قراءة نقدية في القصة القصيرة جدا "متاهات" للأديب: أحمد صرصار- الجزائر بقلم الأديب الناقد: بوشتي الجامعي- المغرب







 قراءة في قصة  متاهات للسيد احمد صرصار  /كاتب من الجزائر

النص://///متاهات

في حـيرة يسألونها، كـيف بلغت أوجّـها؟

 ما سـرّ وصوله إلى دواليبها؟ حين تصفّحوا دهالـيـز"شهرزاد" لم يعثروا إلاّ على روضـهِ الـعـطر! وبقايا سبحةٍ سكتت عمّا هو أخطر/////


**************

   أول ما يقتبلنا ونحن نتأمل ققجة احمد صرصار ، هو عنوانها، باعتباره ميثاقا أوليا ، وكشفا لنية النص السردي ثانيا . ذلك لأن العنوان» ليس عبارة لغوية منقطعة أو إشارة مكتفية بذاتها بل هو دائماً مفتاح تأويلي أساسي لفك مغاليق النص

وعليه، جاء العنوان «متاهات  في صيغة الجمع»، جملة اسمية  خبر لمبتدإ محذوف   مكتنزة   بألم التيه والضياع في أماكن افتراضية

لعالم الليالي حيث  تنسج شهرزاد من وحي خيالها باقة لعجيب وغريب القصص والحكايات ما يجعل  شهريار يقبل على سماع النهايات. فتتوالى الليالي وتنجح شهرزاد بفضل حنكتها السردية من  تحويل شخصية شهريار من  قاتل للعدارى الى محب لشهرزاد التي استطاعت ان تنقد بنات جنسها من القتل 

اذن ماهي  متاهات  شهرزاد السردية؟

يذكر الفيلسوف الفرنسي  رينيه جينون في كتابه رموز العلم المقدس ، أن المتاهة تفتح عادةً أو تمنع الوصول إلى مكان مقدس أو سحري معين.  فقد حددت العديد من الطوائف الدينية والصوفية لأتباعها شروطا لإيجاد طريقهم الخاص في متاهة معقدة مليئة بالطرق المسدودة والمزالق القاتلة . لم يجتز الجميع هذا الاختبار. أحيانًا يموت الإنسان من الجوع والعطش دون أن يجد طريقًا.

ما الذي يعنيه العنوان بالمتاهات؟

، هل هي دوامات ومتاهات سردية مغلفة بدلالات البحث عن الحقيقة كما  جاء في المتعالي النصي لمسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم ؟((((انا كل ما كان كل ما هو كائن كل ما سيكون قناعي لم يكشفه انسان بعد)))أم لا تعدو أن تكون الرغبة في  الامساك برمزية التراث ومعادلاته الفنية، ورغبة في انجاز كتابة صافية يجري فيها تفجير الدعة برحيل الحيرة  ؟ ثم ما دلالة هذه المتاهات التي يسطرها التراث المستنبط من شعرية الليالي؟

إننا إذن ، أمام نص سردي موسوم بالترقب بعد الحيرة والتيهان، له المتاهات السردية موضوعا، وبهذا ستكون علاقة السرد  بالمتاهة والقلق اقتراحا قرائيا ، فكيف قرأ القاص في ققجته خفايا متاهاته وبواطن   الحيرة والتيهان السرديين؟

بداءة ، دعونا نتفق ، على أن المتاهات المركزية في هذه الققجة، هي متاهات القص، فهي  الحافز  للإبداع والرغبة في الامساك بخفايا عالم الليالي وامتداد تأويلاته ،  فالنص جاء  وفيا ومليئا بالحيرة والقلق والبحث عن الوجه الحقيقي لشهريار المتخفي وراء روضه العاطر وسبحته.

البنية السطحية للنص السردي تقوم على مقطعين ،يرتكز لاأول على جملتين انشائيتين شكلا الحافز النفسي للمطالبين بكشف اسرار شهريار وطريقة تحوله ويقوم الثاني على جمل خبرية تكشف سر التحول المتكون من ثنائية الجنس والدين.

الاشتغال على التراث في الققجة شكل رؤية العالم للقاص،والتراث في رمزيته يمتاز  بقوة التعبير ودلالة الترميز.،فشهرزاد المرمز لها بضمير الغائب الموسومة  بالذكاء الحاد، كما ترى المرنيسي - في قدرتها على خلق التشويق قصد شد انتباه شهريار، فهي تدري كيف تختار وتنسج كلماتها لكي تنفذ كسهام إلى روح شهريار وبذلك تواجه العنف بالحوار، واعتماد الكلمة كسلاح وحيد في صراع قاتل وما يشكله من اختيار جريء ونادر .إذن كيف استطاعت الدفع بالقص الى الحدود القصوى للنشوة والتشويق؟

شهرزاد الكفيلة بفك مغالق اللغز راوية تجوب الدنيا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب متأثرة بالفلوكلور الشعبي لكل منطقة تمر فيها، ومؤثرة في فكر الإنسانية البسيط منه والساذج، والعميق والمتعلم على حد سواء

شهرزاد ابتدعت طريقتها الخاصة لتفادي مصير الزوجات السابقات لشهريار، أي تفادي الموت، بل القتل الذي كان الدواء الوحيد لشفاء نفسية الملك المريضة من عقدة الإحساس بالخيانة.. وبحثت عن دواء جديد هو: الحكاية المشوقة والهادفة والمتنوعة والجامعة بين الشعر والنثر، وبين الواقع والخيال، والحقيقي والعجائبي، والمطهرة (حسب مفهوم الكاترسيس الذي ابتدعه أرسطو) للنفس من حقدها وغلها وخوفها… لم تكن مضامين الحكاية أيضا بعيدة عن التنوع، فهي تجارب في الحب والكراهية، في الحياة والموت، في الوفاء والخيانة، في الاستقرار والترحال والمغامرة…كانت غسيلا دماغيا ذكيا وعلاجا نفسيا قبل اكتشافات سيغموند فرويد لأغوار النفس البشرية.

إذن يتمثل الأوج في توظيف الحكاية المنشطرة المحبوكة والعامرة بالحكم والتجارب والتشويق

فمتعة القص كانت السبيل الى التحول ،تحول شهريار من رجل مريض النفس مهووس بالقتل بسبب الخيانة الزوجية  حيث ابتدعت شهرزاد لعبة التشويق (وهي التقنية التي تبنى عليها جميع الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية الحديثة) بواسطة تقنية هائلة تم اكتشافها في العصور الحديثة تسمى البنية الانشطارية ،شهرز وضعت على التوالي استراتيجيات ناجحة في سبيل ترويض شهريار  المطعون في فحولته :معارفها الواسعة، وموهبتها في خلق التشويق، بطريقة تشد معها انتباه القاتل وبرودة دمها بحيث تسيطر على الموقف بالرغم من الخوف.، /الحكي ساهم في تغيير نفسية شهريار وعلاجه وخلق ألفة بينه وبين شهرزاد الراوية  على مدار الألف ليلة وليلة .

انكشاف اللغز وانفتاح المتاهات: بعد السؤال والاستقصاء تنفتح  المتاهات وتصبح دلولة للسائل الباحث .

السائل يقبض بأصابع دامية على نصل الحقيقة، يصدمه الواقع ،الشرنقة في تحولها تفقد جوهر كينونتها شهريار المغلق بالتخفي والمقنع يختزل وجوده في عاملين أساسين :الروض العاطر والسبحة(المقدس/السلطة)  وهو ما شكل رؤية  القاص للعالم من خلال اشتغاله على التراث باعتباره معادلا فنيا لواقع الحال في مجتمعاتنا الشرقية ،إنه اسقاط سياسي ناجح ،فقد لامس الكاتب بذكاء تيمة الفحولة للرجل الشرقي في تملكه لجسد المرأة ، لذلك كان الجنس من اهم مكونات السرد ، وهو بنية عميقة من بنى الليالي ،فاقتران  الاستبداد السلطوي بغواية الجنس في  الققجة يرمز إلى أنّ وجود الجماعات السياسيّة التي تحكم مدن ألف ليلة وليلة  وتدير شؤونها، تقوم على رأسها سلطات فاسدة باطشة متجبرة تحركها شهواتها الجنسية  وتتحكم في قرارتها ، وتبطل إعمال العقل إذا حضر الجسد الشهواني.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم