(الحكيم والشارد) قصة قصيرة بقلم الأديب: عبد الله بكري - اليمن

 (الحكيم والشارد) قصة قصيرة بقلم الأديب: عبد الله بكري  - اليمن
الأديب: عبد الله بكري - اليمن

مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. إلى النص:


***********************************************************************************

 (الحكيم والشارد)
خرج كعادته الى تلك الفيافي والقفار ، شاردا في دروبها لعله يلقى متنفسا من ضوضاء الحياة المليئة بالمتناقضات . حياة أوغلت احزانا عظيمة داخل قلوب لا تستحق الاحزان، ، أصبحت المصائب تحيط بهم  من كل الاتجاهات ... هكذا هي الحياة يعيشها هذا الشارد . اناس فعلوا المستحيل وحاكوا له الدسائس ، ليقع ويتعثر في هذه الحياة ، بالإضافة الى صعوبة العيش الذي اثقل كاهله ، فأصبح رفيق لثلاثة , الاحزان ، الهموم ، الدموع ...
خرج ليكتب بخطى اقدامه التي تعودت ان تشرد به بعيدا عن مكان لا يطيقه عباره مضمونها اين الطريق والمخرج من هذه الحياة المريرة ، يتلفت يمنة ويسرة .. لا يرى احد ، جد في السير ، فأنهك المشي اقدامه ، وبينما هو يسير فإذا بتلك الارض الخضراء ، وذلك الوادي المتدفق العذب .
وفجأة اذا بصوت .. يا هذا... يا هذا , فالتفت يمينا اتجاه الصوت ، فإذا بشيخ عجوز ينادي عليه من تحت ظل شجرة وارفة الظلال ، فتقدم اليه بخطى بطيئة وكأنه يخشى من شيء ، فقال له الشيخ تعال يا ولدي ولا تخشى شيء ، ارى عليك أثر من جروح الحياة ، ويجب ان تتعلم لهذه الحياة . فأقبل اليه الشارد مسرعا وكأنه لقي ضالته وجلس امامه .
فقال له الشيخ يا ولدي أرى على وجهك أثر الزمان ، وارى على وجنتيك أثر الدموع ، وارى جسمك نحيل ، وشكلك بالكامل دليل على جروح عميقة , تنزف في داخلك ، فما بك يا ولدي ، قل لي فأنا الشيخ الحكيم تعلمت من الحياة بعد أن خضت تجاربها ، وسأدلك على الطريق الى الحياة لتعيش بسعادة وطمأنينة إن شاء الله .

 (الحكيم والشارد) قصة قصيرة بقلم الأديب: عبد الله بكري  - اليمن

فإجاب الشارد ، انا يا حكيم الزمان أتيت الى هذه الدنيا بقلب ابيض ، احمل به الفضيلة للعالم بكاملة وليس للرذيلة أي مكان عندي ... اتيت لأقدام لمن حولي أجمل واروع وانبل معاني الحب والتقدير والاحترام ... اتيت وما كنت ادري ان من حولي أشبه بالثعابين ..., أتيت لأفتح عينيه على واقع مرير ....
فقال له الحكيم ، الصبر ..الصبر ، فالصبر  هو الشيء المهم الذي يجب التحلي به عند احساسنا بالملمات ، والاقدام على شيء ما ، فبالصبر ستهزم اكبر المصائب , وتقهر مرّ الزمان ، فالصبر يا ولدي هو القاعدة الاساسية للصمود في هذه الحياة .
و يا ولدي إن الحياة وجدت لنحياها ، ولكي نحياها يجب ان نعرف مع من نتعامل ؟ ، وكيف نتعامل ؟ ، فالناس اجناس ، ككلمة وضدها .
فإذا وجد الأشرار ، فيقينا يوجد الاخيار .
وان البشر في هذه الحياة ليسوا على قلب رجل واحد ، وان الاختلاف قائما بينهم مادامت الحياة ، وان كل انسان له رأيه ،  ويجب ان تحترم آراء الآخرين حتى وان لم تتفق معهم .
ويا ولدي كن عزيز النفس وقف على قدميك ، وتحدى الصعاب ، وانظر الى الامام ، ولا تنظر الى الوراء ، فإن الانسان لكي يكون في هذه الحياة ، يجب ان يكون شجاعا صابرا لا تكسر همته الأزمات .
ولكي تكون ناجحا يجب أن يكون لك هدف في الحياة ، تشتغل به وتحاول الوصول اليه كلما سنحت لك الفرصة . وابحث لك عن عمل حتى تعيش وتشغل نفسك فيما ينفعك ، فالحياة تحتاج منّا ان نعمل ، واياك ورفيق السوء ومجالسة المحبطين ، الذين يفسدون همتك ويحبطون عزيمتك.
فترقرقت الدموع من عيني الشارد وانسلّ يبكي ، فيمسح الحكيم دموعه ,  وقال له يا ولدي إذا اردت ان تبكي فبكي بعيدا عن أعين الناس ، فإن فيهم عدواً يحب ان يراك ضعيفا ، وحاقداً يحب ان يراك تعيسا ، وكن شامخا شموخ الجبال ، وامشي برأس مرفوع لا تهزك النكبات ، وان اثرت فيك فتظاهر انها لم تفعل فيك شيئا ، وكن مثل البحر يوجد بداخله اللؤلؤ والثمين ويرمي بالميتة خارجه ولا يقبلها ...
فهز الشارد رأسه وقال انها خانتني ولكن قلبي لم يقوى ان ينبذها فكيف اعمل ؟
فرد الحكيم وقال ، يا ولدي املئ قلبك بالحب الطاهر العفيف ، فالحب ... الحب اجمل ما تحمله القلوب ، الحب هو الحياة ، والحياة هي الصدق والوفاء والاخلاص والتضحية ، الحب لا يقبل شيء اسمه الأثرة والحياة على حساب الغير ، الحب روضة لا يعيشها الا الصادقين ، الحب من عاشه بمعانيه الحقيقية فإنه انسان يمتلك الفهم والمعرفة بالحياة بقدر ذلك الحب ... لذلك لا تبكي ولا تندب حظك من اجل انسان خانك وفضل الغير عليك ، ولكن قل الحمدلله ، لأنك عرفته على حقيقته وسريرته ونواياه الخبيثة ، ولا تظن ان الحياة توقفت عند هذا الانسان ، بل ثق ان الحياة مليئة بالأخيار والافياء مثلك ..
فيقول الشارد وان ضاقت عليه الديار .. لا لقمة عيش هنيئة ، و لا واقع فيه شعاع من نور.. الدرب طويل ، والاماكن مظلمة.. ولا سند اتكأ عليه ، وكل احلامي سراب ..  وتنهمر الدموع من عينيه
فيضع الحكيم يده على كتف الشارد ويقول له  يا ولدي ان الدنيا لا تستحق البكاء من اجلها ، فما هي إلا ممر ، وليست مستقر ، ولكن اذا ضاقت عليك الديار فهاجر الى ديارٍ غيرها ، تجد فيها سعادتك ورزقك ، وجعل نصب عينيك ان تعتمد على نفسك لتسعد حياتك ، ولا تظن ان مفاتيح سعادتك بيد الغير ، بل هي بيدك ، فلا تتوانا ان تفتح الابواب لتعيش حياتك السعيدة . وعلم ان الاخلاق والثقة بالنفس والطموح والارادة والعمل ، فإنها حتما وبلا شك كلمات  تحمل في طياتها معانٍ سامية وتصنع انسانٍ ناجح في الحياة .
فعد الى حياتك يا ولدي ، وبدأ من جديد ، ولا تبكي على الماضي فأنت ابن الآن ، فبدأ من الآن ، ولا تنتظر المعونة من أحد ، ولا تنسى دائما ان تتوكل على الله فمن توكل على الله فهو حسبه ...
فقام الحكيم وانهض الشارد وقال له يا ولدي ذلك هو الطريق فانطلق الى حياتك وسعادتك ...

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم