"جزاء الإحسان " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الاديبة/ نجاة عبد الجبار كلش - فلسطين. Short storys collection


"جزاء الإحسان " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الاديبة/ نجاة عبد الجبار كلش - فلسطين.

"جزاء الإحسان " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الاديبة/ نجاة عبد الجبار كلش - فلسطين.


مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:

***********************************************************************************

(1) جزاء الإحسان 

على غير موعد منها جاءتني إحداهن باكية , وراجية , ومتوسلة إلي أن ٌقرضها مبلغا من المال, وإلا سيكون مصيرها ومصير زوجها السجن , لعدم تمكنهما من سداد قروضهما للبنك , رجتني كثيرا , وبكت أكثر ...
أمام هذا المشهد الحزين الذي لا يرضاه أحد لغريب عنه , فكيف أرضاه ،أنا لجارتي السابقة التي لم أرها منذ مدة طويلة ؟
قلت لها : هوني عليك يا أختاه , وسأعطيك مبلغا كنت أدخره لبعض أموري , ولكن لا بأس , فيما بعد وعندما تردين لي ديني سأكمل ما بدأت به من مشروع ...فأنا لا أرضى لك السجن مهما كلفني الأمر ..
أخذته وهي تدعو لي بالسعادة والتوفيق وتيسير الأمور , وكل ما ألهمها الله به من أدعية , ووعدتني أن تسدني المبلغ قريبا عندما يسهل الله أمرها ..
ومضت سنة تلو أخرى , ولم تسدني من مالي إلا الفتات , وأنا كل أموري معطلة ومؤجلة ,وكنت كلما هممت بطلب المال , أتراجع إشفاقا ورحمة , ووفاء لسنوات كنا فيها جيرانا مقربين ...
وذات يوم رن هاتفي , وإذا بصوتها يقول لي :
عزيزتي , يسرني أن أدعوك اليوم لحفل زفاف ابني , ولن أرضى منك أي عذر لعدم الحضور ..عندها لم أدر بما أجيب , إلا أنني ضحكت كثيرا .... وبكيت أكثر وأكثر ....

******************************************

(2) أمل وترقّب

      لم يرها أبدا في حياته، إلا من خلال صورة صغيرة ملصقة على إحدى الصفحات التي تكتب فيها, قرأ لها كثيرا ، أعجب بروعة الفكر والعمق , بدأت رحلة الدراسة لهذه الشخصية و هذا الفكر، من خلال ما يخطه قلمها هنا و هناك ، ازداد الإعجاب و الاحترام و الاهتمام الذي سرعان ما تحول إلى حب عميق لهذه الروح التي يراها من وجهة نظره روحاً ملائكية شفافه بيضاء نقية .
      مضت سنة تلو الأخرى و صمم أن يفاتحها و يتحدث معها بعد أن حصل على الوسيلة المناسبة لذلك، و فعلاً تم ما أراد ، و عرفها ب نفسه ، و تحدث عن حياته و ظروفه ، و فهمت مراده و قصده من ثنايا الحروف و الكلمات , ولكنها و بكل ذوق و رقة و أدب أغلقت هذا الباب و أنهت الحديث فيه.
     لم ييأس , استمر برحلة البحث و المراقبة و الدراسة بعمق , و ازداد التصميم على نيل المراد ،و الارتباط بروحٍ هي في نظره أروع الأرواح و أنقاها ، و بعد فترة ليست بالقصيرة ، صمم أن يعاود الحديث، فهو شخصية قوية لا تعرف اليأس و لا تؤمن بشيء اسمه المستحيل ، و للمرة الثانية تم الحديث  و عبر الأثير ، و عاد للتعبير عن صدق المشاعر و جدّية الطلب و الارتباط, و شرح لها عن الكثير من جوانب شخصيته و ظروفه الخاصة ، و طلب منها التفكير العميق و عدم الإجابة الآن .
     و فعلا فكرت كثيراً و كثيراً , لماذا أنا بالذات ؟ فهو لم يرني أبدا ، و كل ما هنالك أنه إعجاب روحيٌ و عقليٌ و فكري ، و هو شخصية بارزة لها وزنها و تقديرها و احترامها من الجميع ، و بإمكانه الارتباط بغيرها من ذوات الجمال و الحسب و المال ..... فكرت أكثر و أكثر , ولكنها اصطدمت بواقعها و ظروفها الخاصة و التي تعتبرها سداً منيعاً و مستحيلاً امام هذا الطلب .
     حان وقت الرد، و أخبرته و بكل صدق و شفافية عن ظروفها التي تمنعها من الموافقة عليه , و كذلك باحت له بما يشغل فكرها ، لمَ أنا بالذات؟! أمامك العديد من الجميلات الثريات و ذوات المناصب و المراتب .... كان رده على ذلك أرقى و أعمق الردود ,أخبرها أنه لم يخطُ هذه الخطوة إلا بعد دراسة عميقه , و رحلة بحث و استقصاء ، كان نتيجتها الإصرار , و بشدة على هذا الطلب و الارتباط ، و أنه عشق روحها و تعلق بها ، و أنه لا يؤمن بشيء اسمه المستحيل , و أنه سيذلل كل الصعوبات المحيطة بها و بظرفها الخاصة .
      صارت تخلو بنفسها كثيراً و ازداد تفكيرها و قررت أن تخبره بموافقتها على طلبه ، كانت هذه الموافقة المبدئية كعرفان منها و ردّ جميل لإنسان عظيم تمسّك بها و فضلها على كل بنات حواء.
      استمر الحديث بينهما و دون رؤية أكثر من مرة ، و فهمته أكثر و أكثر و أعجبت بسمو أخلاقه و مبادئه و مثالياته ، التي تأكدت منها , فهو شخصية معروفة و مشهورة و محترمة من قبل الجميع ،أعجبت بروحه النقية الجميلة التي يفتقدها الكثيرون ،و تحول هذا الإعجاب يوماً بعد يوم إلى اهتمام ما لبث أن تحول إلى قناعة كبيرة و حب عميق ، فقد اجتمع حب الأرواح و توحد و صار روحا واحدة .
      و ما زالا ينتظران النهاية ,يا ترى هل سينتصر حب الروح على كل المشاكل و الصعوبات و العوائق و الحواجز ؟! و هل سيهزمان المستحيل يوماً ليتحول إلى ممكن ؟!

******************************************

(3) من أرشيف الذكريات 

لكل منا عالمه الخاص به , يطير في سمائه متى شاء وكيفما أراد , يحلق فيه عاليا على أجنحة السعادة , ليعانق عنان السماء , يعيش حياة سماوية بعيدة عن دنس الدنيا وزيفها وأوجاعها ……نجلس مع أنفسنا لحظات صفاء نستذكر فيها أحداث أسعدتنا , فتزين البسمة شفاهنا بأجمل لوحة رائعة وبكل ألوان الطيف … ثم لا تلبث هذه البسمة أن تبدأ بالتلاشي تدريجيا ليحل محلها الأسى والحزن لذكريات أوجعت القلوب المنهكة … ولعل أكثر الصور إلحاحا على الذاكرة صورة لإحدى صديقات الطفولة التي كانت وباختصار توأم الروح , نمت وكبرت معي , وصارت جزءا من روحي وقلبي , لا أطيق فراقها لحظة ..لكنني صرت أحيانا ألاحظ تغيرها تجاهي , فألتمس لها الأعذار تلو الأعذار..ولكن ابتعادها عني وتغيرها قد تكرر , شعرت بالحزن والألم , صارحتها بمشاعري , فأخبرتني أنها تحاول مساعدة صديقة جديدة تعرفت عليها حديثا , وهي تمر بظروف قاسية جدا , وأن ابتعادها هو لفترة مؤقتة ..شجعتها على ذلك , لما فيه من خير وإغاثة للملهوف …..ومرت الأيام ولم تعد صديقتي وتوأم روحي … أحسست بأن الحياة صارت سوداء قاتمة , ولم أعد أشعر بالسعادة والراحة أبدا , فلازمتني الدمعة , توجهت لربي أن يريحني ويساعدني على نسيانها .. رجوته وتوسلت إليه …ومرت الأيام الطوال , وغاب عني كل نبأ عنها ..إلى أن سمعت أنها مريضة تصارع الموت إثر مرض عضال …همت على وجهي كالمجنونة أبحث عنها .. إلى أن وجدتها في أحد المشافي .. دخلت غرفتها ..ويا لهول ما رأيت !!! كانت هيكلا وشبحا وخيالا لإنسان كان يوما قمرا ساطعا … أهويت بنفسي عليها باكية منتحبة , ضمتني بكل رفق وحنان , ودموعها الحرى تنزل فتحرق وجنتي , طلبت مني أن أسامحها , وأغفر لها تقصيرها وإهمالها .. وأن تلك الصديقة التي أهملتني لأجلها قد ركلتها برجلها بعد أن تعافت ووقفت على قدميها…حاولت أن أخفف عنها قدر استطاعتي , وأشعرتها أنني ما زلت أحبها كالسابق وأكثر , وأننا منذ اليوم لن نفترق أبدا …ضحكنا , وبكينا ..وامتزج دمعنا ليرسم أجمل لوحة حب وصدق ووفاء .. وخفقت القلوب وعزفت أجمل لحن للأمل القادم ….وللحظات شعرت ببرودة في يديها … نظرت إلى وجهها الشاحب تعلوه ابتسامة … أدركت أنها الأخيرة لها في هذه الدنيا .!!!!!!!………. أفقت من أحلامي وذكرياتي على رعشة قوية في جسدي , ودمعة ساخنة ألهبت وجنتي …..كم أنت غريبة أيتها الدنيا !!!! أتكون لحظة السعادة في اللقاء هي نفسها لحظة الشقاء في الفراق !

***********************************************************************************
نصوص بسيطة، ابدعت الأديبة في توصيل أفكارها، دام التألق والإبداع، موفقة دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم