ملكة وثلاث أميرات



الأديب الناقد: محمد البنا 


الأديب الناقد الجميل أ. محمد البنا .. صال وجال في عالم مبدعي القصة القصيرة، ومن بين روائع الإبداعات، استخلص لنا هذه الروائع لمبدعات يشهد لهن الجميع بالتألق في هذا اللون الادبي المميز، وأحببت أن تكون هناك سلسلة من هذا العنوان الجميل ( ملكة وثلاث  أميرات) أو أكثر أو أقل.. 
اديبنا الرائع الناقد العالم، أحسنت .. 


***************************

ملكة وثلاث أميرات

......
في معرض لمحاتنا عن مبدعي القص القصير، لا يفوتنا أن نتعرض لملكة القصة القصيرة ووصيفاتها الثلاث.
فالسيدة القاصة المغربية عروس الأطلسي، او كما احب أن اصفها دائمًا ( قاموس لغوي يمشي على قدمين ) هى الملكة المتوجة، رغم أنها لم تصدر ولو مجموعة قصصية واحدة حتى تاريخه، وحسب ما قالت لي فلن تصدر ولا تفكر في ذلك أصلا، ولكن هل من ناكرٍ لتتويجها وهى مبدعة الروائع، ولعل أروعها اطلاقا اقصوصتها ( حبي الأخضر )..إنها الملكة / مهدية أماني الرغاي.
وصيفاتها الثلاث..إحداهن سورية، وهى أيضا حالها حال ملكتنا لا إصدارات لها، ولكن من أحد ينسى روائعها القصصية، وابرزها أقصوصتها ( فجر الطين )..إنها الوصيفة الأولى الأستاذة / صديقة صديق علي.
والوصيفة الثانية مصرية الجنسية عالمية الأدب السردي، تُرجم لها عدة أقاصيص، ونُشر لها مجموعتين قصص قصيرة هما ( غرباء)، ( باب مغلق ونوافذ مفتوحة)، ومجموعتها الثالثة تحت الطبع وفائزة عن وزارة الثقافة المصرية فرع القاهرة، ومن أقوى اقاصيها قصة( الفنار )...إنها القاصة المبدعة المجددة / امل البنا..Aml Elbanna.
وأميرتنا الأخيرة مصرية الجنسية والهوية، تتميز بطزاجة الأفكار، وحنكة المعالجة، والقدرة المذهلة على التصوير المشهدي، لم يصدر لها كتب حتى تاريخه، ولها مجموعتين تحت الطبع، إحداهما ( فاتح شهية ) فائزة عن وزارة الثقافة فرع القليوبية، ومن أشهر قصصها ( مشاهد من ذاكرة سوداء )..إنها القاصة الصاعدة بسرعة الضوء..الأستاذة / إيناس سيد جعيتم.
............... محمد البنا ..١٩ يونيو ٢٠٢٠

***********************************




حُبّي الأخْضَر
بقلم الأديبة:  مهدية أماني الرغاي - الجزائر 


شَجرة اللوز التي أهدانِيها جدّي على الطريق الرّابطة بين مدْشرنا والمدرسة ، تعرفُني وأعرفُها ، تحُفُّ بأغْصانِها كلمَا مررْتُ بجانِبها ، أربّتُ على جذْعها بحنَان فتدغْدغُ كفّي بخُشونَة لِحائها ، تبقَى رائِحتُها عالقةً بيدي ، أشْتَمّها فتنْعش أحاسِيسي وتهدّئ فوْرة طُفولتي..أبُثها آلاَمي الصّغيرة وأحْزاني الكَبيرة.. دَجَاجتي الرّقطاء لم تبِضِ اليوْم ، ولن أجِد ما أسُد به جُوعي وأتَباهَى به أمَام أقْراني ، لنْ يُطلَّ عليْهم الصُّفار من بيْن شِقّيْ الرّغيفِ و يتلمظُون فيما يبْتلعُون خُبزهُم الحَافي ..ومِعزتي النّزِقة ، غَافلتني وقَضمَت الخِرقة التي أسْتُر به ضَرعَها ، وجادتْ به على ولِيدها..أقْذف بِغضبٍ تحتَ جذْعها بنوّارة العَوسَجة البريّة التي قَطفتُها لأصْنع جُبنا في فجْوة صَخرة تحاكِي بياضَ الثلج نقاوةً ،غسلتْها الأمْطار وصَقلتها الشّمس ، فلم تعُد تُجدي نفْعاً ..أسْتذكِر لها دُروسي وأنَا أقْضِم ثَمرات منها لا تُشبِه ثَمرات أية شجَرة أخرى، مُدوّرة كالجُوزة ، هشّة كقلْب عذْراء ينتَظر حُبّا ،عبِقة في فمي ، تصْعد نكْهتُها إلى تَلافيفِ دِماغي قبْل أن تنْزل إلى حيثُ مسْتقرّها من بُلعُومي ، وأحِسّ بالشبَع والرّضا ، وبأنّ أسرَار الكوْن كلّها تجمّعتْ في تلك البُقعةِ الصّغيرة التي تحْتلّها ..جذوُرها الضاربَة في الممْشى تأبَى إلا أنْ تخْترقَه وتبتَعد للطّرف الثاني ، تمتَص من التّراب الغَضّ إكْسيرَ الحياة ، تداعبُ شقائقَ النّعمان ونبتاتِ الزعْتر البرّيّ ولا تعْبأُ بكمّ الأقدام والحَوافرِ التي تطؤُها كل يوْم، وانْتنَى جذعُها في ما يُشبه إنحِناءة حسْناء وجعلت لي منه مُتّكأً للقراءَة والرّاحة وسِندانا لكسْر حبّات اللوز ومرْبطا لبقرتِنا الثّائرة "سوداءُ الوجه" كما أنادِيها لأتمكّن من ضرْعها بفمي .

أسْميتُها العرْجاء ، حبيبتي العرْجاء ، وحدها تميّزت بأنها لم تكن مْستقيمة ولا فارِعة الطّول ،كأنّما تريدُ أن تبْقى في مُتناول يدي الصغيرة وقامَتي القصِيرة ، وفي لحْظة الضّعف ، لما أتجرّدُ من الأمَان أتسَلقها كقردٍ صغير وأختَبئ بين خُضرتِها ، أنْدمج معها ، نصبح واحدًا تجري في عروقنا نفسُ الدّماء ، تنسَجم نبضات قلبيْنا وتتهدّج أنفاسنا من الخَوف، فلا تَراني عيْنُ جدّتي الفاحِصة ولا تَطالُنى عصَاها الغضْبَى ، أتركُ النّملَ يمرّ عليّ إليهَا ويعُود يتشمّم بعْضه البعْض ويتبادلون التحية ، ينقُلون من الأرض حبّات قمح في ضعف أجحامهم ويصْعدون بها إلى حيث شُقّ أحدُ أغصَانها العتيقة ، وحدَها الطّيور لا تُشاركني بها ولا تعشّش، فرائِحة غددي تسرّبت مع الصّبا والتصَقت بها..أبصرُ من عُلوها الحياة في مدْشرنا راكِدة كمسْتنقَع في أوقاتِ الهَجير، لا يشقّ رتابتَها إلا صْوت صرّارات يخْرم صِماخ الأذن ، أقلّدُها فتصمُت ثم تُعاود سمْفونيتَها المقِيتة..وفي الصّباح عند شقْشقة الفجر أرَاها تتفتّح كزهْرة تفتّقت بعد مرُور حَريق ، تُومضُ ألوان غِطاء رؤُوس النّسوة الزّاهية تحت الشّمس في الحُقول، ويصْدحُ موّالهن البرْبري الشّجي لتُرجعَه الرّوابي إلي، يتغلْغل في عُروقي فينْساب فيها خدَر لذيذ ..أُعانق شَجرتي وأطْفقُ أغنّي لها وأدور بها في رقْصة تشْبه رقْص الهنود الحُمر، تلتقِط هي  الرّيح من كل الجِهات وتَتمايل  مُتهادية تشاركني سَعادتي بها وبالحَياة .

العام الماضِي زُرتُها كما عادتي وتنَاجيْنا نجْوى البُعاد وكان عِتاب، فلم أحْضُر تفتّح أزهَارها ولا اخضِرار أورَاقها ولا تكَوّر ثِمارها..لكنها ظلت كريمَة واحتفظَت لي ببعضِ حباتٍ قزْقزتُها في مُتعة لا تضاهَى، لقد كانت في حجْم الفُستقَة يعْلوها فطْر وقطَرات صَمغ أسْود، تضاءَلت وانكمَشت الجوْزة ،عَزوْت الأمْر لندْرة الأمطار في تلك السّنة أو لحُزنها على فرَاقي ،عانقتُها وقبّلتُها، وقطعتُ لها وعْدا أن أحضُر مستقبلا فتْرة إِزهارِها ولن أُفوّتها مهما كان المانع.

ترجْلت من الحافلة و برأسي دُوار ، لم يسْبق لي أن شعرتُ بغَثيان في مُنعرَجات جبال الأطْلس، ربما بدأتُ أشِيخ ، ضَحكتُ من نفسي.. ملأتُ رئَتي بهواءِ بلدتي إستجْمعتُ قُواي ، تلقّفت حقيبة مَلابسي ، اقتلعْتها من الأرض فيما يُشبه التّحدّي وأمّمْت صَوب دَوّارنا ..يمرّ  أبناء عمومتي بسياراتهم ودوَابهم أو دراجاتهم فأرْفض أن يقَصِّروا علي الطّريقَ ، رَجوتُهم فقط أن يخفّفُونَني من ثِقلِ الحقيبةِ ..أحْببْتُ أن أقطَعَ تلك المسَافة كما كُنت أفعَلُ في الصِّغر،أضَعُ قدمِي في بَصْمةِ الماضِي وأتَشرَّب ُمن الأرْضِ طاقةَ امْتصَّها الأسْفلتُ مني،  أفتقدُها وأحتاجُها وأودُّ اسْتعادتَها 
الدّنيا ربيعًا ، وحُقولُ الحِنطةِ والشّعير والعدَس يداعبُها نسيمٌ عليلٌ وترصّعُها شَقائِق النّعمَان بحُمرةِ الدّم في خُضْرة أمَل ، انْتعشتُ وعادتْ شَقاوَتي ، وصِرتُ أقفزُ كعنْزةْ تخلَّصتْ من عقالٍ ، حِذائي الريّاضي الذي لا أفارقُه أبدٍا في أيّة سَفرة يدْعمُ ظهْري ورُكبتايَ ويساعدهُم على تحَمُّل قساوةِ الأجْحارِ وتكثّلات تُرابٍ لم يفُتَّها محْراث الفلاّح.. لمْ أصِلْ بعدُ ، يَتبقّى بِضْع مئاتٍ من الأمْتار، لكنْ وصَلني ثُغاءُ الأغْنامِ ونَبرات الأطْفال الرّفيعَة ورائِحةُ الخَشب يحْترقُ في الأفرْان الطّينيّة..اقْتعدْتُ صخْرةً لأسْتريحَ وأختليَ بنفْسي قبْل أن أدْخلَ في دوّامةِ السلامَات والسّؤَالات عن الصّحَّة ، التي لا تنْتهي ..قَطفتُ مِلءَ يدي عَدسا فَركْتُه في راحَتي، التقمْتُه وبدأتُ ألُوكهُ وأسْتلذِذ طرَاوتَه وعَبقَه فلا شيءَ يُعادلُ عَدس الجَبل في طَعامتِه وخِفّتهِ ..لكن ماء بِئرِنا لا يُنضِجُه ولا الأنْواع الأخْرى من البُقول ولوْ بَقيتْ تَغلى فيه ليْوم كاملٍ ، نسْتسْقى له من بئْر بعيدة إسمها "أَغْبالُو" أيْ الغَدير بالبرْبَرية .. تذَكَّرتُ حينَ كُنت أُقايِضُ بمَائِه بعْض نِسْوةِ أعمامي في غيّابِ أمّي بالبيْض أو صُوٍص صغيرٍ أخْتاره متفرّدًا في لَونِه عن الآخَرين وأتْركُه لديْهنّ حتى يكْبُر ، أو بحَفْنةِ ورْد بلديٍّ مُجفّف لُزوم تعْطير "طَلْية" حِنّة لشعْري ، ضَحِكت مِلْءَ قلْبي حتى كِدْت أتشقْلبُ من عَلى الصّخْرةِ وَبدأتُ أُغنّي .".ياااا ورْد ميين يشترييك وللحبيب يهدييك" وأجوّدُ في الغِناء وأُعيد...
 
في لحْظة ، ابْتعلتُ ضَحكَتي وغَصصْتُ برائِحةِ ورْد الأُغْنية ، لقَد غمَّتْ عليّ نفْسي وضاقَ صدْري ، مَددْت يَدي وحَككْت أرْنبَة أنْفي ، اسْتعذْت بالله من الشّيطَان الرّجيم .. أَمّي ، كُلّما فَعلتْ تقُول إنّه خبَر موْتٍ سَنسْمعُه وقلَّما تُخْطىءُ نُبوءَتُها.. عَمّي المَريض الذي  أَتَيتُ لأزُورَهُ  أيضًا كَلّمتُه مُنذُ قليل وبَدا أنّه بِخيْر ومَازَحَني كمَا  اعتاد َ أن يَفعل  ، هَل سَاءتْ حالتُهُ في هاته الهُنيهَات القليلة يا ترى ؟ أصَختُ السّمعَ ، الهُدوءُ يُسود ولا عُويلَ يُنبئُ بمكْروهٍ ، حثَثْتُ السّير وأنا أُرتّل أوْرادًا للرّقية .
وفجأةً رأيتُ الجثّة أمَامي وقد إسوَدّ أديمُها وتيبّستْ أطرافُها ، ألقيتُ بحقيبة يدي ورَكضتُ إلى حيثُ هي ، تحسّستُها  وضعْت أذُني على القلب، أسْتجْدي نبضًا  وعلى الصّدر أسْتقْصي نفسًا .. لا حَياة... لا حَياة .. عانقتُها وانهمرتْ دُموعي مدْرارًا ، لقد غادرتْني ، وَفيتُ بوَعْدي وعدتُ أشهَدُ احتفاءَها بالرّبيع فغدرَتْ بي وتَخلّت عني، شَجرتي حُبُّ حيَاتي ، وحدَها بين كل الأشْجار لا خُضرة بها ولا ثماراً ، كيْف لمْ أفهم في آخر لقاءٍ لنا أنها كانت تحْتضِر؟ ليتَني عرفْتُ ، لاقْترحْت عليْها موتًا رحيمًا ..هي كمثْل كلّ النّسَاء سَتُحب أن ترْحلَ وبَاق بها بعْضٌ من جمَال وخُضرة وبَهاء، لكنّني أعْرفُها، سَترْفض.. تُشبهُني ، تفَضلُ أن تمُوتَ واقفةً..عُدت أبحث عن حقيبة يدي أَخرجْتُ مُصوّرتي ومن ورَاء غشاء دُموعي حاولتُ أن آخُذ لها صورًا ، يدي ترْتعشُ ولم أدْرِ كيْف جاءَت بكلّ هذه الدّقة لما استظْهرتُها ، لعلّها تمَوْضَعتْ لعدَستي ، أو قلْبي من سدّدها إلى حيث تنْتظِر آخرَ تأْبين لصَداقة تخطّت أجيالاً..سأَضعُها في مظْروف ..تلك وصيّتي ..
...أنْ 
......يُتَاوُونا 
..............معا.

******************************************




فجر الطين 
بقلم الأديبة: صديقة صديق علي- سورية 


لن استنجد بأحد،إن فعلت ،سيقولون أنني خرّفت وسيخبرون أولادي ...وهؤولاء لن يرحموني من عتابهم القاسي.
ابني الكبير،بحجة عطفه عليّ، سيجد مبرراً لسوقي معه إلى المدينة، وأنا أمقت السُكنة هناك بعيداً عن أرضي وبيتي.
بيتي ...آه كيف لي أن استدل عليه في هذا الظلام الدامس، كل ما أنا فيه استحقه، مالي ومال مواعيد الري الظالمة ، دائما يفوتنا ري الغراس لأنهم يخصصون لقريتنا ريّا ليلياً، وولدي لا يأتي إلا نهار العطلة. أردت أن أفرحه بما سيدهش به،لذلك قررت أن أتحدى سنواتي الثمانين، أتكئ على عصاي لأسقي الغراس المجاورة لبيتي ...لكن (قلب رأسي)  بهذه الظلمة اللعينة، فقدت الاحساس بالاتجاهات ،بت أشرق وأنا مقتنعة أنني بطريقي الصحيح غرباً ...عدت أبحث بنظري الضعيف عن  بصيص ضوء يعيدني،يا لسخرية القدر فقد تهت بأرض أعرف ذرات ترابها ذرة ذرة.
 أغدو وأجيء مرات ومرات ،أتتبع رائحتها، ليس لأشجارنا رائحة،بل أنفي شاخ ولم يعد يميز حتى رائحة النعناع،إذن لأصغي للماء قليلا  ...الليل بارد وقاسي لكنه هادئ، قد يساعدني بسماع تدفق الماء الذي يثلج صدري،  نسيت أني فقدت الكثير من سمعي، يكفيني ما سمعته طوال عمري ،بقي أن أتلمس الطين ...يداي ستعرفان كيف تسبر دروب الطين...حيث انفلت مني الخرطوم الوقح وكاد أن يرميني أرضا.
 أسند ظهري المحني إلى صخرة ...صخرة؟!!  ..قضيت عمري وأنا انقي أرضي  من الصخر ...إذا  أنا لست بأرضي فأرضي كقطعة اسفنج ...سهلة لينة ...كنت أقول لأولادي افترشوها ...هي أحن عليكم من أسرّتكم...سقى الله تلك الأيام بحلوها ومرها ...

أقسمَ يميناً معظماً ألا أبيت تلك الليلة ببيته، كما أسماه.
ـ اخرجي من هنا أيتها الغبية  ..بيت أهلك أولى بغبائك ......وكان ذلك عقاباً لي لأنني أضعت المجرفة.
توسلت إليه أن يسمح لي باصطحاب  ابني الرضيع ،لكنه أبى، فالغضب كان قد أودى بعقله.
جررت خيبتي، وانكساري، وتركت قلبي مع ولدي ...هممت بالنزول بدرب يوصلني إلى أهلي  ...لكن بكاء ابني أعادني  لأدور  حول صوته .
..يحاول إسكاته، يروح ويجيء به، وأنا أراقبه من طاقة صغيرة،يقربه من مصباح الكاز ،كي يلهيه عن جوعه بمراقبة لسان اللهب .يمتد خياله على الحائط كمارد كبير ..قلبي ينعصر ألما عليهما ...كاد الولد ان يغمى عليه من شدة البكاء ...لم يعد قلبي يحتمل مددت يدي من الطاقة ...وصرخت صرخة أسكتته و أجفلت زوجي  .
 ـ ناولني إياه أرضعه ثم خذه  إلى سريره ..
ـ أنت هنا ...!! ـ قالها بصوت متهدج  ـ...لما لم تذهبي لأهلك؟
ـ .خشيت أن يتناولوك بسوء اذ علموا أنك طردتني ليلا ..
ـ أصيلة انت ....تعالي ادخلي ...
ـماعاذ الله ان أكسر لك يميناً ...هات الولد أرضعه وأبات ليلتي هنا ...
أذكر يومها ...بكى زوجي بشدة ..للمرة الأولى أرى دموعه ...كان طيباً..وسريع الغضب لكن دموعه عزيزة.
ليلتها..تسامرنا حتى الفجر ..وكانت نسائم  الفجر محملة بحب وحنان ..لم ينقطع إلا بوفاته.
لم أكن غبية،  كما أني لست خرفة الآن،.ها أنا أذكر كل هذه التفاصيل،لكن توهني الظلام ،وقتها فعل  ضوء القمرفعله،ورأيت ما أحببت بعيون زوجي، لكن لا قمر ولا ضوء الآن..ولا عيون تعتذر ..التيار الكهربائي  مقطوع ..وكل الأواصر مقطوعة،وقد لا يأتي ولدي.
..
بزغت خيوط الفجر، فبانت أخيلة الأشجار من حولي، أعرفها جيداً هذه غرسها زوجي، وهذه  غرستها بيدي، وتلك الغراس الفتية  لابني أظنها الآن قد أرتوت.

  استوت بوصلتي لكن ضاع  عكازي، رحت  أحبو ...بدأ الدم يتخامد  بأوردتي،  جف حلقي شعرت بالإنهاك وبألم شديد في قلبي  ..إذ غاصت قدماي ويداي بالطين  ولا سبيل للفكاك منه،أسلمت رأسي للوحل، آخر ما لمحته كان الدرج الموصل إلى باحة البيت ،كان قريباً جداً ...لكنني الآن مغروسة  وعليّ أن أنتظر إلى أن تجف الأرض كي يقتلعوني ..ولا زلت انتظر شمساً .. ويداً.

*****************************************




الفنار
بقلم الأديبة:  امل البنا - مصر 


تزحف كتل السحب الداكنة في موكب جنائزي ،بينما الريح العاصف يقذف الموج ليضرب الشاطيء والصخور المتاخمة للفنار،مر بيده المرتعشة علي جبينه عابرا"الرواق المؤدي إلي الحجرة التي يجلس بها رفيقه،وجده ما زال منهمكا"في اصلاح الراديو الذي بدأت اصوات صفيره في التصاعد عبر الأثير،متبرما"يلقي بأجزائه المفككة فوق المنضدة قائلا"في سخط :لا فائدة..لا فائدة..اللعنة ،سبعة أيام في هذا الدوام اللعين،لاأسمع فيها لإنسان ،غير صليل الريح،وطبول الموج التي تبتلع الشاطيء وأنا عالق هنا ..وأنت أيها الأبكم،لم َجاءوا بك إليّ؟ ،لمَ؟،أتشاركني الأفق البغيض لنهدي السفن ؟،أم أشاركك اللعنة التي اصابتك صغيرا"
يزوم في سورةٍ قاذفا"بالأجزاء المتبقية أمامه إلي الأرض ،يعدو بعدها مسرعا" نحو النافذة الزجاجية يفتحها ،يتضخم في أذنيه صليل الريح ،يطبق بكلتا يديه علي أذنيه صارخا" :أريد صوتا" ينطق إلي جواري ،صوتا" ينطق إلي جواري
كشبح مغاري خمدت طاقته بالكهوف الغارقة يرتمي إلي الأرض، بينما يداه تتعلقان إلي النافذةأعلي رأسه... يقف الآخر مبهوتا"مراقبا"له،يتجه في هدوء إلي النافذة يحررها من يديه ،ليغلقها،يتراجع مثقلا"إلي المنضدة يجمع فوقها الأجزاءالمبعثرة ،ينظرإليه بطرف عينيه قائلا":أيها الأبله ألم تفهم بعد ،أنه لم يعد يجدي معه شيء،يبدو أن لا عقل لك أيضا"
يعاود جمع الأجزاء الملقاة ، بعدها يذهب إلي النافذة الخلفية ،يلصق وجهه بها ،يتتبع أضواء الميدان البعيد والمنازل المتاخمة له ،تسرب إلي قلبه الذائب اصداء مرارات بعيدة...تمتد أصابعه النحيلة للوصول إلي نافذة الحافلة المكتظة التي يستقلها مع أبيه،منعته الجموع التي لم تكترث به أو برغبته لأن يرقب الطريق ..يتراجع مهرولا"كلما اجتمع مع الصبية في الساحة للعب،يطبقون عليه بلاذع القول كلما تقدم بأهدافه عليهم ،حتي لا يجد غير الانسحاب سبيلا"..يتذكر اليوم الذي فاضت به دموعه الجارفة وهو يري الفتاة التي أحبها تعبر الطريق في يد أحد أصدقائه.ذهب بعدها إلي الشاطيء يلقي أحجارا"في وجه الريح العاصف ،غامت عيناه في رذاذ الموج.كلما أطبق علي حجر ،استمع إلي صوت الصبية الملاحقين له وهم يسخرون من عاهته.وقف متجمدا"عندما اكتشف ذاك الشخص الذي يختفي رويدا" وسط الموج ،تلفت حوله متراجعا" ،أخذ يعدو ولم يعثر علي أحد،عاود النظر إليه فلم يجد غير الموج ،الموج فقط
أفاق علي صرخة هستيريةلرفيقه جعلته يركض إليه ليتسمر إلي جوار المنضدة المتناثر عليهاالقطع المفككةو بعض خيوط لأشغال الإبرة،وجده يقف أعلي النافذةالتي فتحها،يأتي بحركات مارد تنفض الريح ثيابه الخرقة قائلا":أتعلم أننا لا شيء،لاشيء أيها الأبله
أخذ يضحك في هستيريةمتنامية اصطكت معها أسنانه المرتجفة مع صليل الريح
قال:خائف أنت مثلي ،أري ذلك في عينيك..مسخ اّخر يجبن بالحياة
هم للانطلاق إليه،استوقفه قائلا":إياك أن تتقدم خطوة و إلا قذفت بنفسي ،أخذ يضحك صائحا":أتراك تشفق عليّ؟ ،أم تشفق علي نفسك إذا وجدوني ملقا" علي الصخور هنا.. أيها الأبله أنت حتي لن تستطيع الدفاع عن نفسك
ترنح إلي خارج النافذة وهو ممسكا"بها،واختفي للحظة عاود بعدها البزوغ في جلبة شيطانية
قال:أتحب أن أعاود اللعبة ؟.حسنُ،ستري أي مصير سوف أصحبك إليه أيها الرفيق
ترنح إلي الخارج مرات،في كل مرة كان يضحك ضحكته الصاخبة التي تنقلها الريح كلما مضي مع أزيز النافذة...لحظات انقضت ،ارتدت بعدها النافذة إلي مكانها بقوة الريح،انطلق إليها عبثا" يحاول الوصول إلي صوت له ،لا صوت غير الريح...هم إلي الهاتف يمسك به ، بينما اشارات سفينة بالأفق تقتحم الظلام.

***************************************




#مشاهد_من_ذاكرة_سوداء
بقلم الأديبة:  إيناس سيد جعيتم - مصر 


ملقاة علي السرير كجثة هامدة لا تقوى على الحراك، لا يظهر من صور الحياة عليها سوى دمعات تنساب على وجنتيها في هدوء، تسمع خطوات تقترب من الباب، تتكوم كجنين محتضنة ركبتيها وساقيها تغمض عينيها متظاهرةً بالنوم، يفتح الباب، يقف عنده يتفحصها ببصره، يقترب منها ويجلس على حافة السرير، ترتجف عندما تشعر بيده تتحسسها، يقترب منها ليحتضنها، تشعر بالاشمئزاز من ساعديه كثيفي الشعر، تبعد يده عنها وتهرب من عينيه الشرهتين، تنتابها نوبة شديدة من الهياج والصراخ تجفله فينهض مبتعدًا، لا تهدأ إلا بدخول والدتها فزعة تحتضنها في جزع محاولةً تهدئتها متبادلة نظرات حائرة معه، يخرج مسرعًا بينما تطمئنها قائلة:سنجد من يساعدنا.

في الطريق تمسك بملابس والدتها تتوارى في حضنها عن العيون المترصدة، تكاد قواها تخور وهي تصعد درجات السلم، لا تعي شيئًا مما يدور حولها، تدخلها والدتها لحجرة الكشف بعد أن سرى مفعول المهديء في دمها واستكانت، يشير الطبيب للأم بالخروج.

لا أدري ماذا دهاني، لا أستطيع منع نفسي من الإجابة عن أسئلته،  لماذا يصر على السؤال عما هو واضح؟ يسألني عن اسمي فأجيب، يسألني عن عمري فأتعجب، ألا تدل ضفائري وفستاني الطفولي عن عمري!
_أتعرفين لماذا أنت هنا؟
=أمي أخبرتني أنك ستساعدني، هل هذا صحيح؟
_بالتأكيد إذا سمحتِ لي.
صفي فستانك..
=إنه فستاني الوردي، أعلم أنه متسخ قليلًا لكني لا أستطيع خلعه عني.
_لماذا؟
=لا أعلم، حاولت كثيرًا ولكنه صار كجلدي لا أستطيع خلعه.
_هل تحبينه لهذه الدرجة؟
=لا لا، أنا أبغضه كثيرًا لكني لا أستطيع خلعه عني، ولا تستطيع والدتي إصلاح هذا التمزق الكبير فيه.
_أين هذا التمزق؟
=ألا تراه! يكاد الكم الأيسر ينفصل عنه!!
_ما الذي مزقه؟
لماذا يسأل هذا السؤال، لا أتذكر ما أو من مزقه، لكني أشعر باضطراب شديد يجتاحني، نبضاتي تعلو تدفع الدم لأذني كصوت ضحكة بشعة أعرفها.
_ألا تحبين زوجك؟
=زوجي؟!
_نعم، من كان معك بالحجرة.
=إنه ليس زوجي، إنه زوجها....
ذلك البغيض الذي ينام مكان والدي على السرير.
_يكفي هذا اليوم.

يجلس أمام الطبيب ساهمًا حزينًا، يسأله عنها كيف التقيا؟ ويطلب منه أن يصف علاقتهما.
*التقينا منذ أكثر من ثلاث سنوات، كانت دائمًا هادئة ودودة، أحببت فيها رزانتها... و تلك النظرة الحزينة التي أشعرتني بالمسئولية نحوها، تقربت منها، كان كل منا مصدر سعادة للأخر، لم أشعر يومًا بأن هناك ما يعكر صفو ما نتبادله من مشاعر صافية، تقدمت لخطبتها ووافقت من فورها، أعددنا بيتنا سويًا، كانت سعادتنا تكبر كلما اقترب زفافنا، حتى أتت تلك الليلة المشئومة التي كانت نهاية لما تمنيته بداية لحياة جديدة.
_صف لي ما حدث.
*ما أن أغلق علينا بابٌ حتى تحول حلم اللقاء لكابوس مفزع، بدأت ترتعد وتهزي، حاولت ضمها وطمأنتها، فانتابتها نوبة من الصراخ الهستيري ولم تهدأ إلا بعد حضور والدتها، لولا ثقتي المطلقة فيها لظننت بها سوءً.

جلست باكية تحكي عن ابنتها بقهر، تركها الطبيب تحكي وتتكلم وهو يستمع في صمت، سألها:
_هل كان لابنتك فستان وردي؟
تعجبت الأم من السؤال.
/نعم، وهي في عمر العاشرة.
_ما الذي مزقه؟
/تمزق منها وهي تلهو في حجرتها.
_هل كانت بمفردها؟
/نعم.
_هل تتذكرين ذلك اليوم؟
/نعم عدت من الخارج فوجدتها تبكي بشدة ولم تجب أي سؤال وإنما اكتفت بأن تشير لتمزق في الفستان، خلعته ولم ترتده مجددًا.
تتداعى الصور أمامها، تتسع حدقتاها في لحظة استبصار مؤلمة وتنظر للطبيب في ذهول.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم