عن (قصص مرعبة) ذو العين الواحدة مقال بقلم الاديب الناقد/ حمد حاجي - تونس Horror stories





عن (قصص مرعبة) ذو العين الواحدة مقال بقلم الاديب الناقد . د/ حمد حاجي - تونس   


مقدمة 
المقال هو فن نثري يقوم فيه الكاتب بعرض فكرة أو قضية أو موضوع ما بطريقة منظمة محببة للقاريء على أسس معينة 
ويستطيع الكاتب الكتابة في أي موضوع فليس للمقال موضوع محدد،  ولا يستطيع  التوسع في الموضوع إنما يقتصر على فكرة معينة أو قضية محددة،
والمقال قد يكون
- مقالا ذاتيا 
- أو مقالا موضوعيا. 

أجزاء المقال: 
- المقدمة
- العرض 
- الخاتمة 
خصائصه: 
أن يكون سهل الأسلوب دقيق العبارات حسن التنسيق وأن يوظف كاتبه حججه وبراهينه لتوصيل وجهة نظره، تناسق المقال مهم بحيث لا يفلت من الكاتب مفتاح المقال، ولا بد أن يكون المقال واضح المقدمة ثم عرض الموضوع أو الفكرة ثم الخاتمة والتي بها ينتهي المقال.
وعلى هذا يكون المقال فنا مهما 
يبرع فيه المتمكنون.. 
إلى المقال: 


***********************************************************************************

عن (قصص مرعبة )

ا========
ذو العين الواحدة


من الأساطير الغريبة الأخرى التي تطرقت لها المصادر القديمة هي تلك التي تحدثت عن مخلوقات ذات عين واحدة ، وهي مخلوقات كان لها شهرة واسعة لدى الإغريق والرومان ، وعرفت بأسم سايكلوبس (Cyclops ) ، وقيل بأنها من جنس العمالقة .

أشهر القصص والأساطير عن السايكلوبس هي تلك التي تتحدث عن بوليفيموس ، وقد ورد ذكره بالتفصيل في ملحمة الأوديسا لهوميروس ، قيل بأنه عاش مع قومه من العمالقة في جزيرة صقلية وكان يرعى الحيوانات ويقتات على لحوم البشر الذين يقودهم حظهم العاثر إلى جزيرته .

أحد أولئك الذين وقعوا في قبضة بوليفيموس هو بطل الملحمة أوديسيوس ورجاله الأثناعشر ، فقام العملاق بحبسهم في مغارته وأغلق عليهم درب الخروج بصخرة كبيرة ثم راح يأكل منهم في كل يوم اثنان .

أوديسيوس ورجاله فكروا في سبيل للنجاة من العملاق المتوحش ، وكان لدى اوديسيوس بعض الخمر فقدمه للعملاق الذي سرعان ما ثمل وداهمه النعاس ، وقبل أن ينام نظر إلى اوديسيوس وسأله عن أسمه ووعده بأن يكافئه لو أخبره الحقيقة ، فقال اوديسيوس بأن أسمه هو : "لا أحد " ، فقال العملاق بأنه سيكافئه بأن يستبقيه حيا حتى لا يبقى غيره من الرجال ليؤكل .


العملاق غط في نوم عميق بفعل الخمر ، وكان أوديسيوس قد هيأ عصا كبيرة وأجتهد في جعل رأسها مدببا حادا ثم قام بغرزها في عين العملاق النائم ، فأنتفض العملاق وهو يتخبط ويئن من شدة الألم ونادى على قومه لينجدوه قائلا بأن "لا أحد " غرز عصا في عينه الوحيدة مما تسبب له بالعمى ، فلما سمع قومه ذلك ضحكوا وتركوه ظنا منهم بأنه أصيب بالجنون .

في الصباح فتح العملاق باب المغارة ليخرج أغنامه ، وكان قد فقد نظره مما مكن أوديسيوس ورفاقه مع الهرب بعد أن أوثقوا أنفسهم إلى بطون الأغنام ، وما أن خرجوا من المغارة حتى ركضوا إلى سفينتهم على الساحل وركبوها وانطلقوا مبتدعين عن الجزيرة ، وفيما مركبهم يبتعد صاح اوديسيوس ساخرا من العملاق بوليفيموس ، أخبره بأن أسمه الحقيقي هو أوديسيوس وبأنه خدعه ، فضج بوليفيموس بالصراخ ومن شدة غضبه أقتلع صخرة كبيرة ورماها في عرض البحر نحو سفينة أوديسيوس ، وقد كاد أن يحطم السفينة لولا أن يد القدر امتدت لتنجي اوديسيوس ورفاقه .

قصة أوديسيوس مع العملاق ذو العين الواحدة بوليفيموس نجد لها انعكاس وصدى واضح في رحلة السندباد البحري الثالثة ، حيث أن السندباد ورفاقه نزلوا جزيرة مجهولة في عرض البحر واحتجزوا في قصر عملاق يأكل البشر ، وقد هربوا بنفس الطريقة التي هرب بها أوديسيوس ورفاقه .

الأساطير الإغريقية تخبرنا أيضا عن ثلاثة آخرين من عمالقة السايكلوب ، وهم الأشقاء برونتيس وستروبيس وارجيس ، كانوا من أشقاء التيتان ، وهم الآلهة الأوائل الذين حكموا العالم وكانوا من نسل ربة الأرض وإله السماء ، لكن انقلابا قاده الإلهة الشباب بقيادة زيوس أزاح الآلهة الكبار وأرسلهم إلى سجن عميق بباطن الأرض . الأشقاء الثلاثة اصطفوا مع زيوس ، وكانوا ماهرين جدا في الحدادة ، فصنعوا له سلاحه الفتاك .. البرق .

هناك أسطورة أخرى
عن ذوي العين الواحدة ، وهي تتحدث عن الشقيقات غراييا ، وهن ثلاث شقيقات ساحرات كن يتناوبن النظر بعين واحدة ، كل واحدة منهن كانت تنتظر دورها لتأخذ العين وتنظر بها .
المصادر التاريخية القديمة تحدثت أيضا عن وجود أمم من ذوي العين الواحدة ، قيل بأن قبيلة منهم كانت تعيش جنوب روسيا وتدعى اريماسبي (Arimaspi ) ، وهي قبيلة سكيثية من المحاربين الأشداء وكانت في حرب مستمرة مع جيرانها . في الفلكلور الألماني هناك أيضا محاربي الهاغين المرعبين . وفي ايرلندا هناك العملاق بالور الذي يموت في الحال كل من يجرؤ على النظر إلى عينه الوحيدة .

المصادر العربية والإسلامية

وردت العديد من الإشارات إلى وجود هذه الأمم الغريبة في كتب الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين . فلقد ذكر الشيخ الجغرافي العلامة العثماني محيي الدين أبن محمد الريس الذي تـ عام 962 هـ في خرائطه أن بأمريكا الجنوبية : (أمم من الناس وجوههم في صدورهم وليس لهم رؤؤس وطول الواحد منهم سبع أشبار وبين عينيه مسافة شبر وهم غير مؤذون وأمم أخرى وجوههم وجوه الثعالب والكلاب ) .
وقال العلامة زكريا القزويني في كتابه كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) في قسم – أمم غريبة الأشكال – قال منها - أمة (منسك) وهم في جهة المشرق لهم أذان مثل أذان الفيلة وكل أذن مثل كساء (وهم الذين طولهم وعرضهم سواء) –ومنها- أمة في جزائر البحر وجوههم مثل وجوه الكلاب وسائر بدنهم كبدن الناس يتقوتون بثمار الأشجار وأن وجدوا شيئا من الحيوانات أكلوه –ومنها- أمة لا رأس لأبدانهم وأفواههم وعيونهم على صدورهم ) .

وذكر في كتاب (العظمة) لأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني ، خبر عن هذه الأمم ، حيث قال بإسناد طويل نقلا عن رجل من أهل رومية : ( أتانا رجل في وجهه أثر خموش قد بقيت, فسألنا: ما هذا الذي بوجهك؟ فقال: خرجنا في مركب, فأذرتنا الريح إلى جزيرة, فلم نستطع نبرح, فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب, وسائر خلقهم يشبه خلق الناس, فسبق إلينا رجل منهم, ووقف الآخرون عنا, فساقنا الرجل إلى منزله, فإذا دار واسعة وفيها قدر نحاس على أثافيها, وحولها جماجم وأذرع وسوق الناس! فأدخلنا بيتا فإذا فيه إنسان قد كان أصابه مثل ما أصابنا, فجعل يأتينا بالطعام والفواكه, فقال لي ذلك الإنسان: إنما يطعمكم هذا الطعام, فمن سمن منكم أكله! فانظر لنفسك, وكذلك فعل بأصحابي. قال: فكنت أقصر عن الأكل ! فكان كل من سمن من أصحابي ذهب به فأكله, حتى بقيت أنا وذلك الرجل, وحضر لهم عيد, فقال لي الرجل: حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم, ويقيمون ثلاثا, فإن يك بك نجاء فانجُ, فأما أنا فقد ذهبت رجلاي, وأعلم أنهم أسرع شيء طلبا, وأشده استنشاقا لرائحة, وأعرف أثر الرجل, إلا من دخل تحت شجرة كذا, والشجرة تكثر في بلادهم. فخرجت أسير الليل, وأكمن النهار تحت الشجرة, فلما كان اليوم الثالث إذا هم قد جاءوا كالكلاب يقصون أثري, فمروا بتلك الشجرة وأنا فيها, فانقطع عنهم الأثر, فرجعوا, فلما جاوزوا أمنت وخرجت, فبينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفع لي شجرة كبيرة, فانتهيت إليها, فإذا بها من كل شجر الفواكه, وإذا تحت ظلالها رجال كأحسن ما رأيت من صورة رجال أندية, فقعدت إلى ناد منهم, فجعلت أكلمهم فلا يفهمون كلامي, ولا أفهم كلامهم, فبينا أنا جالس معهم إذ وضع رجل منهم يده على عاتقي, فإذا هو على رقبتي, ثم لوى رجليه علي, ثم أنهضني, فجعلت أعانفه.. لأطرحه, فخمش في وجهي, وجعل يدور بي على تلك الثمار فيجتنيها ويلقيها إلى أصحابه, ويضحكون ! فلما غمي عمدت إلى عنب فقطعته, ثم أتيت به إلى نقرة في صخرة, فعصرته ثم تركته حتى إذا غلا كرعت فيه, فقال: أي شيء هو؟ فقلت: أكرع, فكرع فيه فسكر, فتحللت رجلاه, فقذفت به, وخرجت ذاهبا حتى دفعت إلى المدينة, فلما دنوت منها إذا ناس كالأشبار, أكثرهم عور, فاجتمع علي منهم جماعة يسوقوني إلى أميرهم, فأمر بي إلى الحبس, فانتهوا بي إلى حبس كقفص الدجاج, فلما أدخلوني قمت فكسرته, فأهملوني, فكنت أعيش فيهم. ثم إذا هم يستعدون للقتال, فقلت لهم: ما هذا؟ قالوا: عدو يأتينا, فلم نلبث أن طلعت الفراش, فإذا أكثرهم عور, فأخذت عصا, فشددت عليها, فطارت وذهبت عنهم, فأكرموني وعظموني, فاشتقت إلى النساء, فقالوا: نزوجك ! وكلما زوجوني امرأة فأفضيت إليها قتلتها! فقالوا: أقمْ عندنا ولا تبال بقتلهن! فعمدت إلى جذعين فهيأتهما, وأخذت حبالا من لحاء الشجر, ثم ربطت الجذعين, وجعلت فيهما طعاما وماء, وركبت واقتنعت ببقية ثوب معي, فألقتني الريح إليكم ..!! فهذه الخموش مما حدثتكم) .

وقد ذكر أيضا هذه الجزيرة أبن الوردي بكتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب وقال مثل قول أبو الشيخ الأصبهاني عنها في بعض (الوثائق العثمانية ) والدالة على وجود هذه الأمم . كما ذكر ابن اياس الحنفي في بدائع الزهور خبر عن الأمم التي تسكن في الأرض السادسة تحتنا ، فذكر منهم امة لهم أجساد بشر و رؤوس كلاب ! .
وقد ذكر خبر هذه الأمم التي لا رؤوس لأبدانهم أيضا في كتاب (المعارف) وقال: ( ثم ملك التُبع العبد بن أبرهة وهو ذو الأذعار سمي بذلك لأنه كان غزا بلاد النسناس فقتل منهم مقتله عظيمة ورجع إلى اليمن من سبيهم بقوم وجوههم في صدورهم فذعر الناس منهم فسمي ذا الأذعار وكان هذا في حياة أبيه فلما ملك أصابه الفالج فذهب شقه قبل غزوه وكان ملكه خمسا وعشرين سنة ) .

أصل هذه الأساطير

في الواقع العلماء لم يكتشفوا إلى يومنا هذا أناسا وجوههم في صدورهم ولا بشرا برأس كلب ولا عمالقة بعين واحدة . لكن المؤمنون بقصص ما وراء الطبيعة والغرائب وضعوا بعض التفسيرات لهذه القصص قائلين بأن لا دخان من غير نار ، وبأن القدماء ما كانوا ليجمعوا على ذكر هذه الأساطير لولا أن لها أصلا واقعيا . فذهب البعض منهم إلى أن هذه الأقوام كانت موجودة فعلا لكنها انقرضت بفعل توسع البشر ، وهي في الحقيقة تهمة لا نستطيع أن نزكي بني البشر عنها لما عرف عنهم من الميل للعدوان والعنف طوال تاريخهم .
وهناك من يرى بأن هذه الأقوام هم يأجوج ومأجوج ، وهم محبوسون إلى آخر الدهر .
فيما يرى آخرون بأنهم من أقوام الأرض المجوفة ، وهو موضوع يطول الحديث عنه .

أما التفسيرات العلمية فتذهب إلى أن معظم هذه الأساطير مصدرها إعاقات وعاهات بشرية نادرة ، فكما أسلفنا ، أغلب الظن أن حدبة الظهر هي مصدر أسطورة الرجال مقطوعي الرأس ، أما البشر الكلاب فهناك بالفعل أناس ينمو شعرهم بغزارة فيغطي وجوههم وأجسادهم بالكامل حتى ليظن الإنسان بأنهم ذئاب أو كلاب ، وهذا يحدث بسبب خلل جيني نادر يتسبب في مرض يدعى فرط الشعر الخلقي (Hypertrichosis ) . طبعا القدماء لم يكونوا يعلمون شيئا عن الجينات فربما حسبوا الشخص المصاب بهذه الأمراض من زمرة الوحوش . أما بالنسبة لذوي العين الواحدة فيقال بأن أصل الأسطورة مستمد من منظر الحدادين في العصور القديمة ، فهؤلاء كانوا يغطون إحدى أعينهم بجلدة ولا يعملون إلا بعين واحدة ، والسبب في ذلك هو أن الحداد كان يدرك بأن العمى هو مصيره الحتمي نتيجة تحديقه الطويل إلى النار التي يستعملها في عمله لتذويب وطرق وتطويع الحديد ، لهذا كان يستعمل عين واحدة فقط للعمل ، أما العين الأخرى فيغطيها ويحافظ عليها سليمة من اجل تقاعده !


***********************************************************************************

مقال عميق جميل أبدع الأديب القدير في توصيل فكرته، وبطريقته  المعهودة من بساطة وسلاسة وتشويق،  دام التألق والإبداع، موفق دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم