" البيت الأبيض " مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/ محمد شداد - السودان White House



" البيت الأبيض  " مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/   محمد شداد  - السودان   White House

" البيت الأبيض  " مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/
محمد شداد  - السودان
  


مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص: 


***********************************************************************************

(1) المصير 

******
على ضفاف النهرِ، تتمدد المدينة السمراء، ليغطيها الليل بثوبه الأسود، لتنام في هدوءٍ و سكينة.
 كعادتها، تستيقظ ديكتها، على نسائم التسبيحِ و الإستغفار، قبل ساعاتٍ من موعد الأذان، لتنبري من فوق مآذنها أصواتٌ التوسل و الدعاء.
اليوم إستيقظت على صهيل الخيول و قرع الطبول فزعةً، لتجد نفسها محاصرة بخيلٍ بُهمٍ دهم، و على صهواتها رجالٌ بيض، بلون القطن الذي عرفته قبل غيرها من الامصار، لم تراهم المدينة من قبل! لديهم أسلحة و اخرى كبيرة تجرها البغال و الحمير، ذات فمٍ طويل، يناطح خرطوم الفيل ان لم يكن مثله تماماً!
في بهيم الليل و هدأته، لبست المدينة الدروع و خوذاتها الحديدية، و اخرجت الرماح و السيوف من غمدها و حين اشرقت الشمس و لثمت أشعتها الصفراء شفاه الرماح، زادت لمعانها و أخذ الخوف يتسلل من خلف أمواج النهر، ليستقر في الطرف الأخر من الشاطئ.
و قبل أن يدق النحاس، سألهم أميرهم:
- من دلهم علينا؟؟
كان النسناس مغرماً بأكل الموز، ليلاً يتسلل خلسةً عبر سور بيت (الأمير)، يسرق بعض سبائط الموز بعدما يأكل و يشبع، و يسترق السمع و يعود قبل إنفلاج الصبح الى الغابة ليختبئ وراءها طيلة ساعات النهار.
حينما علم الغزاة بأمر (النسناس)، و تسلله الى المدينة ليلاً، تتبعت عيونهم خطاه، أغروه بكثيرٍ من سبائط الموز و حب البطيخ، بفرحٍ أمدهم بمعلوماتٍ ثرّةٍ عن شوارع المدينة ، ومخازن الاسلحة و بيوت الخاصة من سكانها و العامة أيضاً ... بل و كل أشجار الموز المثمرة!
طال أمد الحصار، و لا قتال ، اللهم الاّ من بعض المناوشات الليلية التي يقوم بها بعض الفرسان، حتى نفد الطعام و بدأ سكان المدينة ياكلون اوراق الشجر، و ماتت أشجار الموز و أخواتها! و من ثم بدأت طلبات النسناس يصعب تلبيتها، ضاق (الجنرال) بطلباته ، والذي حاول ان يعود الى الغابة، دون إكمال مهامه التي بدأها معهم بتفانٍ منقطع النظير، حينها أمر الجنرال بجلده و حبسه دون أن يقدم له طعاماً و لمدة خمس عشرة يوماً، اللهم الا بقاياه التي عافتها القطط و الكلاب.

و حينما أستعصت المدينة على الجنرال، و قرب قدوم الخريف، خشيّ على جنوده من الامراض، سحبهم ليلاً، كل ذلك و عيون المدينة تراقب و تتبع الاخبار بحذرٍ شديدٍ.
صباحاً... كان المعسكر خالياً، الا من الروث و رائحة ابوال الحمير و البغال... و عواء الذئاب، التي تنظر من بعيدٍ الى جيفة النسناس.

***************************************

(2) البيت الأبيض

***********
كان والدي موظفاً حكومياً، مما أعاننا على الحصول على سكنٍ مجاني، بإحدى الأحياء المصنفة في دفاتر وزارة الإسكان بالدرجة (الثالثة) و هو حي قديم منذ عهد الإستعمار البريطاني! كان معسكراً للجنود في بداية عهده.
في الطرف الشمالي من الحي، كانت هناك حركة تجديد و طلاء لبيتٍ قد يبدو من الوهلة الأولى أنه لشخصية ذات مكانة، ستقطنه عما قريب أو حالما يُفرغ من تجديده و طلائه.
بدى البيت من الخارج، مخالفاً في صورته الجديدة كل مباني الحي! التي إكتسبت اللون الطوبي منذ نشأتها الأولى و لم تحظى بتغيير لثوبها المهترئ ، أما هذا البيت فقد طُليّ باللون الأبيض أما بالداخل فلا أحد له علم بلونه و جماله، لكن بلا ريبٍ هو جميل !
بعد أيام إكتملت بصمات التأهيل و التجديد،جاء الساكن الجديد، رجل في الأربعينيات من عمره، أنيقاً، له زوجة شابةً بها مسحة من جمال، و لهما ثلاثة أطفال، واحد رضيع و إثنان في المرحلة الدراسية الصغرى.
يوم الخميس، بعد نهاية اليوم الدراسي إعتادت الزوجة أن تأخذ أطفالها معها لزيارة أهلها الذين يقطنون بإحدى أحياء المدينة في الضفة الأخرى من النهر ، الذي جعل التواصل سهلاً بين سكان المدينة، خاصةً بعد إنشاء الجسر الجديد.
لم يحاول الرجل أن يبني له علاقات مع الجيران و إن بدى أحياناً يتلمس الدروب التي ستعينه على علاقات محدودةً، فحين نلتقيه في البقالة التي بجوار مسكنه، يلقي علينا التحية دون الدخول في حديثٍ أو سؤال! قد يجر الى ثرثرة هو في غنى عنها... التحية و كفى!
مضت الأيام الأولى و لم يتبقى في الذاكرة سوى جمال و لون البيت الأبيض، الذي صار رمزاً و مركزاً كدليل لكل شخصٍ يزور الحي لأول مرةٍ!
قبل غروب شمس يوم الجمعة، تقف سيارة الأجرة الصفراء أمام البيت، تهبط الزوجة و أطفالها الثلاث، يستقبلهم الزوج، يدفع للسائق الأجرة بعد أن تجاذبا الحديث معاً و لربما دار حديثهما حول تسعيرة الأجرة، لكن الحديث لم يطل بينهما فحين نقده تبسم كل منهما في وجه الآخر و مضى السائق مواصلاً رحلته اليومية مع الركاب المبعثرين في طرقات المدينة التي لا تعرف النوم و لا الهدوء طيلة ساعات الليل!
في إحدى أماسي الخميس، التي إعتادت الزوجة أن تكون مع أهلها، كنت أقف مع صاحب البقالة لشراء بعض الحاجيات، تقدمت اليّ فتاة أنيقة يسبقها عطرها الباريسي و معها شابة لكنها ما تزال داخل سيارة الأجرة تسألني:
-  لو تسمح ... بيت الأستاذ (شرف)... ساكن جديد... تعرفه؟-
قلت لها :
- نعم
ثم أشرت إليها نحوه.
تابعت سبابتي بنظرها، و هي تدع في وجهي إبتسامة عربون شكرٍ و عرفان.
طرقتا الباب ، بعد أقل من خمس دقائق فُتح، دخلتا، نفسي الأمارة بالسوء تسأل عن سر زيارتهن في غياب الزوجة! لكني تراجعت عن سؤالها الذي يحمل في طياته الكثير من الشك و لعنتُ الشيطان.
بعد فترةٍ بدأت تفدُ الى البيت بعض السيارات الفارهة و التي يندر تواجدها في حيٍّ مثل حينا هذا القديم... الفقير.
حب الإستطلاع جعلني أتسمر بعيداً عن مرمى الشكوك، و أتفرس في أنواع السيارات ، الغريب أن أحداها لا تمنح الاّ لواحدٍ من الكبار في الدولة و هي من طراز (مرسيدس آخر موديل سوداء اللون) لوحتها تنم عن حقيقة ظني.
عندما ترجل صاحبها، بدى لي شخصية معروفة، لكني لم أستحضرها في نفس اللحظة، و إن أدركتها أخيراً فأصابتني الدهشة... إنه وزير التربية و التعليم!
و يمضي الليل كسولاً، و ضحكات الضيوف تكسر السكون القليل المتبقي ، و رائحة العهر تزكم أنفي، ناديتُ أصحابي، تفاكرنا في أمر هذا الرجل الغريب، الذي يريد أن يكون بيته، بؤرة فسادٍ، لتغتال الطهر الذي لدينا..
خمساً منا قررنا، في آنٍ واحدٍ، رجمنا البيت و السيارات بالحجارة و من ثم أبتلعتنا ظلمة الليل..
خرجوا مذعورين، وجدوا بعض السيارات قد تهشم زجاجها، و كنت قد إخترت السيارة السوداء كهدفٍ لا مناص منه، لم يصدق أحدٌ منهم ما حدث، هربوا، لم يتبقى بالبيت سوى بعض الرجال و همهماتهم الغاضبة.
صباح اليوم التالي تشرف الحي و لأول مرة بزيارات الخفافيش، ألقوا علينا القبض، تم حبسنا لأكثر من شهرين، فُصلنا من الجامعة بحجة إنتمائنا الى إحدى الجماعات المتطرفة!.
أخذت الصحف اليومية، تلوك و تحذر من بعض سلوكيات الشباب المنحرف! و الذين إعتدوا فيما مضى، على سيارة وزير التربية و التعليم أثناء تواجده، في مقر الإجتماعات بالوزارة... و كانت تلك معزوفتهم المفضلة طيلة العام..
و البيت الأبيض ما يزال زاهياً أبيضاً من الخارج، و من الداخل بدى كمحرابٍ مقدسٍ... لم ينقطع الوزراء عن زيارته ... و لا الوزيرات.



******************************************

(3) ظرفٌ رمادي

**********

في ليلةٍ غاب عنها القمر، بعيداً... لاحت أضواء المدينة، التي من أجلها باعوا حاجياتهم، و البعض باع مصوغات زوجته أو بقرة أسرته الصغيرة... التي لاذ الصغارُ بحليبها، بعد أن فقدوا أمهم... قبل الفطام.
 توقف المركب في وسط البحر، أشار إليهم صاحبه و بصوتٍ جهوري قال:
- ( تلك مدينتكم)،
 ثم أمرهم بالنزول الى الماء العميق بهدوء.
ذهلوا لبعد المسافة بينهم و الساحل، ترددوا، أمرهم و إلا سيلقي بهم في البحر، واحد تلو الآخر بدأوا في مغادرة المركب بعيداً عن عيون خفر السواحل... و قريباً من أسماك القرش التي تجوب البحر في ساعات السكون، بحثاً عن صيد يطفو فوق السطح!
أمرهم بألا يدخلوها ليلاً، عليهم بالبقاء بقرب الساحل حتى تشرق الشمس، و تعج شوارع المدينة بالحركة حينها يتسللون بهدوءٍ تامٍ... ليختلطوا بمن فيها.
مع شروق الشمس كان عددهم على الساحل أقل من النصف، غرقوا مع آمالهم، في بحرٍ لا يعرف سوى إلتهام الغرباء و الأحلام!
كان هو واحداً ممن نجوا، و غاصوا في بحر الحياة الجديدة.
(صالح) ما يزال يتذكر تلك الرحلة بآلامها و أحلامها، رغم مرور أكثر من عشرة أعوام! و كأنه يعيش فصولها اليوم لا أمس البعيد.
كان يشارك الأهالي أفراحهم و أتراحهم، صار منهم، و في الليالي المقمرة، ساعات الأنس، يطربهم ببعض قصائد ( عبد الله البردوني) فيحلق بهم عالياً كجبال صنعاء في هامات الجمال و الابداع الشعري المموسق.
ذهلوا من ثقافته و أخلاقه، كان يجيد اللغة الانجليزية بطلاقةٍ حتى يبدو و كأنه من مواليد مدينة (لندن) لا (صنعاء) العربية العريقة.
و عندما تداعب مخيلته مراتع الطفولة و أهازيجها، يحمل الجالسين معه بخياله ليطوف بهم شوارع (صنعاء) و (زمار) و عندما يصل بهم الى المكلا و سيئون... تزداد نبراته حنيناً... فتدمع عيناه! ثم يسألونه:
- ماذا بك... أستاذ صالح؟
يرد عليهم بعد أن صمت برهةً، و أخذ نفساً طويلاً كأنه يعود به الى الحياة من جديدٍ:
- في سيئون فقدت حلمي الكبير!
 حيث كان يقال أن مدينة (سيئون) فيها أجمل فتيات اليمن بل الجزيرة العربية بأكملها.
هنا إنفرجت نافذة للنقاش الجاد، طرحوا عليه فكرة أن يزوجوه بإحدي فتيات الأسر الكريمة، لم يخذلهم لكنه طالبهم بأن يمنحونه فرصة حتى يعود من إجازته السنوية... و التي قرب أجلها.
في مجلس الشيخ (سعيد) و هو شيخ قبيلة عريقة و مقربٌ لدى الحاكم، صارحوه بأمر صالح، وافقهم الرأي، و مضى في سبيله وحيداً لتحقيق طلبهم... و هو ما يراه طلباً محقاً لطول مكثه و خلقه الكريم.
بعد شهرين بشرهم الشيخ (سعيد) بموافقة الحاكم بمنح (صالح) جواز سفرٍ، مما زاد غبطتهم و فرحهم.
أخذت علاقات صالح تتوسع، على اثر الوصايا المتعددة، نال وظيفة بالديوان، و لقد كان هو على قدر المسؤولية و التقدير.
قبل موعد سفره بإسبوعٍ أخبرهم، كلما يمضي يوم يُخيم عليهم الحزن أكثر، حتى دنت لحظة الرحيل، ذهبوا معه الى المطار، بكوا معه بحرقةٍ و كأنها رحلة فراقٍ ما بعدها لقاء، و انبرى صوت المذيعة الداخلي:
- على الساده المسافرين على الرحلة رقم (6) المتوجهة الى (صنعاء) الرجاء منهم التوجه الى البوابة رقم (3).
و من ثم اختفى (صالح) بين جموع المغادرين.
مضت الأيام و الأسابيع، و لا حديث لهم في مجلسهم سوى (صالح) و قد تلهفت نفوسهم العطشى لأخباره... و من ثم عودته.
بعد مضي أكثر من شهرٍ، طرق الفرح أبواب المدينة، كان (صالح) قد بعث برسالة لهم عن طريق الشيخ (سعيد)، تجمعوا عند مجلسه، بعد أن تناولوا القهوة، أخرج لهم مظروفٍ رماديّ كبير كحجم أشواقهم و لهفتهم إليه، فضه و أخذ يجول بنظره بين السطور التي تحمل بداخلها عبق (صنعاء)، بهدوءٍ بدأ يقرأ على مسامعهم محتواها:
- والدي الفاضل/ الشيخ (سعيد)...
أخواني الأفاضل...
السلام عليكم،
لا تعجبوا اليوم مما تحتويه رسالتي هذه... فإني قضيت أجمل فترات عمري بينكم، لم أجد منكم الا التعامل الكريم و الخلق الحسن، فكنتم لي نعم العشيرة و الأهل، وثقتم بي و منحتموني ما لم أكن أحلم به يوماً، لم أوافقكم على الزواج لأني كنت أدرك بأني يوماً سأغادر المدينة دون رجعةٍ، و لن تقبلوا بسفرها معي حيث أقيم الآن، سامحوني إن أخطأتُ في حقكم، تحياتي لكل الطيبين ممن عرفتهم خلال السنين التي قضيتها بينكم... و لم يعرفوني... على حقيقتي!
تحياتي...
أخوكم/ ديفيد كوفمان
القيادة الشمالية للجيش الإسرائيلي.
12/5/1985
و كان مرفقاً مع المظروف الرمادي الكبير، جواز سفره بإسم:
(صالح علي سالم)

***********************************************************************************

مجموعة جيدة لأديب مبدع، دام التألق والإبداع، موفق دائما ان شاء الله.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم