قراءة نقدية تحليلية لنص ( فوهة ) للكاتب المصري/ مهاب حسين مصطفى بقلم الأديب الناقد/ سامة الحواتمة- الأردن

 قراءة نقدية للقصة القصيرة جدا  (  فوهة )  للأديب/مهاب حسين مصطفى- مصر 
 بقلم الأديب الناقد/ سامة الحواتمة- الأردن







مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى النص ثم القراءة: 

************************************************

النص:

"فوهة

النهر سممه المغول.. أطل تموز بوجه عربي، فثبت"الثقفي" قناعه المهزوز.. وضجت الأرض حبّلى في عامها الألف. انتفض النيل.. غسل عارها، طوقها ماء الفرات.. بزغت الرؤية سيوفاً، احتشدت كهنة آمون.. غُرسنا التواريخ في أرض الأنبياء، وأعلنا تقاويماً جديدة..

ارتد البصر لأعين ابيضت بالبكاء!.

مهاب حسين/مصر.


فكرة النص:

هناك مشهدان لفوَّهة البركان: مشهدٌ أفقي من علُو دائري متوقد. ومشهدٌ جانبي فوهة البركان منارة رغم الدمار الذي تسببه، الفوهة تومض الإشارة من بعيد للإنذار والنَّجدة.

 فوَّهة: كلمة مفردة، ساحرة، عاصفة، متوقّدة، وامضة من بعيد.


* "النهر سممه المغول..."


تتجلى الرؤية في النص من أعلى صروح مصر تَطَّلِعُ أسباب الأدب في حركية الحدث الجلل.. وهنا مصر هي الشاهدة على الحضارات والرافدة لها، تمتد الرؤية إلى نهر الفرات في بابل الذي سممه المغول بسيوف الغدر والحقد والجهل في أكبر حضارة عرفتها البشرية.

لهذا السم بعدٌ تاريخي سرى في جسد الأمة الإسلامية  من بداية التّرجّل عن القمّة إلى يومنا هذا.


* "النهر سممه المغول.. أطل تموز بوجه عربي..."


 ثم تمتد الرؤية إلى بعد حضاري عميق مرتبط في "تموز بابل والآشوريين" إلى جوار صراع الفراعنة والأنبياء.. فرغم صراعها بين رسالات التوحيد وتأليه الإنسان الكنود الضعيف، إلا أنهم جسدوا أثر الإنسان في أهم حضارات عرفتها البشرية.

صورة تحوّل تموز بابل إلى الوجه العربي هي إشارة إلى توحد الأعراق المختلفة مع قبلة العرب والمسلمين بخاتمة رسالات السماء كلّما سمم الأعداء نهر الفرات على مر التاريخ،


* "النهر سممه المغول.. أطل تموز بوجه عربي، فثبت"الثقفي" قناعه المهزوز..."


وكلّما ظهر ثقفي بين العرب يحكم بسيف ويتكلم بسوط على أبناء جلدته أكثر من عدوه رغم أن نصف رمزية الثقفي مقرونة بالفتوحات إيجابا، ونصفها الآخر شر ويختلف عليها جماهير العرب في ملعب تاريخنا القديم الحديث القابل للتحديث، للأسف.


* "النهر سممه المغول.. أطل تموز بوجه عربي، فثبت"الثقفي" قناعه المهزوز.. وضجت الأرض حبلى في عامها الألف."


فمياه النهر المسمومة جرت في جغرافيا العرب ثم وارتهم  بأقنعة فَصَّمَتِ الأمة إلى طوائف وملل لتضجّ أرضهم حبلى دهرا من الزّمان بأثقال الخيانة والتناحر والفرقة ولا نعرف ماذا ومتى تتمخض؟ أم أنها ستتطهر؟! 


* "فوهة

النهر سممه المغول.. أطل تموز بوجه عربي، فثبت"الثقفي" قناعه المهزوز.. وضجت الأرض حبّلى في عامها الألف. انتفض النيل.. غسل عارها، طوقها ماء الفرات.. بزغت الرؤية سيوفاً، احتشدت كهنة آمون.. غُرسنا التواريخ في أرض الأنبياء، وأعلنا تقاويماً جديدة..

ارتد البصر لأعين ابيضت بالبكاء!."


بعد الدّهر، تستحيل الرؤية إلى رؤيا بين الماضي والحاضر إلى المستقبل لتنسج مراحل الحدث بالانفراج إلى القفلة المدهشة: "انتفاضة النيل" تشير إلى فيضانات النيل تُخلِّف الخصب والرَّي تُجَسِّد انتفاضة صلاح الدّين وقطز في تطهير أرض العرب من العار  وسموم هولاكو ذات مرَّة، وبتعاضد من أهل الفرات والعثمانيين بحياة جديدة  على شواطئ النهرين وأبعد من ذلك... 

أَقنِعة الثقفي تدرّع بها كهنة آمون، كهنة الخيانة والخنوع للأعداء وكل من ابتاع وابتلع شرف الأمة، ثم تحلِّق الرؤية إلى المستقبل والأمل إلى دورة الزَّمان الأخيرة لتشخيص الأرض تتمخَّض عن ضمير الذات العربية الإسلامية الموحدة ضمير "نا"،"نحن"، ليفيض النِّيل والفرات مرة أخرى ولتتقزَّم النَّجمة وتأفل وتسقط الأقنعة وليدفع كهنة آمون الثَّمن ونغرس تقاويما جديدة في أرض الأنبياء فتثور فوهة "القدس" ليرتد البصر لكل يعقوب فينا.

ختام القصة بقفلة تناصية مُضمرة وشعرية في نفس الوقت، التّناص فيها قرآني بالتوازي مع حالة سيدنا يعقوب، عليه السلام، فارتداد البصر حالة مشتركة بين عين يعقوب وعيون الأمة بعد سطوع النور من قريب إن شاء الله.


يصعب الفصل بين الزمان والمكان منطقيا، فهما بعدان لا ينفكان عن بعضهما، هناك تحكُّم بديع في زمان ومكان الحدث، له بداية بعيدة وقديمة جدا قِدَم الدّلالات في التراكيب الرمزية مثل (مرحلة سم المغول في نهر الفرات، تموز، الثقفي، والدهر فترة حمل الأرض، انتفاضة النيل، حتى مرحلة غرس التقاويم الجديدة في أرض الأنبياء) البداية من زمن الغزو المغولي بدلالات تراكيب رمزية حبلى بالحضارت القديمة ويتوسط المشهد الزمنكاني في الحاضر لتقفز إلى رؤية المستقبل (تحرير القدس المأمول).


البيان في النص تضمن المجاز والكناية والاستعارة تلك الأركان اِتّسمت بقوة الحضور في النص مما أوجز العبارة وفتح المشهد بمصراعيه الزماني والمكاني وحرك الشخصيات في جزالة التراكيب.


أثَّرت الاستعارة بالنص في تشكيل الصور الذهنية في مشهدية مدهشة بين الواقع والتاريخ حيث تمثَّل التجسيم والتشخيص.

"وضجت الأرض حبّلى في عامها الألف." 

استعارة مَكنيّة: تشبيه الأرض بكائن حي له فترة حمل محددة، فذِكر المشبه وهي الأرض وحذف المشبه به وهو الكائن الحي ثم تركُ صفة الحمل تدل عليه. أما الفترة فهي مجازا ألف عام للتدليل على طول الانتظار للنصر في جحيم انحدار الأمة ومآسيها.

كذلك، "انتفض النيل.. غسل عارها" تشبيه النهر بالإنسان الذي ينتفض ليثأر لعرضه، فذكر النيل وحذف الانسان دون حذف صفته وسلوك (غسل العار).

نفس الاستعارة  لـ "أطل تموز بوجه عربي".

هذا غير المجاز والكناية في القصة مع الاستعارة شكلت المشهدية الكامنة في فضاء سردي زمني جميل جدا.

أخيرا، أهنئ صاحب النص الأديب مهاب حسين من جمهورية مصر على نصه الرائع جدا وأؤكد على أهمية العناية ببعض التشكيل واستخدام علامات الترقيم الصحيحة.

نص مكتمل من العنوان إلى القفلة تمنياتي للقاص المبدع بالتوفيق.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم