مرض لا يصيب إلا المرضى




#العدم_المنفوخ
بقلم دكتور: عبد الرزاق نوبي الصالح  

قال الله تعالى: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"

سبحان من يغيِّر ولا يتغير، وقفة فقط مع مرض اجتماعي تفشى في مصرنا، وللأسف لم أره متوحشًا بقوة هذه الأنياب في أي بلد، أقمت فيه، سواء كان عربيًا، أو أجنبيًا، وإن كان لا ينكر وجوده. 

هذا المرض يصنف ضمن الأمراض الاجتماعية المعدية، والتي ارتقى في مصر، حتى أصبح جائحة pandemic إن لم ننتبه لها فلن تبقي ولا تذر، هذا المرض يتلخص في احساس عجيب ينتاب المرء فجأة وحينما يتمكن منه يحدث له تحول metamorphosis فيرى نفسه أفضل وأعظم وأعلم وأنقى وأتقى من أي بشر، ينظر للآخرين ولسان حاله يقول كيف مثلي أن يتعامل مع مثل هؤلاء الجهلاء، التعساء، العصاة، الكفرة.

هذا المرض - مثل عائلة covid-19 لا تفرق؛ تصيب الجميع لكن نادرًا ما تصيب الأطفال، تركز على الكبار وذوي الجاه والنفوذ مهما احتاطوا ولا ندري لماذا. 

تصيب الأستاذ الجامعي الذي يشعرك أنه لو مات - لا قدر الله- فستهلك البشرية ويختفي العلم، وتصيب طلاب العلم، والموظفين الكبار، وكذلك الصغار، أما الغريب فتصيب حتى رجال الدين. 

أصحاب علم النفس يعرفون "الأنا" وتأثيره إذا سيطر على الشخص، لكن الغريب في الأمر أن "الأنا" أصبح هنا جماعيًا، ويسعى إلى توسيع جماعة النفوذ، فهذا دكتور جامعي في أول لقاء مع طلابه من كلية ما يستهل حديثه معهم " أنتم أفضل طلاب مصر، أنتم الصفوة! " ماذا تنتظر بعد ذلك منهم إذا تخرجوا؟، لقد نشر الدكتور المرض، ولن تنجح الكمامة ولا حتى اللقاح. 

وآخر يقول لمن هم من شيعته" أنتم أسيادهم!" يقصد بقية الشعب كاملًا. 

هل تتوقعون أن تشاركوا في فك اشتباك في وسيلة نقل جماعية، فقط لأن شخصًا نعت آخر" ياسطى" فرد عليه الأخير“ احترم نفسك أنا باشمهندس! "






هذه اللعنة، التي هي ذات علاقة وطيدة بلعنة الفراعنة، تسببت في أن كل شخص صغير أو كبير، يمعن التفكير كيف لي أن أخص نفسي بشيء أتعالى به على البقية، كيف أستفيد من وضعي الحالي حتى أصبح فرعونًا حتى لو صغير (وبعدين نكبر مش مشكلة) ، حتى وصل الأمر لرجال الدين، ورجال العدالة، وأصاب أيضًا صغار الموظفين، فأصبح أحدهم يرى أن قضاء حوائج المراجعين، هي منة منه لا واجب، وأصبح ينظر إليهم كرعاع لا يرتقون لمكانته خلف مكتبه الصغير في هذه اللحظة. 

ومن أوجه الشبه بين هذا المرض وكورونا طرق انتقاله، فالمدير المريض يحتقر مرؤوسيه الملامس لهم، فيحتقرون مراجعيهم، الذين يخرجون لينشروا العدوى حتى على أبنائهم وهم لا يشعرون. 

ولهذا المرض أيضًا أصبح الأن أن تعيد فتح القسطنطينية أيسر لك من أن تدخل ابنك كليات معينة، ليس لأن تلك الكليات يتمتع خريجوها بالراحة والرخاء مثلا، بل لأنها قد توفر حماية من انتشار الفيروس لبقية العائلة، أو ربما سينشر خريجوها المرض، وهم في غفلة منه، فينتقل حتى لأبنائهم.

هذا المرض - من وجهة نظري- حتى وإن بدا مألوفًا، إلا أنه مرض يفتت نسيج المجتمع، ويرسخ الكراهية، ويضيع القدوة، ويسطح التفكير، ويصرف أصحاب الخير عن فعله، وينزلق بسببه أفراد المجتمع إلى "جزيرة العدم المنفوخ" واسمها مقتبس من قول أحد الأعزاء لدي؛ وهي جزيرة في بلاد واق الواق جميع أفرادها يعتقدون أنهم أسياد الأرض، والحقيقة أنهم لاشيء، وإن غرقوا بجزيرتهم فلن تبكي عليهم السماء ولن يشعر باختفائهم أحدٌ من الأرض. 

صحيح لم أذكر اسم المرض، لكن بالتأكيد جميعنا قد عرفه، بل وقابل بالتأكيد أحدًا من هؤلاء المرضى الذين يحتاجون إلى علاج. 

والغريب في الأمر أن بروتوكول الوقاية والعلاج لهذا المرض يختلف تمامًا عن بقية الأمراض المعدية، ويتمثل في قاعدة بسيطة جدًا: حينما ترى العدم المنفوخ لا تأخذ الإثم وتدفع إليه بالهواء أكثر فتهوي به إلى الجحيم، لا تصنع فرعونًا دون أن تدري، تذكر أنك مواطن عليك واجبات ولك حقوق، أد واجباتك ولا تترك حقك، وتذكر أن ترك الحق يبدأ بالتنازل عن القليل لمن لا يستحق.

أما إن كنت ممن لحقته الإصابة ولا حول ولا قوة إلا بالله، وغالباً لن تعرف بإصابتك إلا في وقت متأخر، فتأمل نظرتك للآخرين، وتأمل الأن الصورة المرفقة بالمقال، وهي كفيلة بالعلاج إن أراد الله لك فلاحًا. 

#العدم_المنفوخ 

#خواطر

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم