أربع قراءات تحليلية لنص "تهجير" للأديبة د. مي عبده عزت - السودان






مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءات  الجميلة في هذا النص الجميل: 
وهي للأدباء 
- الأديب الناقد: ا.محمد البنا 
- الأديب الناقد: د. محمد موسى العكادي
الأديب الناقد: أ. سليمان جمعة 
الأديب الناقد: د. خالد العجيماوي 

*************************************************************************************************





 أولا: سحب الهجير
قراءة تحليلية لنص " تهجير "
القاصة/ مي عبده عزت
بقلم / محمد البنا

.......................

الله الله الله على الجمال السردي، والعفوية محكمة الصنعة حد التحدي، إنه السهل الممتنع، عندما تطرح كلمات بسيطة كهذه الكلمات ثمارًا يانعة، وعندما تفيض الحروف بمشهدية بصرية غاية في الدقة.

نص بدأ مشتعلًا وانتهى أكثر اشتعالا

بدأ ب ( إن رأها يوما )، وتوسطه (أن كل الألوان باتت رمادية )(لم يرها بعده ) وانتهى ب( كفنت عينيه بالرماد )

ومر ب (عزف الألحان لها ) وتخلله (يتمنى ان تسمع ما يعزفه) وانتهى ب (بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار ).

كانا معًا عاشقين في زمن الحب، وافترقا معًا في عالم الحرب!..غاب بصره، وفقدت سمعها..أي انتقاصٌ هذا!، أم تراه اكتمال؟

إنها الروعة حينما يفقد البطلان حاستين ويكتمل النص بهما!

ترسم وترسم وترسم متمنية أن يرى لوحاتها، وهى تعلم يقينًا أنه لن يراها، ويعزف ويعزف ويعزف، ويتمنى أن يأتي اليوم الذي تسمع فيه عزفه لها، وهو يعلم يقينًا صممها( شتات حل بقلبه / عتمة الأيام حوله / شتاء نابع من صقيع صدره ).

معرض فني ولوحات / أوبرا وسيمفونية/ حرب وانفجارات....ومقابل كل هذا...ينطق اللاوعي ببارقة أمل في سوادٍ مطبق( بقعة الضوء / ألوان باريس ).

وكعادتها تتقافز كاتبتنا المدهشة بين التعدد الصوتي، ولكن بأسلوب مختلف عما عهدناه منها، فها هنا نقلت المشهدية وعددتها في ثلاثة مشاهد كما سبق وذكرت ( المعرض / الأوبرا / ساحة الحرب ) وأضافت ضمنيًا مشهدًا سيميائيًا ( باريس..مدينة النور والجمال والحرية).

نص قصصي بامتياز، توافرت فيه كل عناصر القص القصير ومقوماته وشروطه، وتفاعلت معه صوره الشاعرية ( وليست الشعرية ) فأضافت بتضافرها خدمة للنص، وتمتعه بموسيقى داخلية لا تخطئها أذن متلقي.

محمد البنا..١٣ ديسمبر٢٠٢٠

..............

النص
.......
#تهجير..

وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!

هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟

هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!

وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح بها الأفق إلى ذهنه، أو ذلك الخط عبّدته بريشتها ممراً، مابين قلبيهما، لتمر من خلاله كفراشة، مضمخة بالعطر، فتحط على وسادته قرب أنفاسه لتعلن استسلامها فوق شفتيه، ثم تغيب ويبقى عطرها.

رسمت معابر في كل لوحة، وكأنها تتمنى الوصول إليه في عالم لم يوجد بعد.

صبغت لوحاتها بألوان الربيع كلها، وزهور الليلك تفتحت ليولد الصيف داخل براويزها، وغاب تماماً الشتاء، تركته عندما عرفت دفء العشق والتحفت به في غربتها. 

وجل ما بقي لها من شعور هو أنها حتماً ستلقاه يوماً بشعره البندقي، وعنقه الأجيد، وأنامله الدقيقة.

أما هو فكان بدوره أيضاً لا يمل من عزف الألحان لها، مرة ينشد حنينه، ومرة يبكي غيابها.

وصف بنغماته ليل غرتها وبريق النجم في مقلتيها، صوتها ظل يرن كأنغام كمان على أوتار قلبه، وعبيرها لم يفتأ أن يغيب عن رئتيه.

يرن هاتفه فيضطرب باحثاً عنه!!

الوو نعم: حتماً سأكون على الموعد، أنا في انتظار مساعدي.

تأنق رغم أن الألوان كلها باتت رمادية، لكن رغبته في لقائها ككل مرة يزور فيها دار الأوبرا المصرية لا تكتفي من الإصرار عليه أبداً، يتمنى لو أنها تسمع ما يعزفه لها منذ افترقا بعد آخر إنفجار لم يرها بعده.

ها هي هناك، تشير للعامل أن يرفع براويزها بهوادة ورقة، لكنها أمسكت يده عن آخر لوحة.

نظرت إليها في تردد، وظلت تنظر إلى تلك السماء باستغراب، وكأنها ليست من صبغها.

غلبت عليها الوان باريس.

سألت نفسها يا ترى أبدأت أنسى آخر أيام الحرب؟!

اعتصرت قلبها خوفا من فقدان ذكراه.

هناك على مقعده بدأ يعزف سيمفونيته الحزينة عن أنين الوداع، عن شتاتٍ حلَّ بقلبه، عن عتمة الأيام حوله، فرجّ القاعة صدى الشتاء النابع من الصقيع في صدره.

أما هي ظلت تتذكر وجوه كل من فقدتهم وحين أكملت رص لوحاتها، عبرت من خلال تلك السماء الأرجوانية وغابت في زمان ماقبل الفراق.  

فما استطاعت أن تسمع صدى احتياجه واشتياقه بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار.

ولا هو استطاع قراءة رسائلها بعد أن كفنت عينيه بالرماد.

وعاد كل واحد منهما لعالمه بعد فيض من  التصفيق.


مي عبدالحميد

السودان.....١٣ ديسمبر ٢٠٢٠


***************************************************************************************************





ثانيا: الشعرية والمعيارية
قراءة حداثية
في نص " تهجير "
للقاصة السودانية / مي عبده عزت
بقلم الناقد السوداني د. محمد موسى العكادي

..............

على الرغم من انفتاحي تخصصا على سمات القص الفنية (بعد الحداثة) و ما بعدها، خاصةً من حيث اللغة، إلا أنني ممن لا يؤيد طغيان اللغة الشعرية على اللغة المعيارية، في القص.

  لا ضير من مسحة لغوية شعرية عابرة آسرة، لكن أن يتكئ النص القصص في مجمله على لغة شعرية جمالية، في رأيي هذا مما يفقد الصنف القصصي خصوصيته.

  شتان بين اللغة المعيارية القصصية، واللغة الشعرية الجمالية؛ فالأولى وسيلة لا غاية نتلمس تبريرها خارجها، وجمالها مرتبط بالمعنى المنقول، و السياق المتناسب، أما الثانية فكثيرا ما تكون غايةً في ذاتها، ويكون تبريرها في داخلها، فهي لغة مستقلة ذاتية النزعة لا تعنى بالمنقول إلا بقدر ما توحي لا بقدر ما تقول.

 وإن كانت الأولى تسعى للإيضاح الذي يورث جمالا، فالثانية تسعى للجمال الذي يورث إمتاعا.

   خلاصة قولي ما طالعته على جماله و روعته وإبداعه، ينشد الإمتاع فحري به أن يكون لوحةً مجيدة، أو سيمفونية فريدة؛ فنبض الشعر فيه أقوى من نبض القص.

 ودي وتقديري واحترامي

د/Mai Abdo Izzat


محمد موسى العكادي..١٣ ديسمبر ٢٠٢٠

..........

النص

......

#تهجير..

وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!

هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟

هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!

وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح بها الأفق إلى ذهنه، أو ذلك الخط عبّدته بريشتها ممراً، مابين قلبيهما، لتمر من خلاله كفراشة، مضمخة بالعطر، فتحط على وسادته قرب أنفاسه لتعلن استسلامها فوق شفتيه، ثم تغيب ويبقى عطرها.

رسمت معابر في كل لوحة، وكأنها تتمنى الوصول إليه في عالم لم يوجد بعد.

صبغت لوحاتها بألوان الربيع كلها، وزهور الليلك تفتحت ليولد الصيف داخل براويزها، وغاب تماماً الشتاء، تركته عندما عرفت دفء العشق والتحفت به في غربتها. 

وجل ما بقي لها من شعور هو أنها حتماً ستلقاه يوماً بشعره البندقي، وعنقه الأجيد، وأنامله الدقيقة.

أما هو فكان بدوره أيضاً لا يمل من عزف الألحان لها، مرة ينشد حنينه، ومرة يبكي غيابها.

وصف بنغماته ليل غرتها وبريق النجم في مقلتيها، صوتها ظل يرن كأنغام كمان على أوتار قلبه، وعبيرها لم يفتأ أن يغيب عن رئتيه.

يرن هاتفه فيضطرب باحثاً عنه!!

الوو نعم: حتماً سأكون على الموعد، أنا في انتظار مساعدي.

تأنق رغم أن الألوان كلها باتت رمادية، لكن رغبته في لقائها ككل مرة يزور فيها دار الأوبرا المصرية لا تكتفي من الإصرار عليه أبداً، يتمنى لو أنها تسمع ما يعزفه لها منذ افترقا بعد آخر إنفجار لم يرها بعده.

ها هي هناك، تشير للعامل أن يرفع براويزها بهوادة ورقة، لكنها أمسكت يده عن آخر لوحة.

نظرت إليها في تردد، وظلت تنظر إلى تلك السماء باستغراب، وكأنها ليست من صبغها.

غلبت عليها الوان باريس.

سألت نفسها يا ترى أبدأت أنسى آخر أيام الحرب؟!

اعتصرت قلبها خوفا من فقدان ذكراه.

هناك على مقعده بدأ يعزف سيمفونيته الحزينة عن أنين الوداع، عن شتاتٍ حلَّ بقلبه، عن عتمة الأيام حوله، فرجّ القاعة صدى الشتاء النابع من الصقيع في صدره.

أما هي ظلت تتذكر وجوه كل من فقدتهم وحين أكملت رص لوحاتها، عبرت من خلال تلك السماء الأرجوانية وغابت في زمان ماقبل الفراق.  

فما استطاعت أن تسمع صدى احتياجه واشتياقه بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار.

ولا هو استطاع قراءة رسائلها بعد أن كفنت عينيه بالرماد.

وعاد كل واحد منهما لعالمه بعد فيض من  التصفيق.


مي عبدالحميد

السودان...١٣ ديسمبر ٢٠٢٠


**************************************************************************************************





ثالثا: البنى المعرفية تأصلها وضرورتها
.قراءة في:
نص
#تهجير../مي عبد الحميد

وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!

هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟

هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!

وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح بها الأفق إلى ذهنه، أو ذلك الخط عبّدته بريشتها ممراً، مابين قلبيهما، لتمر من خلاله كفراشة، مضمخة بالعطر، فتحط على وسادته قرب أنفاسه لتعلن استسلامها فوق شفتيه، ثم تغيب ويبقى عطرها.

رسمت معابر في كل لوحة، وكأنها تتمنى الوصول إليه في عالم لم يوجد بعد.

صبغت لوحاتها بألوان الربيع كلها، وزهور الليلك تفتحت ليولد الصيف داخل براويزها، وغاب تماماً الشتاء، تركته عندما عرفت دفء العشق والتحفت به في غربتها. 

وجل ما بقي لها من شعور هو أنها حتماً ستلقاه يوماً بشعره البندقي، وعنقه الأجيد، وأنامله الدقيقة.

أما هو فكان بدوره أيضاً لا يمل من عزف الألحان لها، مرة ينشد حنينه، ومرة يبكي غيابها.

وصف بنغماته ليل غرتها وبريق النجم في مقلتيها، صوتها ظل يرن كأنغام كمان على أوتار قلبه، وعبيرها لم يفتأ أن يغيب عن رئتيه.

يرن هاتفه فيضطرب باحثاً عنه!!

الوو نعم: حتماً سأكون على الموعد، أنا في انتظار مساعدي.

تأنق رغم أن الألوان كلها باتت رمادية، لكن رغبته في لقائها ككل مرة يزور فيها دار الأوبرا المصرية لا تكتفي من الإصرار عليه أبداً، يتمنى لو أنها تسمع ما يعزفه لها منذ افترقا بعد آخر إنفجار لم يرها بعده.

ها هي هناك، تشير للعامل أن يرفع براويزها بهوادة ورقة، لكنها أمسكت يده عن آخر لوحة.

نظرت إليها في تردد، وظلت تنظر إلى تلك السماء باستغراب، وكأنها ليست من صبغها.

غلبت عليها الوان باريس.

سألت نفسها يا ترى أبدأت أنسى آخر أيام الحرب؟!

اعتصرت قلبها خوفا من فقدان ذكراه.

هناك على مقعده بدأ يعزف سيمفونيته الحزينة عن أنين الوداع، عن شتاتٍ حلَّ بقلبه، عن عتمة الأيام حوله، فرجّ القاعة صدى الشتاء النابع من الصقيع في صدره.

أما هي ظلت تتذكر وجوه كل من فقدتهم وحين أكملت رص لوحاتها، عبرت من خلال تلك السماء الأرجوانية وغابت في زمان ماقبل الفراق.  

فما استطاعت أن تسمع صدى احتياجه واشتياقه بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار.

ولا هو استطاع قراءة رسائلها بعد أن كفنت عينيه بالرماد.

وعاد كل واحد منهما لعالمه بعد فيض من  التصفيق.


مي عبدالحميد

السودان.....١٣ ديسمبر ٢٠٢٠.....

.........

#القراءة 

  ما هي البنى المعرفية التي شكلت النص  فسرت نسغا في حبكتها..

البنية الاولى  

الانفجار 

افقدها سمعها 

افقده بصره 

ففرق بينهما في التعارف كل له لغته  

البنية الثانية 

الرسم .

ترسم لوحتها كانما تنقش توقها اليه  .ترسم المعابر منها اليه .ترسل اليه فراشة ربيعية ابشم عطر وجودها ...

البنية الثالثة 

الموسيقى 

يعزف الألحان لها  يعزف غيابها ويناجيها..

البنية الرابعة  

المعرض 

لقاء فيه لا تكشف لوحتها الاخيرة التي احست بانها تصف فيها طبيعة اخرى 

وهو يعزف الشتاء والغربة 

اي المكان عاد بهما بهوية التفجير 

فهي لا تسمع مناجاته وحنينه 

وهو لا يرى كيف رسمت شوقها اليه .

 بينتا الرسم والموسيقى كانتا استشرافا  واملا  كالربيع الذي يثمر صيف السلام اي اللقاء   واستعملت الاستقبال بالسين وهي تعرض ليس لنيل الثمن انما لتعرف رأيه ..كل ذلك لم يحدث  والموسيقى لم تصل 


اما بنية المعرض فهي في خيط بعد الرسم والموسيقى كأنها الحاضر...أكد الفراق الذي سببه الانفجار  فهو عزف الشتاء وهي رسمت ملامح غريبة 

الزمان كبينية ثانوية خدمت ما كان املا في النفس وما حصل خيبة امل ..

كثافة البنى المشكلة  للنص زادت في تماسكه

واوصلت الرسالة التي حملها العنوان ..تهجير 

الحرب افقدتنا وسائل التعارف  التي هي الحواس ..وافقدتنا  ما في نفسنا .فأبدلنا الربيع والصيف بالشتاء والخريف ..

وابدلنا الحنين  بالغربة ..

الحرب تفرق القلوب اي انسانيتنا فتشرد لغتها .كما تغيير هوية المكان ..الوطن ..

العالم الذي رسمتها القصة  عالم يريد ان يعيد تلاءمه ولكنه يفشل  لان الامكنة التي هجرنا اليه اعطتنا من هويتها ..واكدت الفراق اولا بفقد التواصل الحسي ..هو يسمع ولا يرى وهي ترى ولا تسمع ..ولكنهما يشما ..فالفراشة مطيبة بالامل والمعبر جسر تخطوه الاقدام للعبور .

والشتاء وعد بربيع جديد ...

ان اختلاف لغة التعارف 

يلغي المعابر .ويشرد فراشات التراسل.

سليمان جمعة..١٤ ديسمبر ٢٠٢٠



**************************************************************************************************






رابعا: قراءة انطباعية في قصة #تهجير
 للكاتبة مي عبد الحميد.
**صراع الحب والحرب..ورسول اسمه الفن!

قد تستطيع القصص الرومانسية الحالمة أن تعلم درسا أو أن تمرر فكرا، تماما كما وجدنا عند شكسبير في مسرحيته الشهيرة (روميو وجولييت) أو عند ألفونس كار في روايته (تحت ظلال الزيزفون) والتي عربها المنفلوطي بلغته الرصينة وعباراته الجزلة.

وهذه القصة التي بين أيدينا ورغم قصرها، إذ لم تتجاوز كلماتها الأربعمائة كلمة،  إلا أنها في رأيي من تلك المدرسة نفسها، والتي تفتح في القاريء مشاعره كي يتأمل في صروف الحياة والمقادير.

وفي المثالين السابقين نجد الحدث وقد تأزم حين نشأت رغبة الحبيبين في الوصل واللقاء، وقد واجهته رغبة أهليهما في الابتعاد والفراق..ولكن عند مي عبد الحميد، فإن الأزمة قد تعدت صراعات الأهل ورغبات العائلات، إلى مواجهة أكثر شراسة وأشد فتكا، وأوسع شمولية. 

تبدأ الكاتبة قصتها فنفهم أننا أمام فنانة ترسم بريشتها لوحات تدعو إلى الانفتاح على العالم، والانعتاق من ضيق الأفق إلى رحب الحب الواسع العريض. وهي وإن كانت تضع لوحاتها في المعرض كي يراها العامة من متذوقي الفن، إلا أنها في نفسها إنما ترسم لأجل حبيبها الذي غاب عنها وغابت عنه. 

ثم إننا نجد أن حبيبها هو الآخر يتحرق حبا لأجل حبيبته الرسامة هذه، فنراه وقد اتخذ من الموسيقى وسيلة ليعبر بها عما يجول في صدره من مشاعر الوجد والغرام.

واللافت أن الكاتبة قد أرادت أن تجعل تلك المشاعر النبيلة بين عازف ورسامة، أي أن كليهما يعرف كيف ينقل نبض حسه ومشاعره سواء من خلال لوحة مرسومة أو لحن معزوف، غير أن الكاتبة قد وضعت صدمتها في الأخير، حين جعلت حبيبها أعمى، وحبيبته صماء!

وتكشف الكاتبة عن مبررها الذي جعلته ينشيء الأزمة في قصتها هذه، فجعلته على شكل انفجار كبير، نتج عن حرب من تلك الحروب، والتي صادف أن كان هذان الحبيبان كائنين في موقع ذلك الانفجار المقيت. 

وأرادت الكاتبة أن تجعله على شكل انفجار غير مفهوم، ليكون دلالة على صراع الإنسانية جمعاء، والذي يقف حاجزا أمام مشاعرنا النبيلة واستمرار الحياة. كما أرادت أن تجعل من كل حبيب منهما فنانا ذا ذائقة وحس عال، لتشير إلى ذلك الصراع الأزلي بين حب الجمال، ورغبات الفتك والتدمير. 

ثم إنها في الأخير تدفعنا إلى أن نتساءل: كيف يستمر الحب بين هذين العاشقين وقد افتقدا أسباب التواصل الحسية؛ حيث أن العازف قد فقد بصره فما عاد ليميز جمال لوحاتها المرسومة، كما فقدت صاحبة الريشة قدرتها على أن تسمع يكون منه من موسيقى وألحان؟ 

وأظن أن الجواب  من النص نفسه، خاصة في أوله، حين وصفت الكاتبة لوحات تلك العاشقة، فقالت إن فيها ضوءا كي  تنفتح من خلاله آفاق الأذهان، وأن فيها خطا معبّدا كي يكون ممرا للقلوب كالفراشات..وأرى في ذلك إشارة مخملية إلى أن الفن هو رسول الحب في هذا العالم، وأنه تعبير عن ذلك الجمال الذي نشعر به في دواخلنا؛ نراه في شكل لوحة أو نسمعه من خلال لحن..وأما ما كان بين العاشقين فإنه لم يكن ليحتاج إلى أي رسول، إذ أن الأواصر ممتدة عبر أثير لا يعترف بالحواجز أو المسافات، وهي تخترق الموانع الحسية سواء كانت مسموعة أو مرئية، فجعلت بينهما رباطا لا يقدر عليه العمى، ولا ينزعه الصمم. وإنما استخدم هذان العاشقان ما يملكان من فن كي يبعثا برسالة تجوب أفاق العالم، مفادها أن الشعور بالحب هو الذي يبقى، وأن الجمال أقوى من أي انفجار!


**النص:


وضعت ريشتها بعد أن أنهت آخر رتوش في اللوحة الأهم للمعرض، لم تكن تهتم كثيراً بكم ستقدر لوحاتها، بقدر اهتمامها وشغفها بماذا سيكون رأيه إن رأها يوماً!!

هل سيدرك ما تبوح به من رسائل ترسمها خصيصا له؟

هل سيقدر كم ليلة سهرتها لتنقش نقطة تشير إلى شيء ما في قرارة نفسها!!

وبقعة الضوء تلك، أضافتها لتفتح بها الأفق إلى ذهنه، أو ذلك الخط عبّدته بريشتها ممراً، مابين قلبيهما، لتمر من خلاله كفراشة، مضمخة بالعطر، فتحط على وسادته قرب أنفاسه لتعلن استسلامها فوق شفتيه، ثم تغيب ويبقى عطرها.

رسمت معابر في كل لوحة، وكأنها تتمنى الوصول إليه في عالم لم يوجد بعد.

صبغت لوحاتها بألوان الربيع كلها، وزهور الليلك تفتحت ليولد الصيف داخل براويزها، وغاب تماماً الشتاء، تركته عندما عرفت دفء العشق والتحفت به في غربتها. 

وجل ما بقي لها من شعور هو أنها حتماً ستلقاه يوماً بشعره البندقي، وعنقه الأجيد، وأنامله الدقيقة.

أما هو فكان بدوره أيضاً لا يمل من عزف الألحان لها، مرة ينشد حنينه، ومرة يبكي غيابها.

وصف بنغماته ليل غرتها وبريق النجم في مقلتيها، صوتها ظل يرن كأنغام كمان على أوتار قلبه، وعبيرها لم يفتأ أن يغيب عن رئتيه.

يرن هاتفه فيضطرب باحثاً عنه!!

الوو نعم: حتماً سأكون على الموعد، أنا في انتظار مساعدي.

تأنق رغم أن الألوان كلها باتت رمادية، لكن رغبته في لقائها ككل مرة يزور فيها دار الأوبرا المصرية لا تكتفي من الإصرار عليه أبداً، يتمنى لو أنها تسمع ما يعزفه لها منذ افترقا بعد آخر إنفجار لم يرها بعده.

ها هي هناك، تشير للعامل أن يرفع براويزها بهوادة ورقة، لكنها أمسكت يده عن آخر لوحة.

نظرت إليها في تردد، وظلت تنظر إلى تلك السماء باستغراب، وكأنها ليست من صبغها.

غلبت عليها الوان باريس.

سألت نفسها يا ترى أبدأت أنسى آخر أيام الحرب؟!

اعتصرت قلبها خوفا من فقدان ذكراه.

هناك على مقعده بدأ يعزف سيمفونيته الحزينة عن أنين الوداع، عن شتاتٍ حلَّ بقلبه، عن عتمة الأيام حوله، فرجّ القاعة صدى الشتاء النابع من الصقيع في صدره.

أما هي ظلت تتذكر وجوه كل من فقدتهم وحين أكملت رص لوحاتها، عبرت من خلال تلك السماء الأرجوانية وغابت في زمان ماقبل الفراق.  

فما استطاعت أن تسمع صدى احتياجه واشتياقه بعد أن فقدت سمعها مع آخر دوي انفجار.

ولا هو استطاع قراءة رسائلها بعد أن كفنت عينيه بالرماد.

وعاد كل واحد منهما لعالمه بعد فيض من  التصفيق.


مي عبدالحميد

السودان

*************************************************************************************************


نص جميل استحق كل هذا الاهتمام من أدباء وتقاد لهم باع طويل مع الأدب دام التألق والإبداع لكاتبة النص وللسادة النقاد  الذي استخرجوا لآليء  النص القابعة في أعماق كلماته وجمله وصوره وتعبيراته.. أحسنتم جميعكم.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم