قراءة نقدية للأديب الناقد: عماد نوير في القصة القصيرة ( تحت اللحية) للاديبة: زهراء ناجي

الأديب الناقد: عماد نوير - العراق










الأديبة: زهراء ناجي  - العراق 




قراءة الأديب الناقد: عماد نوير في قصة ( تحت اللحية) للأديبة: زهراء ناجي  - العراق 




قراءة انطباعية في نصّ قصّصيّ 
———————————-
الأدب بصورة عامة هو الواجهة الحضارية لكل الأمم، منه تعرف ثقافة الفرد فيها، و منه تعرف كيف تربّت أجيالها، و كيف نظرت إلى الحياة، و بأي عين تفحّصت نظامها و دستورها.
الأدب مجموعة أخلاق و ممارسات و طقوس يواكب عليها الفرد والمجموعة الكبيرة سواء، هو المرآة العاكسة لحضارات الشعوب و الأمم، تقدّم من خلاله الشّكل الذي ميّزها عن غيرها، و يظهر كيفيّة سُبل العيش و المعايشة مع بعضهم البعض، و مع الآخرين من ثقافات و آداب أخرى.
فالقصّة و الحكاية و القصيدة و كلّ الأصناف أخذت على عاتقها عرض صور الحياة بأساليب مشوّقة و مغرية لمخيلة المطّلع، و طرح معالجات مواقف و ظواهر الأحداث التي تعصف بالمرحلة التي يعيشها الفرد.
و للأدب مفاصل كثيرة، تولّدها الأحداث و الظّروف، فالحروب و الأوبئة و الحركات الفكرية المختلفة و المتغيّرة، كلها تفرز نتاجات خاصة بها، تحت مسمّى أدب تلحقه مفردة المرحلة التي تهيمن أحداثها على البلاد، ثم نشأت آداب أخرى ذات تخصص بشريحة معيّنة، كأدب المرأة و الطفل و الغربة.
و الأدب الدّيني واحد من الآداب التي كتب فيها العقل المبدع، و هو غير مختص بحضارة أو دين معينين، و عادة ما ينشط هذا الأدب مع فترات الحروب، و ما تنتجه من كوارث مدمّرة، غالبا ما يكون للمنظومة الدّينية رأي فيها، و قد تكون لها يدا طولى و محرك رئيس يديم سعير حرائقها، و مع كل تحرّك ديني في أوج التغيرات المرحلية، يبدأ تغيّر الفكر نحو آفاق أوسع، و النّظر إلى الآثار الجانبية التي يخلفها الطّابع الدّيني، أو الأصح المتحكم بشكل الطابع الدّيني في خضم الأزمات.
و قد كُتب في هذا الأدب الكثير، فلاقى لدى الجمهور استحسانا، لأنه اللّسان النّاطق بحروف خالدة، تفضح المستور و تحطّم المأثور، و تجلي كل غموض، و تلغي كل وهم، و تبدد كل جهل.
النص هنا يندرج تحت هذا الأدب، الذي عرض فكرته بأسلوب عاشه القارئ، و تحمّل عبئا كبيرا جرّاء ممارسات أضرت بالنهج الدّيني الحقيقي، و الفرد الذي يقدّس دينه، فيما خدمت أولئك الذين حملوا على عاتقهم حماية الدّين، فكان نصيبه أن ذاق الويل من فعلهم المشين الذي شوّهه و لم يبيّض ساحته.

الفكرة
حيث أن النّص و كما قلنا من الأدب الدّيني، فهو يكشف عن خبايا و مستورات شكلها جميل و باطنها قبيح، يسلّط الأضواء على دور المؤسسة الدّينية في إدارة الأزمات و كيفيّة معالجة المساوئ النّاتجة عنها.
و الفكرة هنا جاءت فكرة أم و فكرة ملحقة بها، من صلب الموضوع نفسه، حاول الكاتب أن يؤكد على حالة مستشرية في تلك المؤسسة، و ظاهرة تضرّ بها و تضرّ بالمجتمع ككل.
فالنص بظاهره العام يطرح موضوع الانتفاع الشخصي لرجل الدّين على حساب تشرد الفرد من أثر الحروب التي أرهقت البلاد، و بالأخص استغلال الجسد الأنثوي و صبّ الشّهوة الوحشية عليه بلا رحمة و لاشفقة، و ممارسة الجنس التّعسّفي تحت مسميات واهية، تنفرها الإنسانية و يسوّغها الشرع، أو المشرّع.
عرض مشكلة الدمار النّفسي و الانحلال الخلقي الذي تولّده الفكرة الدّينية لاحتواء الأزمة، فوق الدمار المادي و المعنوي الذي سببته سلفا تلك الأزمة.
و عرض ظاهرة التّلذذ الشهواني لرجال الدّين الذي أباحه لهم زواج المتعة.
و يبدو أن الكاتب هنا يحاول باقتضاب أن يثير الرأي الشّعبي على هذه الظّاهرة، و التي يُساء من خلالها للدين و المرأة سواء.

تحت اللحية
العتبة أول الخيط الذي يقودنا لمرمى و مغزى الكاتب!
تحت، تستّر و تصنّع، لوذ بما هو محمود، لكنه ليس كذلك، اللحية، إيقاعها قد لازم التّدين و رجال الدين، و في المجتمعات الحليقة لها وقع آخر، يثير الاشمئزاز، فهي و لا شك الشّكل المميّز للإرهاب، و هي التي قد اكتسبت هذا الانطباع من خلال ممارساتها (الجهادية).
يعرض الغرب في ثقافتهم و فنهم بكل أشكاله أن الملتحي رجل سادي يثير القلق، فتحضرني لقطة من فيلم، في الطائرة تذعر امرأة من رجل و تعتقد بأنه إرهابي، فيجيب متستغربا:
و هل رأيتِني ملتحيا؟
تعكس هذه الجملة مدى الثّقافة التي بدأوا ينشؤون أجيالهم عليها.
و لا نقول هنا أن اللحية رمز الإرهاب، و لكن صيّرها الجهلة و المنتفعون بهذا الرّمز.
اللحية
لها قيمة عليا، فهي رمز السواء و الاعتدال و حب الإنسانية، و الاقتداء بهدي السّلف الصّالح، لكن الكاتب يسبقها ب تحت، فهي إشارة ليست من الصعوبة فهمها، إنها رمي إلى متستّرين بلحية الدّين لإطلاق شهواتهم الجامحة.

يباشر الكاتب بسرد حكايته من البداية بوصف مشهد اللّقاء مع الشّيخ، لقاء المرأة التي خسرت الكثير في الحرب، الزّوج و البيت و الوطن، و أي مأوى آخر، لتتسكّع في الطرقات، و تعاني الأمرين، ثم تحاول القدوم إلى المدينة المقدّسة، و القداسة وحدها سوف تضفي على نفسها الطّمأنية، و سوف تطرد من رأسها التّفكير الدّائم بالحياة السّابقة، و كيف أحالها(أهل الرايات السّود) إلى جحيم لا يطاق.
يسترسل الكاتب بانتقالات سلسة و جمل واضحة و بيّنة و مفردات ذات دلالات منطقية، فالفرد العربي حتما قد عاش هذه الحالات و رأى بأم العين كيف تكون مراحل العنصر النسوي الفار من جحيم المعركة، و كيف يكون عرضة لبيع و شراء لجسده الطّري، و كيف لرجال بهيئة القدّيسين أن يلهثوا مثل ضباع جائعة نحو فريستهم دون رحمة.
يحاول الكاتب أن يخرج النّص بمنظر لائق، فيرفده بمساحة حوارية كافية لفضح التعاملات التّجارية بين الرّجال (الصّالحين) و رجال الدّين المتنفذين، و جعل القارئ في اتّقاد ذهني، يسير مع خطا الحكاية أولا بأول، و جعله متفاعلا مع الحدث، متأثرا من خلال تصوّر المشهد الذي يهزّ الكيان الإنساني، فبينما هي تعرض امتيازات الخدمة للعمل بشرف، كان الرّجلان يتهامسان و يتغامزان على سلب ذاك الشّرف بكل خسّة.
((- سيدنا باستطاعتي التنظيف والطبخ بالبيوت أنا جدا ماهرة ونظيفة، فقط أريد بيتا يؤويني/ يأويني))
و في الخاتمة يفجّر الكاتب فكرته التي تنبثق من داخل الفكرة الشّاملة، حيث استغلال القوانين الشّرعية الشّريفة، لقوانين وضعيّة دنيئة، و التّطرّق بكل شجاعة لزواج المتعة الذي ربما قد يثير ردّة فعل لدى المنتفعين، أصحاب اللحى، و يطلقوا على الكاتب عبارات النشوز و الخروج من الملّة، و دفع الشارع عليه تحت مسميات كثيرة، أيسرها مهاجمة الدّين و شن الحرب على المذهب، خاصة و أن الكاتب يصرّح بالمقطع الأخير أن ما يراه رجل الدّين رباطا مقدسا شرعا، يراه المعني اغتصابا و نيلا من جسد الإنسانية الحرّة.
((أخذ ماتطوله يده شهوة واغتصابا عندما انتهى مني دخن سيكارته منتصرا لرجولته، ثم رمى لي ثمن مامتعته بجسدي، ليقول؛
انتهى ماكتب بيننا من عقد.))

لغة النّص كانت جيدة، الأسلوب السّردي بلسان الرّاوي الضّحية أكسبه لغة التّعاطف و كسب ثقة الجمهور، الحكاية كانت مقنعة و ذات هدف و مغزى و النّسيج القصّصي و شخوص القصّة كانوا بمثابة مشهد حقيقي يعرض أمامنا، و الشّخوص قد أدّوا دورهم بتلقائية و عفوية جميلة..

شكرا لكاتبة النّص القاصّة زهراء ناجي
تحيّتي و الودّ.. عماد نوير

*************
القصة

(تحت اللحية)

جرت الأمور هكذا..
عندما قدمت إلى مكتبه الذي تزينت جدرانه بصور قرآنية، وفي ركن منه ن  تكدست كتب دين ومراجعات وملفات كثيرة.
على الطاولة القريبة مني وضع القرآن الكريم،  وبعض كتب الأدعية. 
تصدر المكتب جالسا على كرسيه بعد أن عدل  عباءته، إنه الشيخ المعمم  بهيئته الخاشعة، و اللحية التي تناثرت فيها بعض  من  خيوط الشيب،
وراحته المكتنزة بالخواتم المرصعة بالأحجار  التي  تملس اللحية، 
ونظراته التي أدخلت إلى نفسي الخوف، هُيء لي أنه جردني من ملابسي، كنت أتحاشى النظر إليه وهو  يتفحص  وجهي الذي حفرت فيه أشعة الشمس خطوطها تاركة فيها الأثر، وظهري الذي أحرقته حرارة أعمدة الكهرباء في يوم صيفي قائظ لتلسعني برودته كلسع العقارب عندما يحل الشتاء، حين تبكي السماء لتغسلني مع دمعي الحزين بعدما أصبح عليه حالي،  فأستعرض الأيام العالقة في مخليتي، يوم كنت أعيش في ظل زوجي في بحبوحة من العيش، حتى دخل على مدينتي أقوام الرايات السود واستباحوا حرماتنا  وخيراتنا، كما قتلوا أبناءنا لألوذ هاربة أحتضن ابنتي ذات الخمس سنوات تاركة جثة زوجي الشهيد ملقاة على الأرض مع مئات من الجثث، فأذوق مرارةالعيش المهان والذل، أتسول من المارة قطعة من النقود، أنتقل من مدينة إلى أخرى، ينهش لحمي كل من يتسكع  في الطرقات وأنا افترش الأرض لأنام  تحت عربات الباعة، تزحف علي جحافل النمل والبعوض التي تغوص في المياة الآسنة في الأزقة  حتى وصلت إلى أطراف المدينة المقدسة، بعد أن نصحني بها من كانوا يتصدقون علي بالمال علّي أجد  المأوى في بيوت خصصت لاستقبال الزائرين الوافدين عليها لإقامة الشعائر الدينية. هناك التقيت بالحاج صالح ذلك الرجل الأربعيني ضخم الجثة، ذا الشارب الهتلري  بشكله المربع الصغير الملتصق فوق شفته، يشبه الممثل الكوميدي (شارلي شاربلن )
أوصلني  إلى واحدة من تلك البيوت،  تولى جلب المساعدات  التي  يتصدق بها بعض الناس ميسوري الحال من طعام وبعض الملابس  لقاء الأجر والثواب وصدقة لأمواتهم.
  بعد أسبوع عرض أن يؤمن لي عيشة ميسورة في مكان آمن، 
 أوصلني إلى الشيخ،  لا أعرف كم مضى من الوقت وهما   يتهامسان،  والرجال يدخلون بين الحين والآخر،  يستقبلهم  بكل حفاوة، يثنون عليه،  يقبض المال منهم يضعه في درج المكتب. 
 بدأ بالكلام  
_ كم عمرك؟
ليجيب الحاج
_ عمرها سيدنا 30 سنة
- هل تشكو من مرض ما في جسدها 
- لا لا سيدنا كما تراها أمامك  بكامل صحتها، هذه بنت أختك  مهجرة ليس لها أحد هنا، ونأمل بكرمك وعطفك عليها.
هنا نطقت بالكلام بعد كل هذا الصمت
- سيدنا  باستطاعتي التنظيف والطبخ بالبيوت أنا جدا ماهرة ونظيفة، فقط أريد بيتا يؤويني 
-إن شاء الله تشتغلين في بيتك مع زوجك
-زوجي ؟
_ ألا تريدين عيشه كريمة تحفظين بها نفسك وعرضك أنت وابنتك، وأنت ماشاء الله عليك لازلت شابة وجميلة، ونحن نخاف عليك من المحرمات والمعاصي، فالزواج ستره لك ليكن لك زوج يصونك ويصرف عليك
لا أعرف بمن زوجني ولم أرَ العقد، 
  وصلنا إلى بيت صغير وكان قد طلب  أن يجد ابنتي نائمةو  
البيت نظيف، ومنظر الأكل شهي.
 
أطمعت صغيرتي وجعلتها تنام
بعدها فتح الباب فوجدت الشيخ أمامي 
-هل نامت الصغيرة
فأومأت له برأسي بالإيجاب
-تعالي ورائي إلى الغرفة.
ترددت قليلا، فسحبني بقوة، 
بدأ يمزق ملابسي وأنا اقاومه 
-أنا زوجك ياامراة. 
يصفعني بقوة على وجهي لينساب الدم من شفتي
يرميني على الأرض، يهجم علي بجنون، وأنا  أصرخ.
 أطبق يده الكبيرة على فمي، ليضربني مرة أخرى كنت فريسة سائغة بين فكي وحش آدمي،
 أسمع أنفاسه الكريهة اللاهثة، ورائحته العفنة مع عرقه المتصبب على جسدي 
-تقاومينني يافاجرة تقاومي زوجك.
 أخذ ماتطوله يده شهوة واغتصابا عندما انتهى  مني دخن سيكارته  منتصرا لرجولته، ثم رمى  لي ثمن مامتعته بجسدي، ليقول؛
 انتهى ماكتب بيننا من عقد.
  أغلق باب البيت ورحل،  لتلاحقني بعدها أصناف من الكلاب

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم