قراءة نقدية للاديبة كنانة عيسى في القصة القصيرة "دخان أسود" للاديبة إيناس سيد جعيتم











 صناعة الحلم
قراءة توقيفية بقلم
الأديبة السورية / كنانة عيسى
لنص " دخان أسود "
للقاصة المصرية/ إيناس سيد جعيتم

مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل: 

................

إبداع الكاتبة المميزة إيناس تفرد في صنع حلم من قصيدة، وصنع واقع مر من كابوس لا يفتأ يمضغ شخصيات الحكاية بقسوة وجبروت. 

وكأن القصة بمثابة روح زائرة لمشروع عُمر يتناول تلك الحياة القصيرة ببطء شديد، قطعة، فواقعًا ، فحلمًا. 


تعمدت الكاتبة التركيز على عامل الزمن المتنقل بين المشاهد بشكل بصري وهمي، فالبداية هي الذاكرة المشحونة بالعاطفة  حيث تلتمع وجوه حبيبة وتختفي شخوص غالية،  وكأننا نقرأ نهاية حيوات بريئة لا ذنب لها في ضبابية رمزية تهمش الزمان وتضيء المكان  كاستبصار يؤلمنا نحن  الذين نشهد عذابات الجندي الذي خذلته قسوة الحرب وزجته في اضطراب سينتهي به حاملًا دمه على كفه منتظرًا فجرًا لن يتحقق. 

هو الجندي الأسير  في خندق ما، على حدود جبهة ما متمسك بسلاحه، بكتابه، بمنظاره، وجهازه اللاسلكي،  يصغي في خيبة لتشويشات متقطعة تشبه حياته  المضنية في بعد من يحب. تنتابه الأوهام في حرمانه من النوم، في جوعه وقلقه، (تلعق الهلاوس عقله على مهل) 

فتنهشه أطياف الغائبين ويتوق للظلمة المحملة بالخوف من العدو  لعلها تمنحه القليل من السكينة و النوم ومقابلة الأحبة. وأما النهاية فهي هجرة الروح في البعد، هو الموت العذب  الذي تسرب من قصيدة كتابه كتميمة أبدية  تطهره من شقاء حياة غير عادلة، كصلاة من نوع خاص تنقله للعالم الآخر بدمه على أجنحة قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش الذي مزج حب الوطن والأنثى والحرية في قيمة أخلاقية إنسانية أكبر من جمالية الشعر نفسه

فيلخص حياة جندي مجهول سيحتفي باستشهاد بصمت ورفق

ويسقط...  

يهوي في طمأنينةٍ وراحةٍ مودعًا الشمس، يهذي بكلماتٍ لا يعرف من أين أتته:

الدخان الأسود... هو رمز الموت والخيبة للجنود ا لمجهولين والشهداء الذين لن يتذكر أحد تضحياتهم ولا وجوههم ولا آلامهم. 

إبداع أيتها المتألقة

كنانة عيسى .. 

..............

النص

.......


دخانٌ أسود


كمهرٍ صغيرٍ يتقافزُ فرحًا كان يجري وسط الحقولِ الخضراءِ، متعلقةً عيناه بزوجتِه التي تسبقه بأمتارٍ يتبعها صوتُ ضحكاتِها، تلتفت له فتلتفُ ضفيرتاها في الهواءِ لتحتضناها وتعاودان الطيرانَ خلفها، يرقص قلبُه طربًا مع ضحكاتِ صغيرتِه التي تجلس في حجرِ والدتِه أمام  بيتِه الريفي البسيط، يجري بسعادةٍ وراء زوجتِه مبتعدًا عنهما فتبتعد عنه لتغيب عن ناظريه، تختفي ابتسامتُه ويبدأ القلقُ يداهمه، يسرع ليلحقَ بها فتخونُه قدمُه ليسقط في هوةٍ سحيقةٍ وكأن الأرضَ انتهت فجأة، يسقط ملوحًا بساقيه وذراعيه في الهواءِ وقد ازدادت نبضاتُه سرعةً حتى كاد قلبُه أن ينفجر، تلاحقت أنفاسُه وشعر بانقباضٍ في صدرهِ وهو يهوي ناظرًا للشمسِ وهي تبتعدُ فيدخل في ظلامٍ دامس..

فتح عينيه فجأةً وانتفض جالسًا ممسكًا بصدرهِ في ألم ، كاد كتابُ (محمود درويش) الذي وضعه تحت رأسهِ أن يسقط فأمسكه بلهفةٍ ووضعه على حافةِ السور، دوار رأسهِ يجعلُها تميل تحت ثقلِ الخوذة، يحاول بلعَ ريقهِ فيستعصى عليه إلا من لزوجةٍ مرةٍ تغلف حلقَه..

«سأصنع أحلامي من كفافِ يومي؛ لأتجنبَ الخيبة»

يرفع زجاجةَ المياهِ الفارغةَ ويرجُها، تأبى شفتاه المتشققتان على الابتسام، يلقيها أرضًا باستسلام، خمسةُ أيامٍ مذ تركوه فوق هذا البرجِ ليقضي مناوبتَه في الحراسةِ التي عادةً ما تستمر لاثنتي عشرة ساعة، عقلهُ المشوشُ يخلط الأحداثَ في سيرياليةٍ مبهرجة، تمزج صوتَ أمهِ بآخر ما سمع من جهازِ اللاسلكي قبل أن تنفدَ بطارياته:


شششش..موقعك..خطوطنا....تعود لي..ششششش.العدو....حبيبي..لازم...  شششششش...

وكلمات درويش.


تلعق الهلاوسُ عقلَه على مهلِ، يخيلُ إليه أنه يرى أحدهَم قادمًا، يعتدل في جلستِه ويمسك بمنظارهِ المكبرِ بيدين مرتعشتين وينظر فيه، إنها صغيرتُه تجري فوق الرمالِ هناك، يمد يدَه ليمسكها فيسقط المنظارُ منهما، يخشى أن يغمضَ عينيه فيسقط في الهوةِ السحيقةِ التي تلازمت والنوم ِ لديه، شارفت الشمسُ على المغيبِ، تعجب من لهفتِه لحلولِ الظلامِ وما يرافقُه من إحاطةِ قطيعٌ من الذئابِ للبرج، في الليلةِ السابقةِ شاركهم العواءَ وبكاهم وهم ينصرفون، لا يقوى ذراعاه اللذان اعتادا حمل الفأسَ على حمل البندقية، ماعاد يهمه أيأتيه عدوٌ أم صديق، تكالب عليه العطشُ والجوعُ و... الوحشة، أمسك الكتابَ ووضعه خلف رأسه، أغمض عينيه وهاجرت روحُه إليهم، الحقلُ الأخضر.. زوجتُه الضاحكةُ تسبقه.. ضحكاتُ صغيرتِه ووالدته.. وتنقطع الأرض.. ويسقط...  

يهوي في طمأنينةٍ وراحةٍ مودعًا الشمس، يهذي بكلماتٍ لا يعرف من أين أتته:

«ستنتهي الحربُ..

ويتصافح القادةُ..

وتتبقى تلك العجوزُ تنتظر ولدهَا الشهيدَ

وتلك الفتاةُ تنتظر زوجَها الحبيبَ

وأولئك الأولادُ ينتظرون والدَهم البطلَ

لا أعلم من باع الوطن

ولكنني رأيت من دفع الثمن».

***************************************


قراءة جميلة لناقدة مبدعة في نص جميل لاديبة متالقة 

دام التميز والإبداع إن شاء الله تعالى 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم