قراءة نقدية لقصة"بطعم الحنظل" للاديبة/ هادية حساني - تونس .. بقلم الأديب الناقد/ محمد موسى العكادي - السودان Bitter melon taste


قراءة نقدية  لقصة" بطعم الحنظل" للاديبة/ هادية حساني - تونس .. بقلم الأديب الناقد/ محمد موسى العكادي - السودان  Bitter melon taste


قراءة نقدية  لقصة" بطعم الحنظل" للاديبة/ هادية حساني - تونس .. بقلم الأديب الناقد/ محمد موسى العكادي - السودان  Bitter melon taste


قراءة نقدية  لقصة" بطعم الحنظل" للاديبة/ هادية حساني - تونس .. بقلم الأديب الناقد/ محمد موسى العكادي - السودان.


مقدمة 

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:

************************************************************************************

بطعم الحنظل

-----------------
    هذا نص آخر يبين لي سمة عامة من سمات القص عند هذا القلم الجميل ،سمة ظهرت في فن القص (مابعد الحداثة)لكنها وجدت لها موضعا بين سرديات القصاص المعاصرين ، حيث يقوم النص على إيلاء الحالة النفسية أو الفكرية عناية خاصة ،وأحيانا يطغى ذلك على النص فيظهر ك (بوح) ذاتي يعكس حالة نفسية مستوطنة أو حتى مزاجية عابرة.
  وكما أسلفت فالتحليل الوصفي النفسي مقصود لذاته بغض النظر عن المحرك المثير،هل هو بسيط،أم معقد؟محوز أم مبدد؟ ذو قيمة حدثية عامة، أم مجرد موجدة خاصة ؟فقد أهملت هذه المدرسة قيمة الحدث الحركي ومدى أهميته و ركزت على مقدرة الصائغ على إعمال التوصيف ليعكس ويوضح الأبعاد النفسية في المقام الأول،
   وحقيقة مدى مهارة القلم في النوع من القصص لا يعتمد على الإقناع بقدر ما يقوم على استثارة العواطف،فيلجأ أحيانا إلى تأجيج الشعور وتضخيمها افتعالا،وليس في الأمر عيب أو منقصة ،لكن يجب أن تنزل العواطف في سياق السرد دون تكلف أو شبهة صنعة.
   وعند الوقوف على هذا النص تخصيصا نجده رائعا قياسا على خصائص مابعد الحداثة ؛إذ تظهر فيه عدة سمات تعلي قيمته الفنية،ومنها:

- الذكاء الإيحائي : النص قصة ظاهرية وقصة وراء السطور ضمنية قصتي الألم والدماء.

-الدفقة الانفعالية عالية:بغض النظر عن المسبب

-التوصيف الدقيق لتفاصيل تعكس وجدانية محضة تقوم على البوح الذاتي.

-سهولة المطروح وعدم تعقيد الطرح بل قام على لغة سهلة جميلة معبرة واضحة.

   أما إذا قسنا النص تقليديا اعتمادا على الباء الفني،فنلاحظ الأتي:

-لم يهتم النص ب(غائية)بل جعل الطرح النفسي جوهر اهتمامه و رمز قضيته.

-لم يعن النص برسم أبعاد الشخوص.

-لم تكن الحبكة تقوم على تطور يشد المتلقي وينال شغفه.

-ليس في نص ذروة وتصاعد ينفرج بعدها سلبا او إيجابا بل اعتمد على قفلة تدعم العنوان وتدغدغ الوجدان.
 ودي وتقديري واحترامي.

*****************************************

 بطعم الحنظل

_ كبري وٱرميه.
تلك الجملة كانت كفيلة بإعادتي إلى علاتي، إلى صور أردت نسيانها أو تناسيها..
ذهني كمرجل يفور ويمور فيصيبني ما يشبه الدوار..ساهمة، واجمة، أنقل عيني بين فوران الماء في القدر وتلك الزواحف الوديعة تسعى زاحفة على جوانب الإناء.
يصلني الصوت الآمر مجددا:
_ كبري وٱرميه! ماذا تنتظرين الماء يغلي !؟
بلحظة ما فصلت عن وعيي، تنم عني ضحكة ساخرة، ربما كنت أريد أن أبكي في تلك اللحظة..
شلت يداي شلا، الوعاء يكاد يسقط، أمده إليها:
_مستحيل! قلت
تجذب الإناء مستاءة، وبحركة متوترة:
_ هات..
وأنا أراقبها بعينين زائغتين، غير مصدقة، يقشعر بدني، أتراجع إلى الخلف، أتهاوى على الكرسي..
الماء يفور ويفور..وهي تزحف وتزحف للخروج..
صور تتراقص أمامي، سكين، ذبح، دماء تسيل محدثة أخاديد..رأس راعي الأغنام الذي أرسلوه لأمه، دماء،دماء في كل مكان..يوقظني صوت أمي ،يعيدني للحظتي..
_ الله أكبر..الله أكبر....
كأنها تذبح الحلازين، محركة السكين داخل القدر بتواتر ذهابا وإيابا، والماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف..السكين تحدث صوتا مزعجا مع القواقع فيصم أذني، لا حركة غير حركة الماء والسكين تشقه شقا، رغوة بيضاء تطفو كزبد أمواج هادرة..
أرى الحلازين غرقى في بحر متلاطم، يبتلعهم بلا رحمة، في البداية كانوا شبابا، ثم صرت أرى نساء،أطفالا،عجائز،كهولا..ثم يطفون على الشاطئ كالخرق..

الماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف.. وهي ساكنة، ساكنة سكون ليل شتاء بارد،حالك..
أغمض عيني هربا، ألقي برأسي المثقلة على الطاولة، دماء..دماء في كل مكان..صور تغتالني،تجتاح ذاكرتي كما ٱغتالوا الأرض، والعباد..دماء لاشيء غير الدماء..
أحاول الخلاص، أهرب إلى تلك الأيام الشتوية،الممطرة، وتلك اللحظات، لحظات الفرح التي سرقناها من الزمن،أرى تلك الطفلة ذات الجديلتين، وهي تنط فرحا في الحقل، كل شيء يتفتح بعد المطر، حتى قلبي الغض يصير وردة تعبق بالعطر، نجمع تلك المخلوقات الوديعة،الحلازين لنفرح أمنا، لكنني لم أكن أعلم، لم أدرك الحقيقة إلا متأخرا،  لم أرها إلا اليوم.
الماء يفور ويفور..وهي تزحف وتزحف للخلاص...
تلك الصورة تحملني إلى الجنون، أن أرميها وهي حية في ماء يغلي ويفور..
ذلك الإحساس يهوي بي،يلقيني في الهاوية، نفسي كبحر هائج، يخرج كل ما بداخله،كبركان هادر يصهرني صهرا..يهصر قلبي حد النزيف..
بكاء وعويل، ركض أقدام يقوى ويقوى، إنفجارات تدك الأرض دكا، نار تلظى،دخان يخترق السماء، يعم السواد الأرض ويلتهمها، تتصاعد رائحة بارود وشواء..دماء،دماء في كل مكان..ركض خيول وهي تتناءى،دقات قلبي تتسارع،تنتفض، خيالات سوداء،لا أكاد أميزها،.
رجال يلتحفون السواد، جنود يضربون الأرض كالزلزال، ذئاب سوداء..لا أدري !
وسرعان ما تتلاشى تلك الصور لتظهر أخرى..
أرى طفلا لا أعرفه،يمسك قطا من ذيله، يقربه من نار مشتعلة، ينتفض القط بشدة وأنتفض معه، يضحك الطفل ويضحك بلا توقف، حتى خمدت حركات القط كما خمدت الحلازين..
أحس بشيء يبلل وجهي،أتلمسه، دموع تسيل حارة، أشم رائحة الدم، أفتح عيني،أرى الدماء تغطي كفي..أكاد أجن، ضحك بدل البكاء! ودماء بدل الدموع !
نساء يطوقنني، يضرجن ايديهن بالدماء، يمررنها على وجوههن، فتنفجر أعينهن دموعا، تنساب كالعيون المتفجرة..
يعيدني صوت أمي من جديد، وهي تدفع يالصحن أمامي، تزكمني رائحة الثوم والهريسةو...
_ ها قد حضر! تعلمي..ليس صعبا !
أرمق تلك الحلازين المنكمشة في الصحن،أراها تتحرك،تزحف وتزحف نحوي، برؤوسها اللحمية وقرونها الهزازة، وقواقعها التي تشبه التربة الملطخة بالأحمر..
وأرى الماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف..
أقفز من مكاني،أخرج ما بمعدتي، فأحس بمرارة بطعم الحنظل...

************************************************************************************

قراءة شاملة عميقة، من أديب وناقد قدير، لنص بطعم الحنظل، أبدعت الأديبة بالتعمق في فكرتها، واخراجها بهذا الزي الجميل، بوركت جهودكما.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم