قراءة تنويرية لنص " فنجان قهوة بارد فوق سطح طاولة ساخنة" للأديب محمد البنا بقلم الناقدة: جيني فؤاد


قراءة تنويرية لنص " فنجان قهوة بارد فوق سطح طاولة ساخنة" للأديب محمد البنا بقلم الناقدة: جيني عيسى
الأديب: محمد البنا 



 الوصال بين الكمال والمحال
سقوط حر
قراءة تنويرية لنص
" فنجان قهوة بارد فوق سطح طاولة ساخنة"
ل / محمد البنا 
بقلم الأستاذة الناقدة/ جيني فؤاد


مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 

إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:

............

وكأن الإضطرار بالفعل هو سيد الموقف !!..

وكأنه فى حاجة لأن يتذكر .. أو أن الذكرى الموثقة أثنت قلبها هى عن الخضوع حتى تثنى قلبه هو عن الخفق والإلحاح .. 

وكأن عرش القلوب أقوال وتتويج وإرادة بعينها ..

بل وكأن إرادة القلوب الصادقة تتناءى فى القصد والرغبات ..

وماذا تكون المرأة فى قلب الرجل الذى يحب بصدق إلا كاملة مكتملة !!..

بالمكان والمكانة والشكل والموضوع مكتملة ..

بالظاهر والباطن مكتملة ..

بالإحساس والوجدان والكيان مكتملة ..

نعلم أن أمر القلوب يختلف .. منطق الإحساس وإملاءات الشغف تختلف ..

لكن أى صدق أجمل من ان توافق الإرادة الوجود !..

أن تواتيه تلبيه فى ظل الكينونة والترنيمة الاجمل ..

لكن ....

الفكرة فى النص ليست بهذه البساطة .. ولم تتأتى لها الأسباب والظروف لكى تتهادى وتكتمل وتتحقق معزوفة الحلم ..

فهناك معيار ومعيار ..

هناك الإستفهام الأكبر  حول المرأة "المتزوجة" التى لا يصح لها وفق أى تبرير أن تنجرف وراء جموح القلب ..

وهناك الرجل الذى أعلن بكل احتدام الشعور رغبته وقراره وتحرره ..

أمور كثيرة تدور فى المساحة الممتدة بين الشرط والإصرار .. بين الإرادة والقدرة .. بين تفاصيل المرة فى "كل مرة" ومساحة القبول والصد .... 

فجوة عميقة ماثلة قاهرة بين إرادة الحب وإرادة الشرط ..

 لسنا بصدد الأسباب والتفسير والرفض والإدانة رغم أنها المحور الأهم والمساحة المعصومة التى لا يجب المساس بها ..

لكن مقياس الفكرة يبحر بنا بعيدا فى الأعماق.. يسير بمحاذاة المانع والوقوع .. يحاور الإنحدار .. يستنطق حدود الميل وانجرافه الأعمق .. يندفع إلى التيار الجامح ويطرح الحب بين هديره الأعلى ..

الحب وفكرة الذاتية والأنانية المغرقة المتورطة .. فى ظل محظور وثيق لا يجب المساس بقدسيته ..

وأنانية مكابرة تعيش الإزدواجية المستبيحة وفق منطقها الخاص .. وفق شروطها وحدودها فى القناعة والمحظور الشخصى ..

رغم كل الأطر التى تدين نفسها لازالت ترى الحب وفق التصور المتجنى الذى لا يبصر إلا مساحته وأهوائه ..

 نحن أمام نفس تهفو ولا تغفل السقوط .. لكنها تريده سقوطا بريئا وفق معايير واهمه منحازة للقلب ومبرراته !..

تتخذ الخطوة وتسعى وتصر على شكل الخديعة الذى ترتضيه ..

وكأن خيانة الفكر والروح هى المثالية والتضرع فى عالم الإحساس .. وكأنها أقصى ملاذات اللجوء التى يمكن للقلب الخضوع والتنسك فيها !!..

ثم هناك جانب آخر للفكرة وهو مشتق من طبيعة وفطرة الرجل والمرأة وهو الأعمق فى مقاربة خصوصية هذا الإحساس ..

وقد تجلى ذلك من خلال براعة الوصف عبر مسار النظرة المرتحلة .. تلك النظرة التى تاقت واستطالت وعاشت البداية والمرور والإستقرار بين الظلال ..

أى شروح ووصوف أجمل وأبلغ من هذه الرحلة العشقية فى البوح والكتمان .. وبأجمل ما تكون الإطراقة الوصفية فى الإستغراق والإعتمال ..

إنها المناجاة التى لا تعلم عنها إلا أزمنة الحرمان .. الظمأ الذى يشهدها ويشهد الحب على الإرادة التى تريد أن تكون .. 

إنها لحظة السرد الأروع أستاذى والحروف تكاد تلمس المرادات والبوح يجاهد ويشهد الشكوى على اعتمالات النفس الأسيرة الحسيرة .. 

لن نناقش الصدق والزيف فى كلماتها لأنها أول ما ظلمت وخانت نفسها .. 

حتى مع مجاراة الواقع .. ضعفت وجمح القلب فى غير دائرة الوطن الشرعى ..

ماذا تطمح فى دنيا قلبها الجامح وهى لازالت تزعم أنها تلتزم الحدود !..

تريد العرش والقلب والشروط أم هى وجاهة ومكانة اجتماعية لا تستطيع التنازل عنها !.. 

تشتهى السعادة وفق حجج وذرائع العقل المعصوم ..

ثم تبرئ الروح والوجدان من وصمة الخيانة بمعناها الشهير !!..

ليس مثل الأهواء مطية حين نريد أن تجتاز وعورة الطريق ..

واهمة إذ تتصور أن الحب فى معناه الصادق الحقيقى يقبل بكل هذه المهادنات ..

الحب أنانى فى منطقه الصادق إذا صح التعبير وقلما يقبل بمنطق السلامة وأهون الخسائر والشطر الذى يمكن التنازل عنه ..

الحب أكثر هيمنة وسطوة واجتياحا من كل ذاك التصور .. هو كل الإفراط بالمعنى الأجمل والأصدق للكلمة ..

المواءمات والتوازنات هى إملاءات العقل الذى أعلنت طائعة أنها تمنحه ..

هذا العقل المتورط الذى يعلى أنانيته فوق شريعته ومبدئه ..

قد تحيا الشغف ظواهر وطقوس ومراواحات ..

لكن أمام لحظة الصدق ينكص وينهزم الإدعاء دائما .. ببساطة لأنه لن يقبل ولن يتحمل تبعات الإحساس !!..

فى ساحة الفكر الجميل الذى تخامرنا وتظللنا نسائمه .. 

هو لم يطالب إلا بشريعة الحب الذى لن يرتضى ولا يعرف سواها .. 

لحظة إبائه هى الأغلى ..

لحظة الفيض الحبيس هى الأسمى ..

لحظة ارتباكه واعتماله وغمغمته الحائرة هى الأصدق ..

الحب أعقد الأشياء سيدى ..

وأبدا لا يخضع ولا يصح أن يخضع للأحكام والتقييم ..

حالة انهمار القلب وفى أشد لحظات الضعف هى كل العنفوان ..

الإحتياج يسقم القلب بقدر ما يظمأ ويلح نعم ..

والحب يبقى الحب لا يقبل إلا الإجتياج والإمتلاك ..

 الحب كينونة الذات التى لا انشطار فيها .. 

 إحساس هو أعمق وأعقد من كل التنظير والتفسير ..

لكن يبقى الأصدق والأغلى والأوفى أن نكون للصدق والنقاء كما يجب أن نكون ..

قد تكون القهوة الباردة هى أبلغ شاهد فى الإجابة على سؤال يتردد فى مقهى الواقع ..

وقد تكون القهوة الباردة المتناثرة فى أرجاء الحديقة الكونية الشاسعة هى الخاتمة البديعة لانهمار لن يتوقف يوما عن الجريان والهدر !!..

تحياتى أستاذ محمد البنا ..

النص جميل ويطرح الكثير أستاذى .. وكلما أوشكت على إصدار الأحكام وهى جلية واضحة يحجم القلم فى ساحة هذا الإحساس العصى على التطويع والتقرير ..


أصدق التحية والتقدير..

جيني فؤاد..١٥ فبراير ٢٠٢١

.................................. 

النص
.......
فنجان قهوة بارد فوق سطح طاولة ساخنة
.... قصة قصيرة...

..............................

_ أرجوك..كن لي كما أريدك أن تكون

قالتها بعد صمتٍ طويل، فتداعت الكلمات من بين شفتيها طلقات رصاص، أطلقتها لتصيب هدفها لا لتقتله، ثم رفعت عينيها في خجلٍ وتؤدة كمن يصعد جبلًا ويحاذر انزلاق قدميه.

- حسنًا يا سيدتي..وماذا عنك ؟

دنت بجسدها منه في غنجٍ، حتى كادت تسكره حرارة أنفاسها، ثم أسكنت نظراتها في قلب حدقتيه وهمهمت

- أنا..أنا أريدك بجانبي ما بقيت في صدري أنفاس..لك عقلي..توجتك ملكًا على عرش قلبي..ملكتك وجداني..أنت ..أنت وحدك

تلألأت في محجريهما دمعتان، أبى أن يتسللا وينسابا على وجنتيه، فرك كفيه ليستمد منهما بعض قوة، وغمغم بأحرفٍ متناثرة وعتها أذنيها، ومسّت شغاف قلبها، فضمّت كفه اليسرى بين كفيها بحنو، وهمست

- أنت..أنت حبيبي

سحب كفه برفق متحررًا من قبضتها عليها، واستطالت نظرته بدءًا من راحتي كفيها مرورًا بذراعيها لتستقر بين ظلال رموشها الليلية

- إذًا..كوني لي كما أريدك أن تكوني

اعتدلت جلستها حتى استقام ظهرها على خلفية المقعد وقالت بنبرة جدية لا تخلو من حدة

- ولكني زوجة لأحدهم..

سكتت هنيهة ثم أردفت معاتبة

- لم تضطرني في كل مرة أن أذكرك بذلك؟!

أغمض عينيه الحزينتين برهةً، ثم باعد بين جفنيه حين سأله النادل

- لقد بردت قهوتك يا سيدي!.. هل آتيك بفنجانٍ آخر ؟

مد يده في جيبه، وأخرج حفنة نقود وناولها له، وبينما يهم بالنهوض ليغادر، لمح بطرف عينه امرأةً أربعينية تجلس إلى طاولة في زاويةٍ قصية من حديقة المقهى، وعيناها معلقتان بالمدخل الرئيس، وعلى الطاولة فنجان قهوة لا أثر لتصاعد دخانه.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم