الجسد كمكان شعري أو الرغبة بوصفها معنى شعريا في لغة الجسد قراءة سيمائية في نص / محض خيال للشاعرة زهراء ناجي / العراق بقلم الناقد حيدر الأديب / العراق


الأديب الناقد: حيدر الأديب- العراق.

الأديبة: زهراء ناجي - العراق 

قراءة نقدية لنص الشاعرة: زهراء ناجي .. بقلم الأديب الناقد: حيدر الأديب

مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:

***********************************************************************************

ليس النقد منهجا أو طريقة للمعرفة بل هو شريك الشعر والسرد بوصفه تكاملا في المساحات المكتشفة

 لهما وعليه فإن ماهية النقد (فلسفيا) هي السعي لأمتلاك حقائق النص المكتشفة بقصد التكامل لا بقصد اثبات مرجعية الكمال للنقد وبالطبع فان النقد المحكم يقبع خلفه منهج بيد ان هذا المنهج هو علائق هذا النقد الشخصية ومعايشته الذوقية للعمل الأدبي وخلف هذا المنهج نسق من أفكار وتواريخ وحقول معرفية
هذه الأفكار تشتغل ضمن علاقة خاصة ولا تعمل بصفتها مقولات ثابتة فالنص هو من يثير الخبرة اللازمة له ومن هنا فالنقد نشاط عقلي كامن في طبيعة الذات وهذه الذات (فعل / تأمل) فالنقد حركة بندولية بين الفعل والتأمل لا تكرر نفسها الا مظهريا لأنها في كل إياب وذهاب تمارس تكاملا في ذاتها وفي النص

تماسك العمل الأدبي في رؤيته للعالم تماسك حركي دائمي


بمعنى هو مجموعة من العلاقات تتشكل بمنظور تأويلي أي ان العمل الأدبي يقدم نفسه لا بأعتباره شيئا منجزا أو معطى سلفا بل كشيء يتشكل تحت ابصارنا شيء احالي وترميزي كل همه البحث عن المعنى لذا يميل بورخيس دائما الى اضعاف مفهوم المؤلف فليس ثمة ابوة لأن العمل الأدبي تشكل وإعادة تشكل مستمرة فليس للمؤلف الكلمة الأخيرة ولا للناقد
وفي الواقع فان الناقد لا يحاول فرض منظومة من المعايير ساكنة وابدية بل على العكس هو يدرك أي ان الناقد ان عمله لا يفتقر الى التفرد فقط بل هو شخصي وهو يتولاه بصفته مغامرة وما يفعله هو إعادة العمل الأدبي الى صفته الأصلية باعتباره عملا مفتوحا وعلاوة على ذلك فان الناقد الحقيقي يجعل اللاواقع والواقع في الكلمات عالما مرئيا هذا الجعل هو ابداع فهو بالطبع لا يخترع العمل الادبي بل وكما يقول اوكتافيوباث ((يخترع أدبا منظورا / منظومة) 
يقول الكاتب المكسيكي الفوسفورييس ان (النقد وجود مشروط والشعر وجود شارط وهما متوازيان فالشعر سابق على النقد نظريا فقط)
رغم هذا التوازي والتزامنية مع الابداع فان النقد يظهر في مرحلة تالية هي

مجال العلائق مع العمل الأدبي

 وهنا فان العمل الادبي لا يكشف معناه الا بنظره تستحدثه ومن هنا ليس النقد لا يتمثل في تأكيد أو نفي قيمة العمل بل هو (نظرة في الزمن تتابع وتغير مثل العمل ذاته المطلق فيه هو اللحظة لكنها اللحظة التي تحمل داخلها سياقا كاملا من الارتباطات والعلاقات هكذا فإن النقد ليس للتحليل الإيجابي بل هو ملكة التحليل التذكري

بهذه الكيفية يمكن ان نتعاطى مع نص زهراء ناجي وسنسلك طريقا سيمائيا بموجب ( النص يقترح قراءته / وفق مراتب الناقد وذوقه ومرجعياته التي يسافر فيها في عوالم النص )

المكان الشعري هو المسافة المتحركة كهوية تتأول مشاعرها وكينونتها كزمن يتخلق من مشاهد قادمة من الوعي والشعور والحالة والموقف واللغة ضمن بقعة الحال والحصة المقتطعة من سياق الحياة
هنا المكان هو الزمن ذاته يتماهى معه ثم ينأى بمقدار دمعة تؤازر آه ثم يتوارى في ملامح اللغة ثم يشع في تفاصيل الحال الي هو هنا الأغتراب والحرمان والتوجع والعطش الوجودي لمعنى العطر الرغيد بالحياة العطش الذي ابيضت حروفه من معنى يروي جملة اللقاء والارتواء
الهوية هنا زمن يتشكل حبا في الاخر يتشكل شعرا في جسد الحياة واللغة يتشكل توحدا في جغرافيات ثلاث (لا.... أنت عقل بجسدٍ، روح، يتسع فيها الحلم، وحتى المحال.
فأتركني ها هنا بين ذراعيك، حتى لو كانت رؤيآ من وهمٍ، وطيف خيال..)

الهوية هنا ليست معطى وتحاول أكمال نواياها في صيغ التحقق في الأخر المعشوق بل الهوية هي تأويل شعوري للذات ينتهي بمدلول حاسم هو صورتها النهائية في المعشوق
ونعني بالتأويل الشعوري للذات هو ممكناتها في النزوع بالخلاص من أي ترسب أو ركود أو سكون أو عزلة أو غربة أو حرمان أو أختزال والخلاص هنا يتم عبر الهروب بالحب الى الحب باعتبار الحب هو الهوية الجامعة المتحركة كمغزى (كيف يكون الرقص، على أطراف الأصابع؟
وشهقة طال الصدى منها صوتي..
حتى هدأت، تحت جناحك..
يا بلسمي
تلك الجراح، آن لها أن تطيبَ، من ذلك الدواء..)

ولكن ما هو الجسد هنا؟ الجسد هو مغزى حقيقي وجمالي سيال في قوالب يعرض عليها فهو ثاوي ليس في ماهيات الأجسام أو الأفكار أو الكلمات بل يتشكل في العلاقات بين القالب وبين صيغ فعل القالب فمثلا جسد الوردة ليس لونها ولا شكلها ولا عطرها هي مقومات جسمها وجسدها هو سياق العلاقة بين جسمها وبين المدلول الذي وقعت في سياقه وعلى هذا يمكن فهم الجسد وبحسب الناقد رسول محمد رسول وعلى حد تعبيره بانه (كينونة رمزية وايحائية واشارية وأيقونة تضاف الى الأجسام من خلال تمثيل الأنسان لها لتحقق وجودها المرئي)
لكن هذا التحقق يختلف من استعداد معجمي من ذات لأخرى ما الذي يؤسس المسافات الحقيقية بين الشيء في نفسه وبين الشيء في ممكناته الأدبية وحيث تكون اللغة هنا الوسيط الأشد خطرا في التلاعب بمقاسات المعاني والتسلل الى شعورنا لترويضه نحو هذه المقاسات. ان هذه المقاسات هي مقاسات متغيرة وهي ما يطلق عليه بالنص الادبي كونها تولد قراءات لا تتطابق مع الواقعة (او بما يمكن ان تتوقعه منها في الوعاء الاجتماعي) التي يتحدث عنها النص لأنه ليس نصا مرجعيا يمكننا ان نصححه وفق الواقعة (الشيء في ذاته) يقول كارلهاينتس شتيرل (يسمح كل نص مرجعي بالتصحيح استنادا الى الواقع فان النص الادبي يترك بينه وبين الشيء الذي يعطى – فاصلا- وهذا الفاصل غير قابل للتصحيح بل هو قابل للتأويل أو النقد فقط.
ان ما نعنيه بعدم قابليته للتصحيح هو (ادبيته) لان الادبية كما افهمه هي التوقعات والمتجهات الغير محسومة
وبهذا يكون الجسد (موجود افتراضي في أصله وحقيقي عندما يتفاعل مع غيره في لحظة يحض فيها الخطى لظهوره وحضوره وفرض ارادته الجسدية)

يتجه نص زهراء ناجي للجسد بهذا المفهوم 

كي يجعل منه بنية دلالية كلية وهو يتعقب كل مفرداته وعيا منه بان كل مفردة في هذا الجسد هي دال على عوالم شاسعة في لم هذا الأغتراب والحرمان فالجسد سيمائيا (يلغي نفسه كموضوع من موضوعات العالم ليقدم نفسه باعتباره ما يخبر عن هذه الموضوعات وما يدركها وسيكف أيضا عن ان يكون منبعا للغايات العملية والحركات النفعية الناتجة عنها ليتحول الى شاهد تشكل مظاهره البناء الثقافي) اذن هو شاهد على الأغتراب والحرمان والتوجع بهذا المفهوم شاهد بكل مكرماته السيمائية ومواهبه فالمعجم ( ذراعيك / انفاسك / قلبك / اضلاعك / خطوط يدك / خدك / همهمة الشفة / عقل / روح ) هو معجم ساكن وهبته الرغبة ( كيف ذلك الهدوء / أأطلب السكينة / أتنقل بين قلبك – أمانك – أحتضانك- كيف يكون الرقص – يا بلسمي هدأت فاتركني هاهنا بين ذراعيك ) معجم الرغبة الحركي المتموج والمسافر في مضامين الانصهار هو من وهب الجسد شكل تمظهره وبروز كينونته وبعبارة أعذب تكون الرغبة هنا زمنا عاشقا والجسد مكانه الأبدي الرغبة هنا قالبا معروضا عليها الجسد لتحركه نحو تجلياته ومرتكزات هذه الحركية ((( التنقل في مساحة الصدر ( تناسل تجاذبات الحب والحنان والتوحد ) / خطوط اليد ( التقاط جبار وذو عمق وصورة شعرية خلاقة فخطوط اليد ومكوث العين فيها ليضرب سر الحب بهزات لا يكاد المرء يتحملها نظرا لجماليات هذه الموقع ورسوم الخطوط التي تتسامى الى دلالات في سياق العاشقات والعاشقين والأدهى ان الانتقال هنا مضبوط بإيقاع جسدي رائع فالخد مقابل الكف والنظرة على خطوط اليد المتضمنة قبلة توارت خلف المجاز مقابل قبلة على الخد ) / همهمة الشفة تتحول الى رقص على الأصابع على منصة ( كيف ) التي لعبت دورا رائعا هنا وصولا الى الشهقة
سكون الجسد المتحركة بفعل الجسد الراغب فان هذا الراغب ينتهي بسكون رائع فالدائرة مغلقة تبدأ بهدوء
كيف ذلك الهدوء بين ذراعيك؟! / وتنتهي / فأتركني ها هنا بين ذراعيك
السكون هنا للجسد المعشوق هو دال مضمر لأنه ظرف تحرك الجسد الثاني فكلاهما حالة تدليل متواصل دواء وداء وعزف وراقصة وشهقة وسمع وهدوء وحضن وخد وقبلة اننا ( لا نتحدث عن سكون النوم او الموت فالأول تأجيل للمعنى والثاني غياب مطلق له ان سكون الجسد جزء من ايماءاته وكما في النص فان الجسد في أنماط وجوده المتعددة والمتنوعة في حاجة الى طاقة سكونية محتملة لكي يكشف عن كامل دلالاته ذلك ان الرغبات وليدة الاشكال والاشكال لا تتحقق الا من لحظة سكون سابق ( ولا تدرك الا باعتبارها ما يفصل بين سكونين ) وفي هذا النص انبثق الجسدان كرغبة واحتضان يتوزع بين هدوءين
ومن ثم فان السكون (هو الوجه الاخر للفعل)

الرغبة هنا هي فعل الحياة في محو (رغم أوجاعي / تلك الجراح، آن لها أن تطيبَ، من ذلك الدواء..
/ والدموع التي كانت تزور عيني كل لحظة، حان الآنَ ذهابُها، من غير رجعة.. ) رغبة بـــ جسد يتجلى كــ (دواء / رجل / عقل / روح، يتسع فيها الحلم، وحتى المحال – وهنا صورة بلغت من الروعة ما بلغت) هذ ه الرغبة هي تأويل لتلك الجراح والأوجاع والدموع فكل هذه المسافة تأولت رغبة لجر الحياة من مخابئها (فأتركني ها هنا بين ذراعيك، حتى لو كانت رؤيآ من وهمٍ، وطيف خيال..)
قوة هذا النص بهذا الصور التي تحركت بها الرغبة وبهذا التنقلات والأشكال البصرية والحسية والروحية فإنها وبحسب سعيد بنكراد لا تشكل الرغبة كماهية لإنها لا تدرك فهي طاقة ذاتية يعيشها الفرد واقصى ما نفعله هو هو ان نرصد ونصف تمظهراتها اذن هذه الصور والاشكال تشكل الوجود الرمزي لطاقتها) انها وبحسب كريماس كما يذكر سعيد بنكراد (الممثلين الكنائيين الين يتحركون نيابة عن عامل واحد ووحيد)
ورغم هذا سنقول عن كل عضو هو مصدر رغبة.
في هذا النص كل عضو تحركت عليه الرغبة هو ملجأ خلاص وعلى هذا الأساس وكما جاء في الدراسة فان هوية الجسد وكما جاء في تضاعيف الدراسة (ليست شيئا أخر غير مجموع اشكال تجلياته) وستكون (الرغبة هي هذه الحالة النفسية الديناميكية هي هذه الحركة او الحالة الداخلية هذه الكثافة الشعورية المشحونة بالصور والأشكال)
ان هذا النص ذكي بما فيه الكفاية ليفتح قنوات التفاهم بينه وبين المتلقي لأنه امسك بجمرة الشعر المحض دون الاستعانة بلغة المجاز والانزياح والبلاغة كثيرا بل أبدل ذلك بحركية الجسد كموسيقى شعر وبالمشهد الكلي كشعر فحركية الجسد هنا هي بلاغة الصورة الواقعية والمغزى النصي بكليته هو اللغة الحقة

ان هذا النص يعلمنا بلاغة الواقعيات التي دسها في (محض خيال) فياله من خيال خلاق مارس الأبدال بين اللغة والجسد 

 ولأن وكما يصرح الشاعر العراقي الرائع عبد الزهرة زكي (جوهر الحياة وسرها هو الروح والروح في الشعر هي الكيفية التي يضع عليها شاعر معنى شعريا في قصيدته وينجح في هذا الخلق حتى وان كان مجرد زجاج متحطم موضوعا لقصيدته في الفن ومنه الشعر لا تقترن الحياة في قصيدة بتعبيرها عن حي الحياة في الفن ومنه الشعر هي ما يجسدها التعبير الحي)
هكذا تقدم الحياة فلنرتمي في احضانها (حتى لو كانت رؤيآ من وهمٍ، وطيف خيال..)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرجعيات الأقوال المستشهد بها بين الأقواس
1- السيمائيات مفاهيمها وتطبيقاتها / سعيد بنكراد
2- طريق لا يتسع الا فرادا / عبد الزهرة زكي
3- الجسد المتخيل / رسول محمد رسول
 




أصل النص

محض خيال
كيف ذلك الهدوء بين ذراعيك؟!
أأطلب السكينة من أنفاسك؟!
أم أتنقل بين قلبك وأضلاعك؟!
أمانك وأحتضانك.
خطوط يدك، أم قبلة على خدك؟
أحتارُ ما أختار؟
همهمة تطبقها تلك الشفة..
أصبحتُ أعشقها، فما زال صوتها في أذني..
يشق أوتار العزف في داخلي..
تتراقص روحي له، رغم أوجاعي..
كيف يكون الرقص، على أطراف الأصابع؟
وشهقة طال الصدى منها صوتي..
حتى هدأت، تحت جناحك..
يا بلسمي
تلك الجراح، آن لها أن تطيبَ، من ذلك الدواء..
والدموع التي كانت تزور عيني كل لحظة، حان الآنَ ذهابُها، من غير رجعة..
رجلٌ أنت ما بين العتمة والضوء والحقيقة، ومحض الخيال.
لا.... أنت عقل بجسدٍ، روح، يتسع فيها الحلم، وحتى المحال.
فأتركني ها هنا بين ذراعيك، حتى لو كانت رؤيآ من وهمٍ، وطيف خيال..

***********************************************************************************
قراءة نقدية رائعة من ناقد مبدع لنص جميل لشاعرة واديبة متميزة .. دام التألق والإبداع إن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم