"أمنية" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب: محمد مندور- مصر


الأديب: محمد مندور - مصر



مجموعة قصص قصيرة للاديب: محمد مندور 





مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. إلى النصوص:



***********************************************************************************

أمنية
***

الليلة هي ليلة عيد، يعيش على حسرة المنع، وشغفه لينال قسطا من البهجة أصبح وهما، الفقر بؤس يحتويه، لا ملابس أو ورقة يستبدلها بدمية أو قطعة حلوى، أمه لم تبرح سريرها منذ أن تركهم أبوهم ليضرب في الأرض طولا وعرضا فلم يرسل إلا فتاتا بالكاد يكفي، على ناصيتهم يجلس من  ينتظر نصيبا منقوصا من ذبيحة، ما بين طعمة تسد جوع أخوته وفرحة غائبة يحتار، وما الليل إلا هو، ظلامه رداءه ليتسلل، يمر ذهابا وإيابا بين سكون فرضته ضربة سكين وآخرون بلا خجل يتسابقون ليملئوا الأكياس، من سيعطف على نظراته أو خطواته إلا الذي يعرف الحقيقة، عاد خالي الوفاض صفر اليدين مكلوما، يجلس بين البكاء ومشاهدة فقرات يصطف حولها من امتكلوا تذاكر الوقت، تلفاز خرب يكمل مسيرة السهرة بساحر يحكي له ولهم: أغمض عينيك، فكر في رغبتك. سيأشاركهم مشاعره التعيسة بأمنيات يحجبها واقعه، انطلق خياله يفتح الباب لأنوار تحتضنه، وتقبل رأس أمه، توقظ أخوته، أخيرا عدت ياأبي؟ وهل غبت عنك أو عنكم إنكم هنا بين جنبي، أدخلوا أياديكم في جيوبكم تخرج هداياكم، أدخلها مثلهم ولم تخرج غير صورة أبيه.


***********************************************************************************

بعث روح
....
في جنح الليل، يسهر وحيدا، يستدعي في خاطره من ساندوه في المحنة، لحظة تتكشف فيها كلمات تفرق الحاضرين..
_أبحث عنك ياأستاذ منذ ساعات.
بعد قبلة على الرأس مصحوبة بنفس عميق من وعثاء البحث
طلب من البائع نسخة من روايته، التفت إليه المؤلف _الأستاذ كما لقبه_ من على كرسيه قائلا: إنها معي، سأعطيك إياها.... مال إلى أذنه اليمنى أثناء انشغاله في توقيعه البطيء عليها :
هل لي بالتقاط صورة بعد الانتهاء؟
بالطبع
اتجهت الأنظارُ تتسائل : من هذا؟
يتلقفون الاجابة بتعجب إنه صاحب رواية " بعث روح"
اتسعت دائرة المعرفة به، انمحت عزلته شيئا ما، الناظرون إليهما تملؤهم الغبطة من هذه المودة، الأمنيات تزداد بأن تمنحهم الكاميرا عطفها بتلك الاستضافة مثله .
يرفع نسخته المهداة عاليا بابتسامة خفيفة،  انحناءة تسبقها قبلة ثانية، ثم عودة إلى سيارته ليسرع قبل المساء.
استلمها منه مشفوعة بالإهداء دون أن يفتحها، وضعها ضمن مقتنياته العديدة من الكتب التي اشتراها.
الأرق سحب رأسه للخلف، أغفل برهة، لم يدر أي اتجاه سلك أو منحنى اتخذ؟
لم يتذكر إلا كلمة واحدة "حاسب ياأسطى" أخذت منه الدنيا حركته النشيطة، وأضحى منذ هذا اليوم قعيدا.
هطلت دمعة على أول صفحة، اختلطت فيها رغبته التى تحرجت بأن تمنعه ساعتها من كتابة هذا الإهداء؛ فالكلمات مطموسة، التداخل في الحروف جعل جملته نسيجا غير مترابط.
  تحولت الدمعة لدمعات، جودة الرواية تؤكد أن صاحبها ليس عاجزا، مسح خده، رجع لصفحة البداية وإصرار الأستاذ على
تزيين ما بعد الغلاف بهذه الذكرى بيد شبه ميتة.
عندها تبين بصدق أن آثار نزيف حبره المخطوطة في حقيقتها هي من تساندهما وصارت بعث روح لكليهما.

************************************************************************************

إرضاء مُهلك
......
ولأني مدرك لطبيعة ما يجري لست عابئا بتلك الحركات التي تخيف الصغار في النهاية، فالهدف هو إسعادهم ، ابتسامتهم وقهقهاتهم لها وقع السحر؛ فأتمادى كبهلوان يقفز لأعلى وأسفل، أقلب جفني، أفتح فمي كخرتيت يقترب لابتلاعهم، أمد يداي تجاه أعناقهم، حتى يقعن في رعب يزيح الفرحة لحزن وتتساقط الدموع. حين اختليت بولدي واتتني فرصة كهذه، إذ بلغ بي حضنهما قوة عصفت بأضلاعهما الصغيرة، أصيح في وجهيهما" أنا بضحك، أنا بضحك" بصوت عال متكرر كتسبيح زاهد، أحمل هذا وأرفعه، أضرب براحتي هذا وأطرحه؛ انتقلت تلك الأفعال لحصن قلبي الذي فتح لها، تُلامس أحداث جسام تقيمني حيث هموم الحياة وضيقها، ولعلي عرفت وقتها معنى هذا الاندفاع اللحظي في تغيير المزاج، أمي التي تصعد السلم على يديها وقدميها تسمع جلبتي، تندفع إلى باب الشقة، تدق بكل قوتها تنادي وليس عندي عقل يستجيب إلا لغيبوبتي من تذكر الأوامر التي أنفذها ولا أبدي أي اعتراض رغم بغضي لهذا الأسلوب من التبرير المزيف.
_امض فقط... وقّع... لن يصيبك أذى... لن يضيرك شيئ.
يلتفون كالعقارب يلدغون رأسي يبثون سمومهم حتى أوافق مرغما.
_أنت المسؤول عن اسطوانات الحريق، عن القمامة، عن أجهزة الحاسوب التي في الحجرات.
ألعن عجزي الذي يشل إرادتي عن قول لا، ما أنا إلا عامل يحرس بوابة تضم مئات الموظفين، أتقاضى راتبي من عطف جيوبهم ليس إلا، كالمعلقة أحتاج اعتماد الوظيفة لأحصد لقب "موظف" في الحكومة، ولأن الرفض يعد احتجاجا هكذا ظننت ونفقاتي مرهونة بعطاياهم المؤقتة؛ إخرسّ لساني وكتبت بخطي الركيك اسمي في أقصى اليسار باهتزاز، حُمِّلت أوزار الاهمال، بمحضر ضمنى، وانتهت التحقيقات بتحملي جزء من نفقات سرقة أحدى الحجرات.
شعور غريب يخلع علي الرزانة، ثورة لا أعرف لها حدا، الأم تزيد الدق، أرتجف، أنهمر في البكاء، ألف مقبض الباب، أفتحه وأقفز ولا أهدأ، تزحف إلي في محاولة منها لإيقافي، تمسك برجلي، تجذبها، أسمع شفقتها " ما بك؟" أفقد شيئا من الاتزان، أقع فاتحا فاهي، ويحاك قلبي بوتر من الآه.

************************************************************************************

نصوص جميلة، لأديب مبدع، دام التألق والإبداع اديبنا المتميز  إن شاء الله تعالى.




0/أكتب تعليق

أحدث أقدم