قصة قصيرة ( العائد ) بقلم الاديب د. رياض علي جوني- سورية



الأديب د. رياض علي جوني - سورية 

قصة قصيرة 
العائِد
أخيراً تَمَكَّنَ منّي عندما شطرَني إلى اثنين، وراح يُخاطبُ مؤلِّباً صاحبَ الحاجةِ على صاحبِ الفِكرِ والمبادئ.
أقنعَني بالصَّفقةِ رغمَ إجحافِها،إذ لم أعْهَدْهُ لديهِ ما يُعَرِّفُ به،ولكن من مبدأ الضروراتُ تُبيحُ المحظوراتِ وافقْتُ عليها،ودونَ أيِّ اكتراثٍ لمعرفتي بهِ وما هو عليه،أو بالأحرى تناسيتُها مُتماهياً معه لدرجةٍ لمَّعتُ فيها صورتَهُ أمامي...كارل ماركس كانَ ثرياً ابنُ ثريٍّ يَدعو إلى وعيّ الضَّرورات، متجاهلاً عن عمدٍ مُمَنْهَجٍ التَّضادَ الفكريَّ في هذه المُقاربَة، ومُنفَلِتاً عن ضميري الَّذي رَوَّحْتُهُ في كبوَةٍ على سريرِ المبادئ.
كانتِ الصَّفقَةُ تَقْضي بأنْ يُقدِّمَ لي مبلغاً مالياً لقاءَ أتعابي في مساعدَتِه في حملتِهِ الانتخابيَّةِ النِّيابيَّةِ وتأمينِ عددٍ كبيرٍ من أصواتِ النَّاخِبينَ لهُ،مُعْتَمِداً على كثرةِ أقربائي وأصدقائي ومعارفي وشُهرتي بينهم بسعةِ معرفتي واتِّزاني الَّذي شعرتُ باهتزازِهِ حالما وافقْتُ عليها.
وضعَ كيسَ النُّقودِ على الطَّاولة،ثمَّ أسمعَني شعاراتِهِ الَّتي ظَننْتُها مزاميرَ داؤودَ تَعْزِفُ مُبَشِّرةً بالخلاص، وبقيَ يوصيني بالتركيز على بعضِها من قبيلِ...نصيرُ الفقراء...معاً لمحاربَةِ الفسادِ وحمايةِ الحريّات... الجولانُ سوريٌّ...فلسطينُ عربيَّةٌ عائِدونً،حتى خِلْتُهُ سَيعودُ غداً عابراً الجولانَ بجيشٍ مِمَّنْ أثْراهُم بنُصْرَتِه لهُم إلى فلسطين،وسأكونُ سببَ تأخُّرِه إنْ حصل،وبالمقابلِ رَجوتُهُ في حالِ فوزِهِ أنْ يساعدَ أيَّ فقيرٍ أُرْسِلُهُ إليه أو يقصدُه،وقبلَ أنْ يَخطو خارجَ العتبَةِ قالَ لي:اطلبْ لشخصِك فقط واعلمْ أنَّ غالبيةَ النَّاسِ تَدَّعي الحاجةَ والفقر.
طبعاً إنَّهُ لم يكنْ لِيَجرُؤَ على جوابِهِ هذا لولا يَقينُهِ بأنَّ ما طلبتُهُ منهُ ما هو إلَّا تحصيلُ حاصلٍ أُسَوِّغُ بهِ لِلَّاأخلاقِ أخلاقاً أُؤَطِّرُ بها عرْبَدةً فكريةً قَبَّضَني ثمنَها.
فرِحاً جلستُ واحتَضَنْتُ كيسَ النُّقود، ورحتُ في سَفَرٍ زادُهُ أحلامٌ مؤجَّلةٌ،حَفَظَتْها حقيبَةُ ذكرياتي، مُذْ كنتُ طفلاً كَبُرَ قبلَ أوانِه،وعَمِلَ خلالَ العطلاتِ الصيفيَّةِِ والأسبوعيَّة أيضا ًِمنْ أعوامِهِ الدِّراسيَّةالأولى في فرن،بأجرٍ يوميٍّ مقدارُهُ قوتُ إخوتِهِ من الخبزِ وقطعةُ عجينٍ له،يَصنعُ منها ألعاباً شاهدَها مع غيرِه،وهو
الآن أنا،هرمٌ أفْتَقِدُ طفولَةَ أبنائِي وأراها بعيونِهِم مع غيرِهِم،وأقولُ معهم ما قالَهُ يوماً ذاكَ الطِّفلُ الكبيرُ:كما الرَّغيفُ... جميلةٌ ألعابُ الأطفال.
أقبلَ اللّيلُ وما زلتُ أحتضنُه،ُ وبَقيتُ حتى ساعة متأخِّرةٍمنه دونَ أيِّ رغبةٍ لفتحِهِ ورؤيةِ النقود،ودونَ أيَِّ سببٍ أيضا ًيُمكنُ اعتبارَهُ لِحيرةٍ تَسَرْبَلْتني.
بحثتُ عنهُ فلم أجدْهُ،ليسَ لأنَّهُ غير موجود،فكلُّ مافي الكونِ بكُلِيَّتِهِ أو بجزئياتِهِ وُجِدَ بأسبابٍ ويستمرُّ بها أو بأُخرى فرضتْها المُتغيرات،الَّتي وحدَها الآنَ راسخةٌ في زمنٍ تلاشى فيهِ معنى أسبابِ وجودِنا منذُ الخطوةِ الأولى لنا على مسارِ الحياة.
دخلتُ سراديبَ التكهنات...أهوَ الفراغُ بعد تَحَقُقِ الأمنيةِ،كانَ عليَّ ألَّا أتمَنَّى تَحَقُقُها دفعةً واحدَةٍ،لأنَّه ُسيأتي اليوم الَّذي لن أجدَ فيهِ ما أتمنَّاه،ولكن ما تحقَّقَ ليسَ كُلُّ الأُمنية!
 إذا ًهو دهشةُ اللِّقاءِ بِبعضِ الأمنيةِ الضَّائِعةِ في متاهاتِ الزَّمنِ الضَّائعِ أيضاً على دروبِ البحثِ عن إنصافِ الحياة المُغَيَّب؟ والَّذي لم أكنْ يوماًْ أحتَسِبُ أملاً بلقائِه،أو ربَّما نَقمَةُ نِعمةٍ استَعَدْتُ بعضَ حِصَّتي منها بمواكبةِ المتغيِّرات،أوبسرِقَةٍ...ولكنَّها
مشروعةٌ،فالسَّارق ُمن السارقِ كالوارثِ عن أبيه، آهٍ ياأبتي: لم أرِثْ عنكَ إلَّا أرضاً وِسِعَتْ لمنزلي هذا وعريشةُ ياسمينٍ زرعَتْهايَديْكَ،وقَلَماً أخُطُّ بهِ مِنْ مدادِ الأوهامِ حكايةَ حُلمٍ جميلٍ رأيتَهُ أنت.
قلُتُ هذا وأناأنظرُ إلى صورتِه، ومازلتُ أتوهُ عن قبسٍ يُخرجُني من تلكَ السراديب،حتَّى أدركتُ إنَّهُ ألمُ الشُّعورِ بالذَّنبِ الَّذيٍ اقْترفَهُ الآخرونَ بحقي، وأقْتَرِفُهُ معهم الآن بحكمِ المُتغيِّراتِ الَّتي علَّمتْهُم كيفَ يَستَغفِرونَ ثُمَّ يَمحونَ ما مضى من خطاياهم، وتساعدُهُم اليومَ على اسْتِبْدالِها،ولم تُعَلِّمْني كيف أخرُجُ من حيرتي. 
نهضتُ بِنيَّةِ النومِ والابتسامُ يذوب فيُ حزنٍ راحَ يَمْلَؤُني من جديد،تساءَلتُ...ألِأنَّي لم أتَعَلَّم كيفَ أجعلُ فرحي يدوم؟هههه!...من أينَ يكونُ ذلكَ لي وفصولُ الفرحِ في مناهِج ِحياتِنا حَذَفَتْها المتغيِّرات؟! أمْ أنَّهُ كانََ ابتسامُ نهايةِ الاحتضار؟
وقبل أنْ أستلقي على الفراشِ وقفتُ لبرهةٍ أمامَ المرآة،أمعنتُ النَّظرَفيها، فأصابَني ارتِباكٌ دفعَني لِأسألَ نَدِّيَ_ الَّذي شعرتُ أنَّهُ لا يُشْبِهُني_ مابِكَ؟
 
 لم أجْرُؤْ على انتظارِ الجواب،ولا إدارةَ ظهري له كما من قبل،فأشحتُ بوجهي عنهُ، وأنا بين ذاكَ الفرحِ وعذابِه، فرحٌ يُسائِلُني من أينَ أتيتَ بي؟! وعذابُ الجوابِ سهداً مارسَ كلَّ أفعالَه ُبي ليلةَ ذاكَ اليوم.
تجولتُ في الغرفة...دندَنْتُ ...احتسيتُ القهوةَ...مارستُ اللَّاشيء...خرجتُ إلى الشُّرفةِ ومكثتُ انتظرُ ابتهالاتِ الفجر.
لم يكنِ اللِّيلُ بهيماً، فالسَّنا بَدَّدَ بعضَ سوادَ الغيم، ومافَتِأ بين الفينةِ والأخرى ومن بينِ شقوقِهِ يَتحيَّنُ فرصةً يُبَدِّدُ فيها ظلامَ شُرُفاتٍ نامَ أصحابُها ينشدونَ كعادَتِهم أُغنيةً لفجرٍ يأتي برجاءِ آمالِهِمِ الدَّامِعَةِ والمُعلَّقَةِ عليها،وأنا...آهٍ مِنْ أنا،كُلَّماانقشعَ الغيمُ تَدَجَّى فيَّا ليلٌ على شرفةٍ تَباتُ الآن غريبةً عن تلك الشُّرفات.
 اَنْتابَني شعورٌ بالخوفِ وحاجةٌ للبكاءِ منَعاني منْ إطالةِ المكوث...طيورُ الظَّلامِ تُخِيفُها ابتهالاتُ الفجر.
 عدتُ إلى الفرفَةِ ورحتُ أطوفُ حولَ الطَّاولة،طوافَ ضالٍ يَتوقُ لِهَدْيِّ الطَّريق،بخُطاً تعكسُ اهتزازَ ما فوقها،وفي مدارٍ متعرِّجٍ أفْقدَ اسْتدارةَ الطَّاولةِ معناها،وناظريَّ يَتنقَّلان ِضائِعينِ بينَ خُطايا   ومركزها، الَّذي أزحْتُهُ إلى حيثُ يقبعُ كيسُ النُّقودِ مُزيحاً وجودي إلى نسقٍ لم أعتقد يوماً أنِّي سأقفُ فيهِ،وليسَ لديَّ مايُعَرِّفُ بي أيضاً.*١
قبيلَ انبلاجِ الفجرِأعدَدْتُ القهوةَ من جديد،ورحتُ أنتقي كتاباً أقرؤهُ ريثَماِ يُدْركَني النَّومُ أو الصَّباح،ولأنَّ كلَّ ما لديَّ من كتبٍ قرأتُهامن قبل، وجدتُ نفسي أتَصفَّحُ عناوينَ بعضَها...الهجرةُ إلى الشمال... كيف سقينا الفولاذ...مصرع بطل...قنديلُ أمُّ هاشم...بقايا صور...لماذا تركْتَ الحصانَ وحيداً...عائدٌ إلى حيفا، ثمَّ عدتُ الى الطاولةِ دونَ أيٍّ منها.
جلستُ إليها مُسنِداً رأسي على يَدَيَّ ومُتأمِّلاً تلكَ العناوينَ تأملاً بسطَ حنايا الذاكرة، وليطوفَ في فضائِهِ ِصوتُ أبي وهو يَقُصُّ لي وإخوتي سِفْرَ رحلتِه إلى فلسطين أثناءَ حربِ الإنقاذِ عامَ١٩٤٨ وعودتهِ جريحاً،وصدى حواراتي_مع أصدقائي ومعارِفي عن أحقِّيَتِنا ِبالحريةِ وجمالِ الحياة_يبحثُ عن صوتيَ الَّذي سلبْتُهُُ وبعتُهُ،ولتَفيضَ دموعي على بقايا صورٍ لفرنكينِ أبيضينِ شاهدتُهُماعام١٩٦٩*٢
في طريقي إلى المدرسةِ عندما كنتُ في الثَّامنةِ من عمري،وخبأتُهُ كثروةٍ هيَ بعيدةُ عن متناولِ أيّ طفلٍ يعملُ في فرنٍ آنذاك،وكيف مراراً فكرتُ في شراءِ بندقيَّةٍ به للدفاعِ عن فلسطينَ بعدما رَوَت لناْ المعلمةُ في الصَّفِّ ما جرى في مجزرتي ديرياسين وكفر قاسم.
لم أُكَفكِفْ دمعي، وقد أزالَ غشاوةً عن عيني،َّ لِيَنْفَتِحَ مدى باصرتي على امتدادِ تَفَتُّحِ بصيرةٍ الآنَ تَعُفُّ عَماها.
يالَها منْ صفقة! كلُّ ما في بنودها من إجحافٍ خَطَّهُ إلحاحُ حاجةٍ هي بأيدي لصوصِ الحاجاتِ الَّذين تِصالحتُ معَ أحَدِهِم الآن، وربَّما مع الآخرين منهُم غداً،َ ووقَّعْتُ عليها بِبَصمَةِ خيانةٍ أفرَحَني أنَّ لا قوانينَ تطالُها،ولكن جعلَتْني أتسوَّقُ في بازارِ الحرِّيةِ  عارياً ولستُ حراً بحرِّيَتي، لطالما رَوَّحْتُ صاحبَ النُّهى في كبوة،ٍ وما برحَ عقلي اسْتِذْكارَ مُبَرِّراتِها،*٢ومُثْبِتاً أنَّ أصحابَ الفكرِ هم الأكثرُقدرةً على الخيانة، لأنَّهم الأقدرُ على تبريرها.
 أغمضتُ عينيَّ خَلْفَ يديَّ،ُ وماانفكيتُ تارةًُ أرمُقُ كيسَ النقودِ من بينِ شقوقِ أصابعي،وأُخرى يرمقُني أبي بها وأنا أرنو إلى ابتسامَتِه، لأعيشَ وحشة َاغترابي عنهُ وذاكَ الطِّفلُ الكبيرُ ودمعي مازالَ يَغروْرِقُ في عينيْنِ تَسْتَجْديانِهِما ناصِرينِ عَليَّ ذاتي؟.
نهضتُ وابتعدْتُ عن الطاولة،ِاتَّجهتُ إلى النافذةِ وجلستُ إليها،كانَ الطَّريقُ خالياً إلَّا من خيوطِ الفجرِ، وبعضِ أغصانِ الياسمينِ تَتدَلىَّ فوقَهُ تُلاطفُ نسائمَ باردةً بطيبِها، وبضعِ أطفالٍ يتراكلونَ حجراً صغيراً ككرةٍ فيما بينهم وهم ذاهبونَ إلى عملِهم في الفرن.
ابْتَسمْتُ لذكرياتي، وبقيتُ أُراقبُهُم وأنا أُسمعُ صوتَ خُطايا معهم،حتَّى رحتُ في غفوةٍ أخرجَني منها دفءٌ انسابَ معَ أشعَّةِ الشَّمسِ وانعكاسِها العائِدِ عن صورةِ أبي بصوتِ ابتسامَتِهِ يقولُ لي ويسألُني وهو يغسُلُ وجهيَ بالضوَّء:
سبقَكَ العازفون! ألن تلحقَ بهِم لِتعزِفَ معهُم أبواقَ الفجر؟!
خفقةٌ جَذْلى أنتشلَتْني من احتضاري...وفقط اعتذرتُ له لِبخْسيَ إرْثَهُ، ولم أنتظرْ لِأُسْمِعَهُ الجواب،وانتفضتًُ مُتَّجهاً إلى كيس النقود،وبقبضَةِ عاملِ الفرنِ اقْتَلَعتُ وجودَهُ،ومُرتحلاً عنه انْطلَقْتُ به خارجَ المنزلِ مُسرِعاً أجُدُّ عائِداً إلى ذاتي.
    تمت
*١قيمة الأشخاص بالتعريف بها وليس بموقعها النسقي(الدكتور الأديب زهير سعود)
*٢فرنكان أبيضان من أجزاء الليرة السورية  
*٣_النُّهى أعلى مراتب العقل البشري ومن الناحية الدينية هو مركز الفضيلة، والقيم هي أحكام أخلاقية وليست أحكاماً عقلية.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم