ماذا عن قصيدة الهايكو للاديب: صاحب ساجت - العراق



الأديب صاحب ساجت يكتب عن قصيدة الهايكو 
 تحية ٌ طيبةٌ...
          قصيدةُ "الهايكو  Haiko"
           خمسةُ نصوصٍ.. مثالًا!

تقديم:-

         قصيدةٌ صغيرةٌ، تعبّرُ عن لحظةِ اِنبهارٍ في الحياة أو الطبيعة، بمشاهدة حسيّة/بصريّة/موسميَّةٍ و بحسب ذوبان الشاعر و قنصه للحظةٍ مشهدية، تتكون من ثلاثة أسطر:

- الأول.. وصفٌ للمشهد، و غالبًا ما يكون شبهَ جملةٍ أو جملة إسمية، و من خمسة مقاطع صوتية.

- الثاني.. حدثُ المشهد، و غالبًا ما يكون آنيًّا، زمنه في الحاضر، للدلالة على الحيوية و الحركة، و تتبُّع عبارات النص، يَضعُ القارئَ في خضمِّ موجِ المشهد.. يتكون من سبعة مقاطع صوتية.

- الثالث.. حلقةُ الوصل و الربط بين الأول و الثاني، من خمسة مقاطع.

       بَيدَ أن عدد المقاطع الصوتية ليس إلزامًا، تبعًا لاختلاف اللغة المكتوب بها، و لقوة و ضعف اللغة الحسية القادرة على التعبير المكثف عن مشهد أو صورة جمالية.

     يعتمدُ النّصُّ على تكثيف و اختزال اللفظ، دون استعمال محسنات بديعية أو مجاز! و هو حرٌّ من أعباء البيان و البلاغة. يركّز على لحظات الجمال في الطبيعة و التجارب المؤثرة؛ كمصدر أساسي للإلهام، يفرض على الشاعر اختيارًا دقيقًا لكل حرف و كلمة، مع الإحتفاظ بالدهشة و البساطة و الآنيَّة، شرط ضمان تَحَمُّل هذه الكلمات القليلة معنًىٰ قوي و مميز لدى القارئ، و صياغتها بأفضل صيغة، مع جملة ختامية تثير اهتمام القارئ..

بل تتركه مندهشًا و عاجزًا عن التعليق

لبُرهةٍ من الزمن.. مع نصٍّ بالغ القصر.

و لا ننسىٰ.. عدم ضرورة و جدوى وجود عنوان للقصيدة، لانها تتحدث عن نفسها... 

أصلُ الموضوع:-

    ثَمَّ نصوصٌ نُشِرَتْ حديثًا، وَجدْتُ فيها- بعدَ الإذن من كاتبتها الإستاذة "ثُريّا الشّمام"- ما يستحق الٕاحاطة بها 

و تقديمها أنموذجًا عن قصيدة الهايكو التي لاقت اقبالًا شديدًا من المتذوّق

و المبدع.. و في صفحات منتديات و روابط و مجموعات كثيرة.

و قد اِستغرَقْتُ بالكلام عنها كثيرًا، كونها كانت طَيِّعةً و ليِّنَةً و قريبةً إلى الذّوق المعتاد.. فضلًا عن كونها قريبة إلى واقع نعيشه بالتفصيل، أبدعتِ الكاتبة في رصده و ألتقطتْ أجمل لحظاته، و كأنها منغمسة فيه.. فعلًا، لا خيالًا!

            التحليلُ...

أولًا.. فكرةُ النصوصِ:-

      قارئُ النصوص يَلحظُ خيطًا رفيعًا،

يربطها مع بعض، من حيث مضمون فكرتها - الثِّيمَة Theme- بَيَّنَتْ أفعالها بوضوح حالة وجدانية مأساوية.

فحملت افعالًا آنيِّةً...

 (تُغْرِقُ- تُحَرِّقُ- فِطامٌ- تُجْهِضُ- تَغْتالُ).

فهل ذلك مصادفةً؟

أم انها تعزف على وترِ اليأس و الحزن و الخذلان في آلةٍ موسيقيةٍ صُنِعَتْ بالتحديد لهذا الحال؟!

النصُّ الأول:-

               بِلا شِطآنٍ-

               تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...

              دَمْعَةٌ حَرَّىٰ!    (ثريا الشمام)

    دمعةٌ فاضتْ و أغرقت مراكب حنين! وهي قطعًا عَرضٌ لمشهدٍ أليمٍ، نَقلَ لنا حدثًا يتكررُ، و لا أملَ في وضع نهايةٍ له. نلمسهُ في غرق مراكب المهاجرين في أعالي البحار، و تحوّل ركابها إلى طُعمٍ مُستساغٍ للكواسج و الحيتان!

النصُّ الثاني:-

                فُؤادٌ-

                تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...

               صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ!   (ثريا...)

      الوتينُ.. عِرْقٌ متعلقٌ بالقلب، و هو كنهرٍ للجسد، يعتمدُ عليه في تغذيته بالدَّم. 

{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} ( الحاقة- 46)

فإذا أَلَمَّ به ألَمٌ و لوعةٌ.. انعكس سلبًا على القلب، و حرَّقتهُ آلامُهُ! و إذا اِنقطع.. مات صاحبُهُ!

هنا.. صرخةُ طفلةٍ تُشعِلُ الوتينَ و تقطّعُ نياطَ القلب.

النصُّ الثالث:-

                دُونَ كَلامٍ-

                فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...

                خِذْلَانُ أُمٍّ!     (ثريا...)

   رُبَّما تُصابُ الأمُّ بالخذلان بعد فطام رضيعها، و اِبتعاد فَلذَّةِ كبدِها.. عنها!

و على الرّغم أن الرضيعَ يبدأُ بتنويع مصادر غذائه- و هذا شيء حَسِنٌ و لا مَنْدُوحَةَ منه- لكن الأم بحاجة إلى صبرٍ و إمكانية اِستيعاب ظروف مرحلة فطام طفلها.

هذا.. الفطامُ الطبيعي...

 ماذا عن أسوء أنواع الفطام، الذي يفاجئ الأُم و الرضيع على حدٍّ سواء؟

فالنصُّ تكلم عن فطام السِّنين، الذي يذيقُ الطرفين مُرَّ العذاب و الهَلاك!

فلا كلامَ اذا وقع، و لا حالَ يَسرُّ!

 و قد تكون الحرب، و ما تفعله في الإنسان.. هي السبب في ذلك!

النصُّ الرابع:-

              مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-

              تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...

              عِيدٌ بِلا لِقاءِ!    (ثريا...)

     الوردةُ هِبَةٌ للانسان، تبعثُ السكينةَ 

و الهدوءَ في القلوب، تَجلبُ له راحةَ النفس و الطمأنينة، و تبثُّ الأمل. 

و هي على مسافةٍ واحدة بين العقل 

و الوجدان، تُحاكيهُما برقةٍ و رومانسية و شفافية و عطرٍ فوّاح...

لكن.. لماذا الحمراءُ تحديدًا؟ 

يُقالُ.. إنها رسالةٌ بين اثنين مضمونها

( أُحُبُّكَ.. مِن كُلِّ قَلبي!)

بمعنى.. إنَّها ترمزُ إلى الحُبِّ الحقيقي 

و الجمال، و بحسب درجات لونها الذي يتدرج بين القاتمِ و الفاقعِ و الناري...

وجميعهم يرمزون إلى رغبةٍ في الحُبِّ عميقةٍ أو خدّاعةٍ أو ملتهبةٍ!

أمّا النصُّ فلهُ إضافةٌ أخرى...

الأمنيةُ هي: حديثُ النفس و مبتغاها،

 و الرغبةُ في حدوث شيء محبوب...

و جَمعُ أمنية = أمنيات أو أماني...

شُبِّهَتِ الأمنياتُ و هي تُجْهَضُ قبل ولادتها، بالوردةِ الحمراء التي تُقطعُ لمناسبةٍ بين متحابِّين.. بَيْدَ أنها لن تَصلَ رسالتُها، لانعدامِ أمنيةِ اللّقاءِ!

النصُّ الخامس:-

               سِرٌّ صَغِيرٌ-

               يَغْتالُ لَيْلِي...

               ما أَكْبَرَ ٱلأَحْلَامِ!    (ثريا...) 

     تحوَّلتِ الكاتبةُ بهذا النَّصِّ من الأشياء و مُحاكاتها في النصوص السابقة.. إلى أنسنةِ نَصِّها الأخير، و قَيَّدَتِ الإنسان كمحورٍ لتفسير مواقفٍ حياتية.

اِهتمّتْ بمصيره، و اَستجابتْ لحاجاته و طموحاته، و باغتت المُتلقي بوجود

(سِرٍّ صَغيرٍ) يَغْتالُ أنسانيتها، إن لم يَتحققْ لها،  و يتركها معلقةً خارج الزمان و المكان. سِرٌّ صغيرٌ هو بمثابة قِشَّةٍ تَقصمُ ظَهرَ بعيرٍ!! و يَحدثُ أثرًا كبيرًا ليس بذاته فقط، بل يأتي بعد تراكم أحداثٍ جَمَّةٍ، لا تُحتَملُ، اذا أُغْتِيلتْ طموحاتُ و أحلامُ ذلك الإنسان. و لِرُبَّما يَندرجُ ضمنَ أسرارٍ تُسْعِدُ حياتَهُ، لو تحقق َ في مناماته و سَكناتهِ، و مستعدٌّ أن يعيشَ العمرَ على حافةِ انتظارٍ، تُشرفُ على مُنحدرٍ سَحيقٍ، لا تتجاوزُ موطئَ قَدمٍ بُغيةَ تحقيقُ ذلك  الحُلْمَ/السِّرَّ الصَّغير!

ثانيًا.. فنيةُ النصوص:-

      اِلتزمتِ النصوصُ بقواعد- اذا صَحَّ التعبيرُ- كتابة نصِّ الهايكو.

فابتدأت بوصف الحال بعبارة، تصنيفها اللّغوي (شبهُ جملةٍ أو جملةٌ اسميةٌ) هَيَّأتِ القارئ إلى حدثٍ آنيٍّ لمشهدِ لحظةٍ اِقتنصَتْها (الهايكوست) و نقلتها بشفافية و بأقل كلمات، استوعبت مشهد حسّي بدقةٍ و حرفية، و تكثيف فاقَ التصور الاعتيادي.

و من نافلة القول نؤكد:- 

قوةُ النصوصِ تمثلت بحلقات وصلٍ متينة، جاءت قصيرةً من كلمتين، ربطت الوصفُ بالحدث الآني.

ثالثًا.. بناءُ النصوص:-

      لم تتجاوز كلمات كل نص على حِدَتِهِ ست مفردات، تماسكت مع بعض بنسيجٍ متقن و سلس، باسلوب سهل و معنًى مفهوم، خالٍ من الرّمزية و التشبيه و لم يُكْتَبْ لغرض التفاخر بكلماتٍ رنّانة أو قاموسية!

    اِتخذَ علاماتِ التنقيط أنوارًا كاشفةً، لتسهيل قراءة النص و فهمه.

السطرُ الاول- انتهى بـ ( - ) الشرطة او الوصلة، للانتقال إلى الحدث الأساس.

السطر الثاني- انتهى بـ ( ... ) علامة حذف ما لا يُرادُ تكراره، أو لعدم الحاجة إلى ذِكر المزيد.

السطرُ الثالث- انتهى بـ ( ! )علامة التعجب لانه يحمل جملة اندهاش و تعجب، تثير حفيظة القارئ، و تؤثر فيه، و هي علامة انفعال الكاتب لإيصال مشاعره و للتعبير عن الحزن أو الفرح أو التعجب. و استُعملت بهدف انتهاء معنى، أو بيان علاقة بين الجمل و ايصال شعور الكاتب.

       أخيرًا...

    إنَّ التوافقات الوجدانية بيننا كبشر، تقوّي اللُّحمة و تزيد التعاطف فيما بيننا.

فالقصيدة أو القصة في مستوياتها الإبداعية، تنمو و تترعرع اليوم على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي،  و هي بحاجة إلى تقويم و توجيه مسؤول. بحاجة إلى دعم متواصل يرفعُ مستويات تراكم أعدادِ المنشورات الإبداعية، ممّا يَكفلُ حتمًا تحوّل الكَمُّ إلى كَيفٍ!

و نحن بامس الحاجة للإثنين في وقتنا الحاضر، و بالحدِّ الأدنى، لان الثقافة على وجه الخصوص تواجه هجمات متتالية و مؤذية من سياسيي السلطة و من أيدٍ خفيّةٍ و بدفعٍ خارجي.

نأملُ أن نرى ذلك من خلال متابعتنا الحثيثة لما يَنشرهُ  الأصدقاءُ و غير الأصدقاءِ...

  مع أجمل التحيات...

      (صاحب ساجت/العراق)

في أدناه النصوص موضوعة القراءة:-


بِلا شِطآنٍ-

تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...

دَمْعَةٌ حَرَّىٰ!


فُؤادٌ-

تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...

صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ!


دُونَ كَلامٍ-

فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...

خِذْلَانُ أُمٍّ!


مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-

تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...

عِيدٌ بِلا لِقاءِ!


سِرٌّ صَغِيرٌ-

يَغْتالُ لَيْلِي...

ما أَكْبَرُ ٱلأَحْلَامِ!

 (ثريا الشمام/سوريا)

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم