أنه تتوافر به معظم الشروط (هذا من وجهة نظره طبعا)!!!!


إلا أنه لا يجيد إلا لغتين فقط ، ولكن لا بأس ، مازال أمامه وقت ،سيأخذ كورسات مكثفة ليجيد 

باقى اللغات المطلوبة .


ولكن من أين له بالنقود اللازمة للكورسات؟

جلس يفكر ، كان يرتدى بيجامة مخططة تتنافر ألوانها مع بعضها ، أخذ يفكر ويفكر وهو يفرك شعره بيديه ، شعره الذى يخاصم المشط منذ زمن!


ليس أمامه حل سوى أن يقترض المال من أصدقائه. 

أمسك هاتفه وتحدث إلى كمال صديقه ،طالبا منه المال ،أعطاه كمال مبلغا لا يكفى سوى لكورس واحد.

ولكنه مازال يحتاج لكورسين آخرين !

قرر بيع جهاز الحاسوب الخاص به .

نعم فسأشترى أفضل منه حين أستلم الوظيفة.(قالها مسعود محدثا نفسه)


أنهى مسعود كورساته المكثفة فى فترة وجيزة وحصل على أعلى الشهادات .


جاء الموعد المحدد للمقابلة الخاصة بالوظيفة . 

دخل مسعود الشركة يرتدى بدلة زرقاء ورابطة عنق حمراء وحذاءا بنى اللون (لقد قام بتمشيط شعره على غير العادة (ينظر لنفسه متفاخرا يشعر بأنه شخص أنيق (هذا من وجهة نظره أيضا )..!

دخل مكتب المدير ...

وجد المدير يجلس وبقربه آنسة تبدو فى العشرينات من عمرها ،ترتدى جونلة قصيرة ، وتلون شعرها بألوان قوس قزح .


ألقى مسعود التحية . .


*السلام عليكم أنا مسعود جئت للتقدم للوظيفة اللتى أعلنتم عنها منذ شهر . 

وأنا أستوفى كل الشروط


*عذرا أستاذ مسعود ، لقد تأخرت قليلا ، فقد تم قبول الآنسة رغدة بالوظيفة  ..

*ولكن هل تقديراتها الجامعية أعلى من الجيد جدا؟

*لأ

*هل تجيد خمس لغات؟

*لأ


*إذن هل لى أن أعرف ماسبب قبولها بالوظيفة ؟

*إنها حسنة المظهر .


أطلق مسعود ضحكة هستيرية ، وخرج من الشركة يحمل بيده شهاداته وأوراقه ويحدث نفسه قائلا:

لا بأس ،حظ أفضل المرة القادمة.




************************************


2- حفل أم كلثوم

ترسم لنا الحياة طريقاً ، وتختار قلوبنا طريقاً آخر ، وما بين الدروب ومفترق الطرق ، قد نتوه وتتبعثر أحلامنا ، ولكننا دوماً نلتقى فى صوت أم كلثوم.


**************


*جدو نبيل

*نعم يا صغيرتي

لماذا أسميتنى فريدة؟!*

إبتلع الجد ريقه بصعوبة وأمسك جبينه بيده محاولا كبح الزكريات اللتى تحاول إعتصار عقله فى تلك اللحظة ،فلم يكن سؤال الصغيرة سؤالاً عادياً،ولكنه كان أشبه بالقنبلة الموقوتة اللتى فجرت العديد من المشاعر المتضاربة ،كان سؤالاً أشبه بآلة الزمن ،سؤالاً نقله فى غمضة عين إلى ما قبل خمس وعشرون عاماً......!

كان عمره ستة عشر عاما حين انتقل مع أسرته للعيش فى بلدة أخرى غير بلدتهم ،ما زال يذكر ذلك اليوم حين ذهب مع أسرته للتعرف على جيرانهم الجدد،يومها رأى فريدة كانت تصغره بخمسة أعوام ،كانت تعزف على البيانو ،كان لحن أغنية (مادام تحب بتنكر ليه) لأم كلثوم ،حينها شعر بشعور غريب ،ربما كان سنه أصغر من أن يعرف ماهذا الشعور ،ولكن كل ما يستطيع قوله هو أنه تعلق بفريدة ،منذ النظرة الأولى .

توطدت العلاقات بين الأسرتين ، الآباء يذهبون ويجيئون سويا ، والأمهات يقضون معظم الوقت معا ،يتفننون فى أمور الطبخ ،وكثيرا ما يجتمع الأسرتين لتناول الطعام  معا ،أما نبيل وفريدة لا يفترقون أبدا ،يجتمعون دوما حول البيانو ،تعزف فريدة ، ويستمع نبيل، لم يكن شىء أحب إليه فى الحياة من عزف فريدة ،يضحكون ويمرحون طوال الوقت .

يجلس الأسرتان يوميا يستمعون  لأم كلثوم ،يحتسون الشاى ،فعِشق  أم كلثوم كان هو الشيء المشترك بين الأسرتين .


كبُر نبيل وكبُرت فريدة ، وكبُر حبهما.......          

 يفتح نبيل النافذة  وهو يستمع إلى أم كلثوم ،كان يعشق المقطع الذى تقول فيه (حبيبى يسعد أوقاته )كان يعيد المقطع أكثر من مرة حتى تسمعه فريدة وتفتح نافذتها .

**************


قويت العلاقات بين الأسرتين أكثر وأكثر ، مرت السنوات وقرر والد نبيل العودة لبلدته هو وأسرته ،وقع هذا النبأ على قلب نبيل وقع الصاعقة ،إعترض ولكن بلا جدوى ،فوالده يحتاجه إلى جواره ،أخبر والده بأنه يريد الزواج من فريدة ،رحب الوالد بالفكرة .


…..……………………………..

رغم أن والد فريدة يحترم نبيل ويقدره ، إلا أنه رفض أن تسافر إبنته إلى بلد آخر ،فقد كانت حالة والدتها الصحية فى تدنى ، وتحتاجها إلى جوارها ،  حاول نبيل الوصول إلى حل وسط ، ولكن بلا جدوى .!          

………………………..


حان وقت الرحيل وودع الأسرتان بعضهما بأسى وحزن فقد مرت عشرة أعوام على جيرتهم ، لم يفترقون خلالها .        

يومها تحدث نبيل وفريدة حديثهم الأخير؛ كان حديثا مغلفا بالدموع ؛

*لقد حاولت أن لا نفترق يا فريدة ،ولكن للقدر رأى آخر ،ولكننى سأذكركِ دوما ،سأذكركِ عندما أسمع صوت البيانو،سأذكركِ عنما أستمع إلى أم كلثوم ،سأذكركِ مع كل طرفة عين يا فريدة.


*وأنا سأذكرك يا نبيل مع كل شروق شمس ، سأذكرك حين أفتح نافذتى لأبحث عن وجهك فى النافذة المقابلة،سأذكرك بعدد الأنفاس اللتى تجعلنى أعيش ،سأذكرك بعدد دقات قلبى ،سأذكرك دوما يا نبيل.


............................


مرت السنوات ، وتزوج نبيل بأخرى ،ولكن جرحه مازال ينزف ،ولا يضمده سوى صوت أم كلثوم .


……………………………..


كم تبدو الحياة أحيانا قاسية ، حين تجبرنا على السير فى طرق لا نختارها!!!


…………………………………………

جدو            *

أفاق الجد على صوت الصغيرة ،واعتدل فى جلسته وهو يتنهد تنهيدة صعبة الوصف ،تنهيدة تحمل كل ما مر بباله نتيجة سؤال الصغيرة ،تنهيدة تحمل مشاعر جميلة ومُرة فى ذات الوقت.!!!!!!!!!


*ما بكِ يا صغيرتي ؟

*لِم لا ترد على سؤالى؛ لماذا أسميتنى فريدة؟

*وما مناسبة هذا السؤال الآن؟

*ليس هناك مناسبة ، ولكن أبى وأمي أخبرانى أنك أنت من أسميتنى بهذا الإسم ..                  

*نعم أنا أسميتكِ به لأن فريدة هو أجمل إسم فى العالم.

*معنى ذلك أننى أجمل فتاة فى العالم؛أليس صحيح ؟

*بلى صحيح يا صغيرتي.

*ولماذا جئنا اليوم إلى هذه البلدة يا جدى ؟

*هذه البلدة أقمت بها عشرة أعوام عندما كنت شاباً..

*ولماذا جئنا إليها اليوم؟

*جئنا لنحضر حفل أم كلثوم.

*هل ستأخذنى معك ؟

*بالطبع يا حُلوتى.



………………………………………

تجلس فريدة فى منزلها ،أنيقة كعادتها ، لم يُنقص العمر من جمالها شيئآ،يبدو منزلها كتحفة فنية ،الورود فى كل مكان ، وصوت المذياع يملأ الأركان ،تستمع إلى أم كلثوم (أهرب من قلبى أروح على فين )..... 






*سارة..

*نعم يا أمى

*هيا بدلى ملابسكِ لتزهبين معى إلى الحفل

*ألهذه الدرجة تحبين أم كلثوم يا امى ،تستمعين إليها صباحا ومساءا ، ومع ذلك تودين الذهاب لحفلها ،ألا تشعرين بالملل!

*كُفى عن الحديث واذهبى لتبديل ملابسكِ حتى لا نتأخر.

*حاضر يا أمى ،بضع دقائق وأكون جاهزة.


..............................


بدأ الحفل..

جوا رائعا ، تتراقص القلوب على الأنغام ، وينصت الزمن لصوت أم كلثوم ..              

الصفوف ممتلئة ،الآذان منصتة . .


وفجأة توقف الزمن...

فقد تلاقت الأعين. .

نظرت فريدة بجانبها ..فإذا بها ترى نبيل ..نعم لم تكن تحلم . فهذا نبيل ..يجلس بجوارها....لقاءا قدريا أسطوريا ...يالها من صدفة ..

يذهبان للحفل ..يجلسان على المقاعد المتجاورة...صدفة ربما لا تحدث إلا مرة فى العمر ....صدفة رتبها القدر ..رأفة بقلوبهما المنهكة المتهالكة .. 

لمعت العيون ...

تلعثمت الألسن عن النطق...

الزمن متوقف ينظر للعيون المتعانقة...!


أخيرا نطقت الألسنة:



*نبيل!!!!

*فريدة!!!

*كيف حالك؟

*أنا بخير،وأنتِ كيف حالكِ؟

*أصبحت الآن بخير.

*أُقدم لكِ حفيدتى فريدة، إبنة إبنى

*إسمها فريدة!!!!!!!!!      

*نعم ،فلم أُرزق بفتاة لأسميها فريدة ،فأسميت حفيدتى.          

*وهذه سارة إبنتى..

*ألديكِ أبنا





*****************************************

3- طلاسم

★ألن تُفكرى فى الأمر يا ابنتي،فهذا هو العريس العاشر الذى ترفضينه من اللقاء الأول ،دون حتى أن تطلبى لقاءا آخر!

★لا أعلم يا أمى،ولكنى أشعر بعدم الإرتياح دوما ، أشعر بالقلق ، ولا ينتهى هذا الشعور إلا حين أرفض.!


طأطأت الأم رأسها فى أسى وحزن ،لحال إبنتها ، ثم تمتمت بالدعاء لها ..وقالت :

★تصبحين على خير يا سارة

★تصبحين على خير يا أمى.


لاحظ والد سارة أن والدتها بها شىء.  . فسألها : 

★ما بكِ يا أم سارة؟!

★أشعر بالحزن لحال سارة ، وأريد أن أذهب بها لأحد الشيوخ ليقوم برُقيتها.

★أتظنين أن إبنتنا مسحورة ؟!!!

★لا أعلم ولكنى أخشى عليها.

★لا تقلقى سيكون كل شىء بخير

★يارب


مرت عدة شهور.....

نادت سارة على أمها بفزع ...

★أمى أنظرى ماذا وجدت !!!!!

★ماهذا ، وأين وجدتيه؟!!

★وجدت ثقبا فى وسادتى ، وعندما حاولت إغلاقه ،وجدت هذا الشيء داخل وسادتى!!!!

وقفت الأم مصدومة ، فقد كان ما وجدته سارة شيئآ عجيبا مغلف بعدة طبقات ، وبداخله قصاصات ورقية ، نُقِشت عليها أشكال غريبة ، ورسومات مبهمة ،وطلاسم ليس لها أى تفسير !!!!!


نادت الأم على والد سارة ليرى ما وجدوه ..

★ألم أقل أن إبنتى بها شىء ، انظر ماذا وجدنا فى وسادتها(قالت الأم جملتها وأجهشت بالبكاء)

الأب ينظر إليهم وإلى ما وجدوه فى ذهول ، أما سارة تقف مرتعدة تتخبط أسنانها ببعضها !


قال الأب :

★سأقوم بإحضار الشيخ معاذ إمام المسجد ،ليفيدنا برأيه .

الشيخ معاذ ،رجل خلوق ، فى ريعان شبابه ، ملتزم ومحبوب من الجميع ، وقد كان من ضمن من تقدموا لخطبة سارة منذ سنوات ..

حين رأى الشيخ معاذ ما وجدوه ، إبتلع ريقه ، وقال :

★لا حول ولا قوة إلا بالله

كررها عدة مرات ...

ثم قام بإحراق الشىء الذى وجدوه ، وقام بقراءة بعض آيات القرآن الكريم.

ثم وجه حديثه لسارة قائلا:

★لا تخافى يا سارة ، لا شىء يحدث إلا بإرادة الله ، وعلى الإنسان أن يتمسك بالصلاة ، وقراءة القرآن ، والأذكار ، ولن يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله له.


قالت الأم :

★ولكن من الذى قام بهذا السحر لإبنتى ، أرجوك قل لى يا شيخ معاذ

★لا يعلم الغيب إلا الله يا أم سارة ، وقد تم إبطال مفعول السحر ، لا تقلقى .


مرت عدة شهور أخرى......

جدد الشيخ معاذ طلبه بالزواج من سارة ، ووافقت سارة ، والفرحة تبدو عليها ، والسعادة بدأت تتلألأ فى عينيها.

تزوج العروسان ، وعاشا حياة هنيئة 


مرت شهور وشهور... 

مرضت زوجة عم سارة ، وذهبت  لزيارتها مع زوجها...


إلتفتت المريضة إلى سارة قائلة:

★لقد إقترفت خطأ فى حقكِ يا سارة ، وأرجو أن تسامحينى ، فأنا على فراش الموت كما ترين ...

نظرت إليها سارة باستغراب قائلة:

★ماذا تقصدين يا زوجة عمى ، عن أى خطأ تتحدثين؟!!!!!!

★أتذكرين منذ سنوات عديدة حين تقدم إبنى لخطبتك وقمتى برفضه؟

★نعم أذكر

★حينها جُن جنونى ،لإن إبنى كان متعلقا بكِ جدا، فوسوس لى الشيطان ، وذهبت للدجالين ، وسحرت لكِ، ووضعت السحر فى وسادتك ،ولكن الله عاقبنى على فعلتى ، وها أنا أصارع المرض ، وفشل زواج إبنى ،وطلق زوجته ، حتى إبنتى فشل زواجها.


سارة لا تستطيع النطق من هول الصدمة 

رد الشيخ معاذ قائلا :

★لقد إنقلب السحر على الساحر ، إنقلبت فعلتكِ عليكِ ، كيف سولت لكِ نفسكِ فعل هذا ؟!

★كنت أخشى على إبنى من أن يحترق قلبه لو رآها تتزوج من غيره.

★كان من الأجدر بكِ ، أن تخشى الله أولاً.

أخيراً استطاعت سارة أن تتمالك نفسها ...

وجهت كلامها لزوجة عمها قائلة:

★فليغفر لكِ الله فعلتكِ

خرجت سارة وزوجها ،متجهين نحو منزلهم ، لاحظ معاذ شرود سارة ..

فقال لها :

★سأكرر لكِ دوماً،لا شىء يحدث فى هذه الحياة  إلا بإرادة الله ، ومادام الله معنا ، فلن يضرنا شىء.





0/أكتب تعليق

أحدث أقدم