"أنا رواية نفسي" قصة قصيرة بقلم الأديب / عبد الرؤوف أبو معاذ روافي - تونس Short Story

"أنا رواية نفسي" قصة قصيرة بقلم الأديب / عبد الرؤوف أبو معاذ روافي  - تونس  Short Story


"أنا رواية نفسي" قصة قصيرة بقلم الأديب / عبد الرؤوف أبو معاذ روافي  - تونس.


مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.. إلى النص:



***********************************************************************************

أنا رواية نفسي


ترجّته مرارا ألّا ينال منها. لكن شهوته كانت أقوى...كيف لرجل مثله لم يطأ أرضا شهية مثلها أن يقاوم هذا الكوم من اللحم المترامي أمامه بلا حاجز ... شَعر متعثكل يسافر على كتفين عاريين  و عينان نجلاوان زادهما بريق الدموع لألأة  و رقبة   شفافة زيّنتها خالات سوداء متناثرة  و نهدان يُطلّان من تحت قميص أحمر بينهما تربّع عِقدٌ ذهبي تمنّى لو كانَهُ...كيف لرجل  مثله -قالت عنه زوجته ذات يوم للقاضي إنها تريد طلاقه لأنه لا يمتلك ما به يُعرف الفحول فصار أضحوكة مجتمعه -أن يتنازل عن هذه الوليمة .

عادت تترجاه ثانية ألا ينال منها  عندما شرع في نزع ثيابه استعدادا للمغامرة  .ركعت بين ساقيه تبتهل باكية و هي تقول حياتي شرفي أو أهلك دونه. و أبدت استعدادها لتعطيه  كل ما تملك: نزعت عقدها الذهبي فأحس أنها تنزعه.  و فتحت محفظتها فأخرجت وريقات نقدية و بطاقة بنكية و استلت في ارتجاف أنثوي  من  بنصرها الأيسر خاتما من ألماس...جمعت كل ثروتها  ثم تقدمت نحوه في خوف و رجاء كجارية تضع طبق عشاء فاخر لسيدها.

كان يرمقها و هي تتمشى حافية القدمين تترجرج عجيزتها بين مد و جزر  فخُيّل إليه أنه يسبح بينها و استبدت به رعشة ذكورية لم يقدر على كبحها فلم يدر كيف وثب  عليها ...غرز أصابعه اليمنى في خصلات شعرها و شدّ بيده اليسرى خصرها و دسّ رأسه بين نهديها و ذاب فيها كقطعة سكر ...تملصت منه بأعجوبة لما قطعت رنات هاتفه  بحثه عن الكنز المفقود.

أهلا...كيف حالك ؟ ...لا   لم أره منذ أيام لعله معتكف يقرأ رواية كعادته ...اسف لا أستطيع...لي رواية باشرت قراءتها  منذ لحظات لكن مهاتفتك قطعت عليّ مغامرتي... وداعا.
عاد إليها  بعد أن جلب معه كوبين من عصير صناعي مستورد. ناولها كوبا فأخذته على مضض ...لن أشربه...لعله وضع لي فيه مسحوقا  من مساحيق التخدير.
لِمَ لا تشربين؟  جاء سؤاله كرنة الجرس أعادتها من هواجسها.
  سأشرب... سأشرب ...لكن دعني أسترح فقد آلمتني.  وضع كوبه على طرف طاولة كانت بجانب السرير و أشعل سيجارة. في حين ظلت هي تتصيد فرصة يجود بها القدر لتغير كوبها بكوبه.
طلبت منه في ذلّ كذلّ العصفور في القفص أن يناولها حبة أسبرين تساعدها على تسكين آلام رأسها  . توجه إلى الثلاجة و هو يقول: تبا لمن وضع قوانين الإحسان لأسرى المعارك .

جاء صوت زوجته من قاعة الأكل ثقيلا كسواد الليل :
-  العشاء جاهز يا حبيبي . نحن في انتظارك
- أنا قادم... تبا لعشاء يفسد تخميرة الكتابة و فتنتها.  ما أتعس اليومِيّ ...يقتلنا  مرات و مرات ...أ فلا سبيل إلى التحرر؟؟!!.
توجّه إلى بيت الاستحمام  . غسل يديه  ثم إلى قاعة الأكل فتحلق مع زوجته و أولاده الثلاثة  حول طاولة صُففت  عليها صحون كثيرة ،مرق و لحم مشوي و سلطة خضر و بعض غلال...و على الموقد لايزال الشاي الأخضر يُطبخ على نار هادئة.
ملأت كوب الماء و هي تقول هل أنهيت الرواية؟ أشار إليها بسبابته اليمنى و  قال  في صوت لا  يكاد  يسمع : ليس بعد و لكنني أوشكت . ما أصعب النهايات يا حبيبتي.
  حتى البدايات صعبة ، ردت الزوجة بكل برود . و ماذا فعل الخاطف بالفتاة؟ جاء سؤالها كسلطة الخضر أنواعا من الاجابات ...ألوانا من المذاقات...فتحامل على نفسه و قال:
لم يقرر بعد. أ يروي ظمأ ذكورته ليثبت كذب زوجته أم يقتلها انتقاما من أبيها الذي طرده شر طرد ؟
- وما كان أمرهما؟
- اكتشف -بحكم عمله الموصول بالحسابات- أن أباها المدير قد تلاعب بمبلغ مائة و ستين ألف دينار في صفقة وهمية لكراء أرض فلاحية على ملك الدولة  لأحد أصحابه من رجال الأعمال. توقفت الزوجة عن الأكل للحظة كأنها لا تصدق ما يقال. ثم عادت إلى قضم  الخبر بعد أن غمسته في صحن المرق و قالت كالمستفسرة: و ماذا كان من الخاطف ؟التفت إلى ابنه الصغير و هو  يشير  عليه بأن لا  يعبث بالصحن  و قال: طلب من المدير نصيبه من الغنيمة بعد أن احتفظ بنسخة من الوصولات كان يتهدده بها. ناولت ابنها الأوسط شريحة لحم مشوي و أمرت ابنها البكر أن يراقب الشاي على الموقد مادام قد أنهى الأكل ثم سألت زوجها بكل اهتمام و لهفة:
 و كيف كان موقف المدير ؟ استدار إلى الساعة الحائطية ليعرف الوقت ثم أخبرها في شيء من السخرية :
أعطاه عشرين ألف دينار شرط أن يعيد له النسخة و أن يمضي بالبصمة على ورقة تعهد فيها  أن لا يطرح هذا الموضوع ثانية.
- لصوص  ...كلاب دولة....مصاصو  دماء ....و لكن كيف طرده؟
- طلب منه المدير الحضور إلى مكتبه  ليراجع له بعض الحسابات بعد الدوام . و وعده بنصيب على كل زلل يكتشفه، اذ جاءه خبر من أحد عيونه أن دائرة المحاسبات العمومية ستأتي غدا للمراجعة.
قدمت له شيئا من سلطة الخضر و هي تقول: ثم ماذا؟ أخذ الصحن و هو ينبش فيه بحثا عن قطعات  شرائح الطماطم ثم قال: لم يدر أن مديره قد دبّر له فخّا .لقد  ثبّت جهاز تصوير على  ستائر النافذة المقابلة لمكتبه و أمر الحارس الليلي أن يتصل بالشرطة بعد ساعة  من مغادرة الموظفين للوزارة .و كان قد وعده بأن ينزّل اسمه ضمن قائمة العمال الذين سينالون حقهم في الترسيم....و ما هي إلا أيام معدودات حتى وجد نفسه أمام قاض بتهمة تسريب أوراق سرية جدا و خيانة مؤتمن. فعُزل من العمل و نال ثلات سنوات سجن رغم  الاستئناف...و الحارس الليلي  لم يترسم بعد...
- وماذا ستختار أنت لها ؟ أ لست صانع مصيرها!!!
- أنا ممزق بين خيارين إما أن يذلّ أباها بشرفه أو أن يقتلها ليُطيل  عمره في البكاء عليها . هلا جدت عليّ برأيك و أنت المرأة . أيّ الخيارين  أجدى؟
-   المرأة يا حبيبي لا يقتلها الموت و لا يذلّها الشرف بل يقتلها الحب و تذلّها الخيانة ..فلِمَ لا تجعل بينهما قصة حب تلد من رحم المأساة ...بها يكدحان لنحت الإنسان...إنسان  بلا عنوان سوى الكيان...
- فلسفة قديمة و لكنها ممكنة لو كنا في الجنة...أما نحن اليوم في غابة الذئاب ...ذئبية المال و السلطة

تناول قطعة لحم مشوي و ما أن رفعها إلى فمه حتى لمعت في خاطره فكرة فقال لها: هذا اللحم مصيره الفناء تماما كاللذة لا تقوى على الخلود أما القتل فيصبح تاريخا. توقفت عن الأكل و نهضت لتراقب الشاي و هي تقول: أراك قررت قتلها ؟ فأجاب ببرود :نعم ..." نحن نكتب الرواية كي نقتل الأبطال ".
تناهى إلى مسامع آمال  حوار الزوج و زوجته. و عاد مصطفى من المطبخ يحمل سكينا و هو يقول:لم أجد ما يسكّن أوجاع رأسك. صاحت كالمجنونة: أرجوك لا تفعل ..لا تقتلني ...لي ولد و بنت لم ينعما بي و لم أنعم  بهما...أرجوك لا ترسلهما الى اليتم.
فتح كيسا أسود و أخرج منه حبة تفاح و شرع يعبث بها قائلا: أ هذه هي التفاحة التي كانت سبب نزولنا إلى الشقاء؟؟!!  يا للخرافة...نحن أبناء التفاح .
  ما رأيك لو نعيد المشهد لكن بتغيير الأدوار  أنت آدم و أنا حواء ...و هذه التفاحة بؤرة الإغواء...نلقي بها و لا نأكلها لعلنا نعيد إلينا الجنة...
جاء كلامه برزخا يتعانق فيه الجنون و الحكمة. و لم تدري كيف الخلاص.  أ تتعلق بحكمته فتحقق نبوءة الزوجة في قصة حب أم تنفر من جنونه فتزيده تهورا فتحقق نبوءة الزوج في القتل. كانت شاردة الذهن  لولا شيء من البشرية قضّ تفكيرها فطلبت منه دخول الحمام فأذن لها بلا مبالاة.
أغلقت الباب من الداخل بإحكام و سعلت سعالا قويا و هي تحرّك طاولة صغيرة وُضعت عليها بعض أدوات التجميل . صعدت فوقها ثم سعلت مرة أخرى بقوة أكثر و هي تهمّ  بفتح شبه نافذة و آلت على نفسها أن تتسلل منها كأنها الضوء بين الثقوب و ألقت بنفسها في شرفة الجيران.
 تسمرت في مكانها لمّا سمعت صوت مصطفى يناديها:هل أنهيت؟ كانت ممزقة بين مكابدة آلام السقوط على ظهرها و بين البحث عن قشة للإنقاذ...تراءى لها حبل الغسيل فسارعت لفكّ عقده  فلم تقدر . خالطها  شعور بالخوف فالوقت يداهمها و العجز عن فكّ العقد يربكها.
أقعت في زاوية الشرفة تقلب وجهها تارة تسترق النظر إلى أعلى  خوفا من لحاق مصطفى و طورا تحدّق في الحبل كأنها تترجاه أن تنحلّ عقده  كما ترجته في طفولتها أن تسقط من عليه صديقتها التي تمتطيه عندما كانتا تتنافسان في لعبة الأرجوحة حتى تحقق عليها فوزا . لمعت في خاطرها الفكرة . نهضت في شيء من العزم  و ارتمت بكل ثقلها على الحبل فانقطع. و بلا تفكير  سارعت إلى ربطه حول خصرها و تدلت حتى لامست الأرض.
كانت الطريق خالية إلا من أصوات الكلاب فتذكرت كلبها الذي كان يحتجزها ...سارت و الجدران بحذر شديد فلو كان الأمر  بيدها لتحولت شبحا لا يُرى...تذكرت  صوت الزوج يخاطب زوجته و هي تناوله كوب الشاي:  القتل البشري شنيع سأجعلها تموت موتا صناعيا...تدهسها سيارة و هي  تعبر الطريق . فآلت على نفسها الاّ تعبر الطريق...للمرة الأولى منذ ولادتها  ستراوغ القدر...إن نحن  أردنا الحياة فلابد أن يستجيب القدر...و حدثت نفسها:
أ ليس من حقي أن أختار مصيري؟؟؟؟
حتّام  سأبقى رواية لمصطفى يقرأ كل ليلة جارحة مني؟
إلى  متى سأبقى رواية لذلك الزوج يكتبني على حفلة العشاء؟
انا الآن رواية ذاتي...
عاد الزوج بعد العشاءلينهي الرواية فلم يعثر عليها....

***********************************************************************************
نص جميل لأديب مبدع، دام التميز والتألق، موفق دائما أن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم