العفة..بقلم الكاتب:عبد الحميد مستو_سوريا.

الكاتب:عبد الحميد مستو_سوريا.

الكاتب:عبد الحميد مستو_سوريا.


العفة بين الإجراء الخارجي والرادع الأخلاقي

طلب الإنسان العفة وسن لها القوانين والشرائع لحمايتها منذ ما قبل الديانات الإبراهيمية الثلاث كما هو ثابت في شرائع وادي النيل وبلاد الرافدين ميزوبوتاميا.
والعفّة هي الامتناع عن طاعة الغريزة والشهوة إلا بما يقرّه المجتمع ويرضى عنه وذلك بدافع داخلي من الضمير ورادع أخلاقي تربّى عليه الإنسان منذ صغره . بيد أن المقصود بالعفة وكذلك الزنى يختلف باختلاف المجتمعات والثقافات , فالمجتمع الذي كان منذ فجر التاريخ وبعضه النادر لا زال كما لدى بعض القبائل في افريقيا وغابات الأمازون, يأخذ بنظام تعدد الأزواج للزوجة الواحدة. يختلف مفهوم العفة والزنى كلياً بل يتناقض مع مجتمعات أخرى تقر تعدد الزوجات للرجل كلون وحيد مباح للزواج كالمجتمعات الإسلامية.
وبالإضافة إلى هذين النظامين ثمة مجتمعات تقصر العفة على طبقة من طبقات المجتمع دون سواها, وأقصد مجتمعات الحقبة العبودية من تاريخ البشرية , حيث كان يقتصر طلب العفة فيها على الزوجات الحرائر فقط, دون أن ينسحب ذلك على العبيد (الجواري والإماء), وذلك بغية التمييز بين الطبقات وللمحافظة على نقاء طبقة الأحرار ونسبها , وقد كان عمر بن الخطاب من المتشددين في هذا الأمر , حيث كان يضرب الإماء والجواري إن رآهن مخمرات كالحرائر , لأن الشباب زمن صدر الإسلام كانوا يتربصون بالنساء عند خروجهن إلى الغائط (دورات المياه) فإن وجدوا المرأة سافرة عرفوا أنها جارية فيتناولونها , لذلك أمرت الآيات القرآنية النساء المسلمات بتغطية جيب الثديين بالخمار وبإدناء الجلاليب حتى يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين.
فالزنى في هكذا مجتمع يكون بلقاء الرجل جنسياً بامرأة من خارج نسائه وإمائه, ولو كنّ ألوفاً ونذكر ههنا أن الخليفة العباسي المتوكل كان لديه أربعة آلاف جارية , وهارون الرشيد كان لديه ألفا جارية.

أما المجتمعات الأوروبية في أيامنا فتأخذ بثقافة الحريات الفردية , وترى أن جسم الإنسان هو أخص خصائصه وممتلكاته التي لا يصحّ التدخل فيها أو الاعتداء عليها , وعفةّ الرجل والمرأة هي أن تكون العلاقة الجنسية بينهما بكامل التراضي والاتفاق دون استغلال أو إكراه , وقد تتم بعقد زواج ديني كنسي أو مدني قانوني , وغير ذلك يعتبر اغتصاباً يعاقب عليه القانون بعقوبات مغلظة , حتى لو كان إكراهاً من الزوج لزوجته على الممارسة الجنسية, فالاغتصاب هو اغتصاب الإرادة وسحق الشخصية وازدراء الشريك وإذلاله.

ونحن نعلم أن أي مجتمع يعاني من الكوارث الطبيعية والحروب والانفلات الأمني فإن النساء يتعرضن للهتك والاغتصاب بسبب ضعف الوازع الداخلي وانعدام الضمير , وهذا ما ينعكس على نفسية الرجل فيفقد الثقة بمن حوله فيلجأ إلى إجراءات ميكانيكية خارجية لا علاقة لها بالتربية والأخلاق ليحفظ عفة المرأة. ففي المجتمعات التي كانت تعيش على الرعي والصيد يلجأ الرجل إلى خياطة فرج المرأة بما لا يسمح بالإيلاج , لغيابه الطويل عنها بالرعي أو الصيد.
ويماثلها في مصر والعراق وغيرها الختان الجائر للفتيات وهّن صغيرات , لكبح شهوة المرأة للحفاظ على العفة . وهذه الإجراءات الخارجية لحفظ العفة كانت موجودة في أوربا في العصور الوسطى , وذلك بأداة ميكانيكية مبتكرة اسمها حزام العفة ليمنع الإيلاج في حال غياب الزوج بسبب الحروب والغزوات.

أما المجتمعات الإسلامية 

في أيامنا فتلجأ إلى النقاب و الحجاب كإجراء وقائي للحفاظ على عفة النساء مع أن العفة قيمة ذاتية داخلية نابعة من وازع الضمير ورادع التربية القويمة للطفلة في سنواتها المبكرة وليس بإجراءات خارجية ميكانيكية .

فالمشايخ يرون سفور المرأة هو ما يدفع الشباب إلى التحرش بها في الشوارع وتعرضها للاغتصاب .أما الرجل فله أن يفعل ما يشاء دون أن يتهم بشيء لأن العفة مطلوب من المرأة لا الرجل !! مع أن العفة لها طرفان : ذكر وأنثى فالشهوة تتم من كليهما وكذلك الفعل الجنسي , والعفة تتم بابتعاد أحدهما أو كليهما عن الفعل الشهوي بوازع من الضمير والأخلاق التي تربّى عليها كلاهما وليس بالنقاب , لأننا إذا منعنا الرجل من رؤية المرأة بالنقاب فهل منعنا المرأة من رؤية, الرجل ؟! وهل منعنا المرأة من التأمل والتملي والتشهي لتقاطيع الرجل؟! على العكس فالنقاب يتيح لها إطالة النظر والتمعن مطمئنة لعدم معرفة الناس لشخصيتها , وبهذا فالنقاب هو تمكين للمرأة من الرؤية من هتك ستار العفة بل هو أيسر السبل إلى الرزيلة.

حتى أن اليهود في زمن البطاركة الأوائل كان لديهم عرف مسنون بعدم كشف وجه الداعرة حتى لا يعرفها أحد, وهذا ما نجده في قصة (بوعز وتامارا) عندما كان النقاب لباساً خاصاً بالعاهرات يعرفن به, فكانت المنتقبة تعلن بنقابها عن الرغبة في لقاء جنسي سريع ومؤقت , أما العفيفات فكنّ سافرات .


: وختاماً نقول :

إن كانت العفة لا تتحقق إلا بإجراء خارج فالحل هو أن نفقأ عيون النساء والرجال أو أن نفرض النقاب على الرجال أيضاً تحقيقاً للعفة في الطرفين !!

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم