" النداهة " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب / سيد جعيتم - مصر Short storys collection




" النداهة " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب /  سيد جعيتم - مصر Short storys collection

" النداهة " مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب /
سيد جعيتم - مصر.

مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:


***********************************************************************************


(1) النداهة

على المقهى وفي الديارِ حكاياتٍ عن النداهةِ والمزيرةِ التي تنتقي أفضل الرجالِ وتغيبُهم في قاعِ النهرِ.
يسخرُ منهم ومن جهلهم ومن خرافاتٍ توارثوها ، ولكنه يتجنبُ أن يسيرَ ليلًا بجوار النهر.

جسم الليلُ علي الكونِ وأرخي سدولَه، صوتٌ ساحرٌ يطنُ في أذنهِ ملحًا:
- تعال ،
منومًا قام مسلوبَ الإرادة، عدي العتبات.
الجو حارٌ والهواُء ساكن، والصمتُ المطبقُ يعمُ الظلام، ثقُلت وتسارعت أنفاسُه، بلل العرقُ جلبابَه، سار متجهًا نحو النهر.
قبسٌ من النورِ متلألًىء ينعكس عليها بألوانٍ مبهجةِ يشدُه، سار إلي حيثُ تجلس. .
رائعةُ الجمال، خرجت من خيالِ البحر، في دلالٍ تبسمت كاشفةً عن لؤلؤياتِ ينعكسُ عليهما ضوء القمرِ فيرتدُ دوائراَ مشعة من نورٍ يخرجُ منها قوسُ قزحٍ فيعمُ المكان.
ينبحُ كلبهُ خلفهُ بعويل ، لا يلتفتُ لندائه،
سار ذائباً ، ازداد عددُ الكلابِ النابحة.
جنيةٌ جمعت في حُسنِها جمالَ كلِ النساء، مُرخيةً شعرَها الذهبي علي سطحِ الماء فكستهُ بلونها، مدته شباكًا للصيد، التجمَ وتبعثرت روحُه أمام نظراتِها الناعسة، صوتُ لغةِ عيونِها تملَكه .
بصوتٍ ناعمٍ وبميوعة، نادتهُُ ضاحكةً :
-  تعال
سعي إليها منتشيًا. أزداد نباحُ كلبِه، هجم عليه يشده من زيلِ  جلبابه، تعثر، انتبه للظلامِ المبهمِ خلف نورها، مرتعبًا حاول التقهقر.
صوتُ الكروانِ يجلجل ثانيةً، أعتادَ أن يوقظَه الصوتُ قبلَ صلاةِ الفجر.
أفاق.
- تعال.
سلبت لبهُ ثانيتًا فسار إليها مختلَ التوازن.
علا صوتً الكلابِ حتي أصبح صريخًا، عاد الكروانُ حائمًا فوقهَ يصدحُ دون جدوي
- تعال .
ملمسُ ماءِ النهرِ الباردِ أشعرهُ بالقشعريرة، أمسكت يدَه وغطسا للقاع، طفتَ طاقيتُه فوق سطحِ الماء.
قال الراوي
سلبت ودهُ النداهةُ، فأسكنته قاعَ النهر، وتناقلَ السمارُ قصته.


*****************************************

(2) سوسو نار

في الليلةِ الثانيةِ بعد المائةِ الثالثةِ: قال شهر يار:
أحكي يا شهر زاد
بلغني أيها الملكُ السعيد ... ذو الرأي الرشيدِ ، ملك الزمان ... والعصر والأوان أن رجلًا من عامةِ الشعبِ اسمهُ شاه زمان أشتاقَ لأخيه ، فسار إليه بسيارته .
تعطلت السيارةُ في منطقةٍ يطلقُ عليها  وادي الجن، أنتظر مرور أي سيارة ، طال الوقت ، جلس تحت شجرةٍ يستظل بها، هبط غرابٌ وأخذ ينقر في الأرضِ وينعق، يطيرُ ثم يعودُ لنفس المكان ، أخذه الفضول ، ذهب يستكشف.
-أيه ده.
 جسمٌ نحاسيٌ مستديرٌ مغلقٌ عليه نقش من أعلى، تردد في لمسه، ثم أخذ يعبثُ بالنقش.
سمع صوت طقطقات، شاهد دخانً أسود كثيف.. تشكل ببطءٍ علي هيئة عفريته طويلة القامة ، هزيلةٌ  ملابسُها ممزقة.
ارتعدت أوصالهُ ، عقد الخوفُ لسانه، حاول التكلم... غاب صوته، بذل جهدً ليمتلك زمامه سألها:
- حضرتِك مين،وجيتِ لي منين ؟
= أعلم يا إنسان أني من الجان واسمي سوسو نار، كنت راقصةً في خَمَّار ... ونائبه في بار.
- علي مهلك يعني إيه نائبة في بار؟
= البار في عالمنا ندخُله بالإنتخاب[ ونكونُ فيهِ ممثلينَ لشعبِ الجان.
- بتسرحي بيا... كملي.
= خالفتُ قانونَ الجان ، وعصيتُ أمر السلطان، اعتقلوني في القمقم وختموه بخاتم سيدنا سليمان عليه السلام، أتبهدلت يا أنسان 3000 سنة محبوسه من غير اكل ولا شرب، لا حد يكلمني ولا هدمة تسترني، جعانة وهفتانة.
- يعني أنتِ كانت جريمتك إيه، قتلتي عفريت ولا حرامية.
= لو كنت كده مكنتش اتبهدلت وكنت خرجت بعفو من السلطان من زمان، انا سجينةُ رأي، قعدت الفين سنة أقول اللي هايخلصني ها اقول له شبيك لبيك عبدتك بين إيديك واحقق له اللي بيتمناه، ولما جات الألف التالته كنت زهقت وقررت أن من يخلصني اسخطه حمار.
- دا ذنبي يا ست العفاريت احررك تسخطيني ، دا أنا هالبسك هدوم جديدة وأجيب لك أكل والذي منه.
= قدامك يوم لو افلحت انك تخليني سعيدة هعفوا عنك، وأحقق لك مطالبك، ولو ما قدرتش البردعة جاهزة.
قرر شاه زمان اصطحابها لأحد الكباريهات العامرة بالراقصات من كل الجنسيات تفرفش ، شربت حتي الثمالة، صعدت المسرح وعفرتته برقصة مجنونة، أغرقها السكاري بالمال، تصبب منها العرق، لفحها  الهواء، ارتجفت.
قال الطبيب حرارتها مرتفعة، اشتباه كرونة، ماتت العفريته.
وهنا أدرك شهر زاد الصباح وسكتت عن الكلام المباح وصاح الديك ساخرًا( كوكو كوكو).

*****************************************


(3) يا مطرة رخي رخي

سلمِ حمولتهُ، لف بمقودِ السيارة عائدًا.
نقراتٌ من ماءِ المطرِ علي الزجاج، المساحاتُ تجاهد لإزاحتها، هدأ من سرعتهِ، في لمحِ البصرِ غطت الغيومُ السماءَ ... السياراتُ العابرة تركنُ على جانبِ الطريق... ساد الظلام.
 عجزت كشافاتُ السيارة عن تبديدِ الظلمة، يعلن مذياعِ السيارةِ عن غلقِ بعضَ الطرق ... يا إلهي الطريقُ الذي اسيرُ فيهِ ضمنها .
سيلٌ جارفٌ ينهمرُ من خلالِ واديٍ جبليٍ  يمر بجواره، غمرت المياهُ سيارتهُ العملاقة من كلِ جانبٍ،  أُتلفت الدائرةُ الكهربائيةِ، توقف مرغمًا، تملكهُ الرعب ...  المنطقة منحدرة ، السيارةِ تنزلقُ بجانبها، أيقن هلاكه فأسفل المنطقةِ منحدر عميق، شىءٌ ما أعاق إنزلاق السيارة، المياه تعلو، تليفونهُ لا يلتقطُ أي اشارة.
ارخي الليلُ سدولهُ وساد ظلامٌ حالك، استسلمِ لقضائه. أخذتهُ رحمةُ الله لسنةٍ من النومِ.
رائحةُ احتراقِ حطبِ القطن ، تتسللُ لأنفهِ ... يدسُ بصلةً في محماةِ الكانون ويجلس بجوار أمهِ يتدفاء بحنانها.
يترامي لسمعهِ صوتُ أقرانهِ يلهون تحتَ المطر... غيرُ عابىءٍ بتحذيرات أمهِ يعدو للخارج ، ويا مطرة رخي رخي علي قرعة بنت أختي، بنت أختي قرعة قرعة خدها الديب ونزل يرعي، أسرابُ الجرادِ العابِرتي تُغطي السماء، خرج الأهالي بالأواني والصفائِح يطرقون عليها ويبتهلون لله لطردها.
أيقظه صوت الطرق علي الصفائح.
تسللَ نورُ الصباحِ لعينيه ، بداء في استكشافِ المكانِ. منسوبُ المياهِ ارتفع وتسلل لكابينةِ السيارةِ ، أخذ في الدعاءِ لله .
يقفُ أمام شجرةِ الجُميز ينتظرُ حبيبةً لن تأتي، ولن ينقُشا حروفَ اسميهِما علي سهمِ يخترقُ قلب.
 تقدم لها عريسٌ لم تكن هي ولا أبوها يحلُمانِ بأفضلَ منه، تزوجته، هو عمدةُ البلدِ الآن وصاحبُ التريلا التي يقودها.
توقف المطر، صوتُ ابنتهِ الصغرى يتسللُ لأذنه :
- هات لي حاجة حلوة وانت جاي  .
 دار بالسيارةِ أخذه الحنينُ لبيتهم القديم، كان بعيدً عن الطريقِ الجديد الذي يتمُ إنشاؤه ... بيتُ للعمدةِ يعترضُ الطريق، حادوا بالطريقِ بعيدًا عنه،  هدموا بيتهم لإعتراضهِ الطريق، تحسر اباه... مات، ولحقت أمهُ بأبيه.
خفت حدةُ المطر ، بينما السيلُ المنهمرُ من الوادي الجبلي لا يتوقف ، حاولَ التحرُكَ داخل السيارة، ارتجت السيارة، علم أنه بوجودهِ في مكانهِ بالسيارةِ يحافظً علي توازنها ... سكن.
عاد المطرُ يهطل، ابنةُ أختهِ  تبكي من غنائه (بنت أختي قرعة قرعة)، خبطٌ علي بابِ السيارة، انتبه، نظر ناحيةَ الزجاج، رجلُ إنقاذٍ مربوطٌ بحبلِ يشيرُ إليه، بدء التحركَ تجاهه، ارتجت العربة، ساعدهُ في فتحِ الباب، أمسك الرجلُ به ، سحبه، بدأت العربةُ في الإنحدار، أبتسم شامتًا فقد أنتقم من العمدة.

***********************************************************************************
نصوص جيدة، بأسلوب بسيط، دام التألق والإبداع، موفق دائما اديبنا القدير إن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم