قراءة سيميائية في القصة القصيرة "شمطاء" للإديب: أسامة الحواتمة /الأردن بقلم الأديبة الناقدة: منى أحمد البريكي/ تونس



مقدمة  نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء  وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء  المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص  وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..  وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره،   أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله..   إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:


مقدمة  نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء  وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء  المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص  وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..  وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره،   أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله..   إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:


قراءة سيميائية في القصة القصيرة "شمطاء"
للإديب: أسامة الحواتمة /الأردن
بقلم الأديبة الناقدة: منى أحمد البريكي/ تونس

مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء

وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:


***********************************************************************************


النص
شمطاء:

تِلْكَ الَّتِي هَجَرَتْ قَطِيْعَ الْأَبْقَار، لَمْ يُرَوِّض جُنُوْنَ حُلْمِهَا هُدُوْءُ الْمُحِيْط؛ حَطَّتْ حِذَاءَهَا الْأَيْمَن فِي كَنْعَان، مَصَّتْ أَوْرِدَةَ الْشَّرق. لَمَّا أَوْحَلَتْ بِنَهْرِ الْأُردُنِّ عَرَجَتْ بِلَا إِسْرَاء.

"تعني القراءة هنا (في السيميائيات الأدبية  )تشغيل مجموعة  من عمليات التحليل وتطبيقها على نص معطى وتقدم هذه القراءة نفسها كإنتاج مقابل للوصف أو الشرح الكلاسيكي للنص الأدبي،إنها قراءة لاشتغال النص أي للعمليات التي تؤسسه كنص من النصوص." *1*
 نص ذو مرجعية تاريخية تربط بين ماض بعيد  وحاضر تتحالف عليه إرهاصات واستحقاقات عدة، لم يعتمد فيه الكاتب خطابا سياسيا مباشرا مجته الأسماع وسئمته الأنفس بل توارى خلف ستار مفردات ملغزة نظمها في بناء قصيجة متكاملة الأركان،احتفت بالتكثيف بما هو بياضات مرصودة  وتجنب لتسطيح الفكرة وإثارة للتداعي الحر للمعاني وحذف وتبئير للأحداث يتتخللها المجاز ويسودها الرمز كغموض دلالي يستخدم اللفظ للتعبير عن فكرة، أو حادثة بعينها ،فيه طاقات إيحائية فكرية ولفظية أيضا، مع تقديم بعض الإشارات الارتباطية والقرائن  الجغرافية والتاريخية ؛ ليختمها بقفلة مدهشة ومفارقة لا يشوبها نشاز أو ضعف فيها استعارة  من النص القرآني. وقد حقق فيها فجائية الاشارة.
لذلك ارتأيت في هذه الدراسة أن تكون قراءتي للنص أفقيا وعموديا  لأن "القراءة في استعمالها العادي خطية من جهة اهتمامها بفك ألغاز الصيغة الخطية للمكتوب وعمودية من جهة اختراقها لأفقية المنطق الخطي،نحو منطق عمودي يقصد فيه إلى إدراك الدلالات المنطوية والمتوارية في ثنايا المكتوب."

* 2*
أولا :العنوان


يبدأ التشابك السردي من العنوان "شمطاء"صفة مشبهة تدل على الثبوت من الفعل الثلاثي المجرد شمط أي اختلط سواد شعرها ببياض لتقدمها في السن ويقال أيضا شمط ماله :خلط حلاله بحرامه.
والشمطاء هي الشخصية التي أشار إليها الراوي من البداية
تلك التي
"تلك اسم إشارة للمفردة المؤنثة البعيدة.اللام فيه للبعد والكاف المفتوحة لخطاب المفرد المذكر يستعمل للتلويح بشيء يفهم منه المراد،يمكن أن يكون علامة أو رمزا أو حركة.
التي إسم موصول مبهم معرفة للمفردة المؤنثة ولا يتم إلا بالصلة ." *3*
اذن هذه النكرة كانت أول وصيد للنص الذي يخبرنا عما اقترفته يداها وقد اختار الكاتب أفعال المتن [هجرت ،لم يروض ، حطت، مصت ] في دلالة زمنية للماضي وهي رابط يسقط اللحظة الآنية على وقائع تاريخية بعينها. تثبت وتؤكد أن راعية البقر شمطاء مجنونة لا تتورع على ارتكاب الجرائم منذ نعومة أظافرها.
وقد أشار إليها الكاتب ساخرا.

ثانيا :التكثيف

لنستدعي المغزى من الجمل التي ساقها الكاتب تباعا
مع الملاحظة أنه قد قدم لنا مسبقا مفاتيح توضح غموض الرموز جزئيا أهمها القرائن الظرفية (مكانا).
أ_ [تلك التي هجرت قطيع الأبقار،لم يروض جنون حلمها هدوء المحيط .]
إحالة على أفلام الكاوبوي التي مجدت الرجل الأبيض الوسيم والشجاع الذي يخوض الحروب  في رحلة بحث متواصلة عن أرض الميعاد .أرض السلام والطمأنينة التي يعتقد اليهود أنها أرضهم الموعودة .
وهذه الشمطاء أمريكا بكل جبروتها وتاريخها الدموي الذي بدأته مع الهنود السكان الأصليين للقارة قد سارت على نهجه مع بقية الشعوب .

روض فعل رباعي من معانيه :(أدب، أخضع ،طوع ،هذب )وهو ضبط السلوك عن طريق الثواب والعقاب غير أن الريض من الدواب الذي لم يقبل المشية ولم يذل لراكبه . وحلم أمريكا ريض لم يقبل الانضباط والقوانين الدولية ولم  يرهبه هدو ء المحيط الهادي الذي وقف حاجزا أمام وكيلها بأرض فلسطين ولم يحكم تدبيره في محاولة لاجتياز المستنقع فغرق في الوحل.
ب_[حطت حذاءها الأيمن في كنعان،مصت أوردة الشرق. ]

يقول منير العكش، الأستاذ بجامعة سفولك الأميركية: "تعتبر قصة الإنجليز الذين أسسوا أول مستعمرة فيما صار يُعرف اليوم في الولايات المتحدة بإنجلترا الجديدة، الأصل الأسطوري لكل التاريخ الأميركي.. وما يزال كل بيت أميركي يحتفل سنويا في عيد الشكر (Thanksgiving) بتلك النهاية السعيدة التي ختمت قصة نجاتهم من ظلم فرعون البريطاني و(خروجهم) من أرضه، و(تيههم) في البحر، و(عهدهم) الذي أبرموه على ظهر سفينتهم مع يهوذه، ووصولهم في النهاية إلى (أرض كنعان). كل تصورات العبرانيين القدامى ومفاهيمهم عن السماء والأرض والحياة والتاريخ ،زرعها هؤلاء المستعمرون الإنجليز في أميركا التي أطلقوا عليها اسم "أرض الميعاد" و"صهيون" و"إسرائيل الله الجديدة" وغير ذلك من التسميات التي أطلقها العبرانيون القدامى على أرض فلسطين."
أمريكا المأخوذة بسحر الشرق وثرواته ونفطه غرست كيانا
إرهابيا ما انفك ينفذ كل أجنداتها في التوسع والسيطرة  على كل المنطقة ،فكانت مصاص دماء ولغ في أوردة الشرق إلى حد التخمة لتتركه يعاني الإفلاس والتشرذم بعد أن سممته بالدواعش والانقسامات والصراعات.

ج_[لما أوحلت بنهر الأردن عرجت بلا إسراء . ]
تأتي  هذه القفلة المدهشة لتدعو القارئ إلى ملامسة المعنى وسد الفراغات بدلالات مختلفة شكلت انزياحا من ماض تليد إلى لحظة فارقة عرج فيها العدو عند منعطف نهر الأردن في معركة مرغ أنفه فيها بالتراب والوحل.
ونلاحظ في [عرجت بلا إسراء  ] تناصا سيميائيا مع الآية الكريمة  "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" *4*
مع سياق معراج نبينا الأكرم صلوات الله عليه ليلة السابع والعشرين من رجب إلى  السماء بعد أن انعطف إلى بيت المقدس وصلى فيها.
لكن هذا التناص مبني على التضاد والانزياح إلى سياق مباغت
رسمه الكاتب ضمن مفارقة لفظية  ملحوظة في مجال إشاري يحيلنا الى تأويلين مختلفين لحدث أصلي "عرج إلى السماء "وحدث النص"عرجت بلا إسراء ." وبذلك يمكن أن نعتبرها ذات بعد تواصلي فيه الإيحاء
والكناية.
فالفعل "عرج" له معان وتاويلات عديدة
_عرج بالمكان :نزل به ،مر به وتوقف عنده.
_عرجت الشمس:مالت للغروب
_عرج على الجبل حتى وصل القمة [تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. ] *5*
_عرج عن الشيء :انصرف عنه ،عرج عن الطريق غير الممهد.
_عرج البناء أو النهر أو الخط؛:ميله.
_عرج :مشى مشية غير سوية بسبب علة طارئة أصابت  إحدى رجليه،الظلع.
_تعاريج النهر :منعطفاته العرجة

ولأن الإسراء رحلة تجل وانعتاق من الجسد نحو عوالم روحانية بامتياز والتحليق بعيدا في عالم المعنى ؛فقد أخفقت الشمطاء العرجاء "أمريكا " بما تعنيه من قوى استعمارية بغيضة وبما تحمله من رغبات دموية [بلا اسراء ]في تحقيقه،
 وعرجت عند منعطف نهر الأردن الذي كان عصيا ومازال وسيبقى معتزا بما أنجزه (بعد هزيمة الكيان الصهيوني الغاصب في ملحمة الكرامة الخالدة " 21-03-1968".. زار (ليفي شكول) رئيس وزراء الاحتلال, أمريكا والتقى بالرئيس الامريكي آنذاك (ليونيل جونسون ) الذي عاتبه لخوض معركة بهذا الحجم وخسارة الأرواح والآليات بأعداد هائلة دون استشارة الولايات المتحدة الأمريكية  وأخذ الإذن منه شخصيا  قبل المعركة ....
قال ليفي شكول :
يعلم سيادة الرئيس أن كافة الأراضي غربي النهر ..هي  لنا .
هزّ جونسون رأسه بالإيجاب مؤكدًا ، هذا صحيح ..
فأكمل شكول ؛
 ما لا يعلمه سيادة الرئيس أن شرقي النهر أيضًا لنا .
ولا تحتاج دولتنا لأخذ الإذن لاستعادة أرض الميعاد.. وتركة الآباء والأجداد..)
 تماما كما تقف  اليوم أمريكا عاجزة عن تمهيد طريق الحرير الذي تسعى الصين لإحيائه؛ آناء رحلة جنون حلم منفلت بالسيطرة القصوى على مقدرات الشرق الأدنى،
  وفي خطوة غير محسوبة أصابها العرج وهي تتنافس مع قوى أخرى .لا يجمعها بها غير محاولة التموقع والاستقواء تحت مسميات مختلفة. وهنا إيحاء واستثارة للسقوط الحر الذي تتخبط فيه الحضارة الغربية ككيان مستبد يحمل جذور اضمحلاله بذاته لأنه جبل على الاستبداد والعدوان وسيزول ضمن سيرورة تفسح المجال لحضارة الماء مصدر خصب كل الكائنات الحية في كل مكان وزمان.
وفي خضم هذا الصراع المحموم  الذي ترزح تحت وطأته فلسطين وسوريا والأردن والعراق وليبيا ومصر خصوصا.
 نجد الحواتمة يشهر سلاح القلم  في محاولة منه لبث روح المقاومة والثقة بالنفس في مواجهة العدو الصهيوني؛
 كمثقف عضوي يحمل هموم وطنه فيكون إبداعه معبرا عن ذاكرة مجتمعية وحاجة ملحة للأمل والحلم بالانتصار والتحرر.

 أخيرا ،آمل أن أكون قد وفقت في استخلاص الوضوح من الغموض واقتفاء الماضي من لحظة الحاضر دون تعسف على النص.
الهوامش
*1* محمد حمود "تدريس الأدب" :استراتيجية القراءة والإقراء
منشورات ديداكتيكا (الدار البيضاء )1993
*2*محمد حمود  "تدريس الأدب "أفق التوقع  أو انتظارات القارئ. ص18
*3*قاموس المعجم الوسيط /اللغة العربية المعاصرة
قاموس المحيط.
*4* الآية 1 من سورة الإسراء.
*5* الآية 4 من سورة المعارج.

************************************************************************************

نص جميل وقراءة رائعة، دام التألق والإبداع، وبوركت جهودكما الطيبة، بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم