سيميائية الأهواء في نص عمر شارد للأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس .. بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق Semiotics of passions

سيميائية الأهواء في نص عمر شارد للأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس .. بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق Semiotics of passions


سيميائية الأهواء في نص عمر شارد للأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس .. بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق Semiotics of passions

سيميائية الأهواء في نص عمر شارد للأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس .. بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق 

قراءة نقدية من زاوية أخرى، وبطريقة رائعة، وبفلسفة تخرج النص من ثوبه العادي إلى ثوب لامع، واضح الجمال، والغوص في أعماق النص، واستخراج هذه المعاني البعيدة من صدفاته التى كانت قابعة في أعماق بحور الكلام، تتراقص المعاني تتقارب وتجمع لنا تلك الصورة البهية التي كانت غائبة، ثم ظهرت بكامل زينتها، إلى القراءة الرائعة ثم إلى النص الجميل:

************************************************************************************

القراءة: 


سيميائية الأهواء في نص عمر شارد 

السطور القادمة تتكفل رصد حركية الأهواء وماهيتها سيميائيا في القصة وبيان ان البعد الأنفعالي هو جذر ذاتي في المفردات التي يراد منها بيان مشهد ومساحة الأنفعال في الموضوع المعروضة عليه هذه المفردات ولا علاقة لنا بمغزى النص إجتماعيا وسنرى حجية ذلك ان المدلول ما هو إلا تحيين ذاتي للمتلقي في الأفق التأويلي ولإن هذه القراءة استجابة لبرنامج نقدي فانا نلتزم بما لا يخل قصره ولا يمل طوله تاركين التفصيل لمناسبة أخرى وسأقتصر على عينات من النص في تتبع فعل العلامة علما اني لن اتعرض لفنيات بناء النص وقيمه الجمالية وبعده التأويلي

يرى كير إيلام ان السيمائية هي علم مكرس لدراسة انتاج المعنى في المجتمع يعنى بعمليات الدلالة وعمليات الاتصال أي الوسائل التي تتوالد المعاني ويجري تبادلها تباعا وتشمل مواضع شتى: أنساق العلامة / الشفرات التي تعمل في المجتمع / الرسائل الفعلية والنصوص التي تنتج من خلالها
هذه السيمائيات هي (السميولوجيا) عند السويسري فردنان دوسوسير وتعني (دراسة حياة العلامات في المجتمع) وهي (السميوطيقيا) عند الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي شارل ساندرس بورس

أولا العنوان / عمر شارد 

العنوان بنية جامعة يتميز بثلاث سمات
1- بنية تلفظية واشارية وقعت بسياق تنكيري قصد تهويل الخسارة دون الأنتماء لفترة معينة بالخسارة فهو عمر مشاع للخسارة اما ما هذه الخسارة والشرود ممن فطبيعة العنوان طبيعة تخبأ جهة اشارتها فالعنوان لا يشير الى النص كمرجعية جاهزة وانما الى احتمالات يكون النص واحد من حقول تمثلاتها النص هنا واقعة ثقافية تتدخل فيها مقصديات الكاتب
النص طريقة استعمال لظواهر الحياة
2-العنوان ذو علاقة جدلية مع النص هي (بناء / هدم) يبنى العنوان قيمة دلالية ويهدم النص هذا البناء بفضح المحتملات في الأفق الدلالي للعنوان
3-العنوان حامل اشاري وليس هو الإشارة فالإشارة هنا هي المحمول المؤجل الى مسميات التجارب لدى المتلقي والنص هنا ليس محمول انما هو صيغ احتمالية لنتائج الشك والعزوف والكرة والندم صيغ احتمالية لنتائج وليس لأسباب كونه أي النص هو لحظة مقتطعة من ظواهر محكومة لنسق عرفي وثقافي ونفسي


ثانيا / معجم الأهواء في القصة 

 الاغتراب / الياس / الشعور بالنقص / الارتياب / الشك / ضعف الشخصية / التردد / السطحية / الغيرة / اتباع الهوى

الأهواء سياقات مرضية غير سوية على المستوى الشخصي والنفسي والأيديولوجي والأجتماعي
الهوى مفردة ذات استعداد دلالي مزدوج فمن جهة يحيل الى مرجعيات الظواهر الواقعية كمصاديق بغية التحذير منها ضمن سياقاته التي ذكر فيها ومن جهة أخرى فان هذه السياقات هي صيغ ومشاهد بذات الآن وهذا ينفي القول الشائع بان الأشياء لا دخل لها في تعريف العلامة ولسنا بصدد البرهنة

لنر سياقات الهوى في بعض المشاهد
1-ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث
2-ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرط
3- افرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة
هذه ثلاث سياقات تصور مشاهد مختلفة النتائج / كلب يلهث / التشتت والضياع / تعطيل الحواس والمشاعر / لعبت فيها مفردة الهوى دورا مزدوجا فمن جهة لديها استعداد ذاتي لتقبل السياق المختلف ومن جهة انفتاحها على متغيرات الواقع ومعنى انفتاحها هو ان المتغيرات لها دخل في إعادة تشكيل الصيغة الملائمة من المعنى بثبات المفهوم (هوى) مما يضيف لرصيد المفردة وهذا مما قالت به السيميائيات المعاصرة بان المعنى ليس كما مودعا في النص بل هو سيرورة تدليلية
المشاهد تقول ان الهوى سياق خسارة وتدمير والهوى ميل النواقص لقيادة الذات

الان لنعد للقصة ونتقصى التدليل السيميائي وفق المعجم المذكور 

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ

1- شارف عمري على الأربعين وطالت بي سنوات العزوبيّة.. كنت أرفض القيود، كيف لي أن أقبل بامرأةٍ تكبّل أنفاسي؟ كنت أفرض على أمّي شروطي المجحفةَ. فتسقط في جُبّ اليأسِ وأسمع بكاءها الصّامت.. لم أحسن الظنّ يوما بجمال المرأة الخدّاع..
ما قبل الأربعين وحتى المشارفة عليها قطعا هي مسافة استوعبت سلوكا اغترابيا وبوعي سطحي فرفض القيود هو دال نفسي يسمى الوهم بمفهوم الزواج فالزواج قيد وتكبيل ويتربى الوهم لينتج سببا مغايرا وهو حتى وان قبلت فاني لم أحسن الظن بالمرأة وتتبدى السطحية انه لم يحسن الظن لا بما هيتها وجوهرها فهو غير عابئ او أصلا لا يفقه كينونة الأنثى فتكلم عن جمالها ومتى كان الجمال خداعا السلوك هو الخداع الجمال حالة قارة لا تفرض على المتأثر ايمانا او كفرا به
العلامات السيمائية هنا نفسية (رفض / فرض قيود / شك / تردد في بيان السبب من العزوبية
البكاء الصامت للأم هنا تفتح مداه مفردة صامت فالصمت كلام مدوي ومزعج لصاحبه لأنه بؤرة استقطاب المتناقضات وقيامة الذكريات والمحتملات بمعنى ان الصمت دال نفسي ذو وظيفة انفعالية للمتلقي تحيله لجزر الصمت مسبوقا باليأس وجبه
الياس هنا مرادف لمسافة الأربعين وهنا هو يمارس عقوقا إضافة لحماقاته الغبية
المشهد الأول مجال علاماتي نفسي حسم شخصية البطل وابعادها فالتطبع بأربعين عاما بمعجم سلوكي ثابت هو اغتراب عن الذات وعن حقيقة الحياة والمشهد برمته يحيل الى المشهد الأصل والضد ( وجعل منها زوجها ليسكن اليها ) ينعدم هنا السكن الذاتي والسكن الاجتماعي
2- قد أتسلّى بإحداهنّ في أويْقاتِ نشوتي ثمّ أرميها في قمامة الإهمال.. كانت تتبدّى لي في صورةِ حرباء متلوّنة أو هرّة ناعمة تكشّر عن أنيابها كلّما داعبتَ أنوثتها الطاغية. ربّما يتحرّك شغاف قلبي لزرقة العيون وللشّعر المسافر بين سبائك القمح، قد تسحرني بيضاء فارعة الطّول ممشوقة القوام
هذا المشهد تنويع لمبرراته الغبية ويظهر عمق النقص الذي يقوده الشك والمشهد احتفال سيميائي احترافي (اتسلى / ارمي / حرباء / هرة / زرقة العيون / الشعر المسافر الخ
هنا دلالة مقلوبة ذكية يظهرها السرد على لسان البطل فهو يتكلم عن مبررات واشكال رفضه في حين ان السرد يتضح أكثر جمالا بخارطة الانثى بعيدا عن غباء المبررات
3- خنقتني العبْرات فهربت إلى الشارع الفسيح حيث يصطف الرجال لقبول التعازي.. لاحت لي امرأة تتهادى في خطو بديعٍ و معها طفل وسيم ..يا الله..صاح أبي ماسحا دموعه الساخنة :
"من شابه أبــــــــــــــــــاه ............ما ظلم.."

خنقتني العبرات مسافة ندم (الخنق / العبرات) كل دال يستدعي بشاعة الجرم الذي يتضح بضده (لاحت لي امرأة تتهادى في خطو بديعٍ ومعها طفل وسيم)
تتهادى في خطو بديع سيمياء جسدية تفصح عن جمالية المرأة وروعتها التي تكشفت له اليس هو القائل / لم أحسن الظنّ يوما بجمال المرأة الخدّاع..
الطفل الوسيم باطن هذه المرأة بكل تجليات الحياة والوسامة هنا دال على يقين طهرها لان لهجة الوصف على لسانه جاءت بهدوء منقطع لنظير هدوء الذات بقين المشهد وظهور الندامة عليه
ومن شابه اباه ما ظلم وهو قول ابيه هو دال ينتصر به السرد دسه الكاتب ليحسم علو مكانة المرأة وهي تواجه قذارة النسق الرجولي الفاشل فالجملة مدوية مفادها خذها اليك حاسمة فيا حسرة على (كان نسخةً منّي.. قطعةٌ من جسدي.. نطفتي النّفيسةُ تبلّل روحي العرجاء و تسعفني من الكلس و الصّدإ.كم تجرّعتِ يا "سليمة" شكّي ترياقا مرّا ‼ كم ضاع من سنوات عمري المضمّخ بالخيبات)
ومن الواضح ان العبارات / كان نسخة مني الخ المقطع هي تعابير مركبة ببعد انفعالي مما يعني ان البعد الانفعالي جوهري حتى لو سلك الوضوح مخالفا بذلك البعد المجازي فحين يحدث تزاحم بين انزياح السياق بالمفردة الى وجهة أخرى وبين بعدها المتجذر فيها  تنحاز الى بعدها الانفعالي
فمثلا وترى الأرض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت فان من الواضح تمسك مفردة الهمود بخزينها وكذلك اهتزت وربت رغم ان السياق انحرف بها لمغزى احياء النفس والسياق أصلا تعمد هذه المفردات لشدة تمسكها بجذرها المعجمي الذاتي
السياق سياق الخسارة والهوى متمثلا بالشك واخوته هو بطل القصة فالشخصية حاملة للأشارة وليست هي انما الإشارة هي العمر الشارد بالخيبات من قبل الأربعين وبعدها
الشك واخوته هنا من اهواء هو نموذج عام يحتوي كل النسخ الممكنة
في حين ان عمر شارد سياق مفهومي انتجه التسنن الثقافي الذي قاد الذات الكاتبة لأختيار النموذج النصي باعتباره صيغ قابلة تدل في حدودها الثقافية
بعبارة أخرى ( انها دالة في حدود قدرتنا على استحضار الحقل الثقافي الذي نستد اليه من اجل الحكم على الظواهرأو تاويل الوقائع او فهم القيم وادراكها )1

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- السيمائيات / سعيد بنكراد


******************************************

النص:
عمْرٌ شاردٌ

شارف عمري على الأربعين و طالت بي سنوات العزوبيّة.. كنت أرفض القيود، كيف لي أن أقبل بامرأةٍ تكبّل أنفاسي ؟كنت أفرض على أمّي شروطي المجحفةَ..فتسقط في جُبّ اليأسِ و أسمع بكاءها الصّامت .. لم أحسن الظنّ يوما بجمال المرأة الخدّاع..
قد أتسلّى بإحداهنّ في أويْقاتِ نشوتي ثمّ أرميها في قمامة الإهمال.. كانت تتبدّى لي في صورةِ حرباء متلوّنة أو هرّة ناعمة تكشّر عن أنيابها كلّما داعبتَ أنوثتها الطاغية. ربّما يتحرّك شغاف قلبي لزرقة العيون و للشّعر المسافر بين سبائك القمح، قد تسحرني بيضاء فارعة الطّول ممشوقة القوام.. فيسخر أبي مشيرا إلى أمي:
" طلبك غير موجود في السّوق..هل تبحث فقط عن عظام تكسوها بعض الخرق الممزّقة ؟و هل سيشبع قوامها الرّشيق سغب الأربعين؟؟ اُنظر إلى أمّك و انتق على مقاسها ، أكل الزّمان ما اشتهى و استبْقى لنا مخزونا نأمن به غدر الصّحة" فنضحك كثيرا و تضحك والدتي بمرارةٍ..فأفِرّ من سِياط إصرارها إلى حضن أختى و هي أخصائيّة في العلاج النّفسيِّ.. أقتحم عليها عيادتها فتُلملم ما تبعثرَ في وجداني ..

جمعتني الصّدفة بإحدى صديقاتها الشّقراوات فتشبّثت بأذيال هدوئها الأخّاذ.كانت "سليمة" طبيبة أمراض نساء و تفرغّت لعلاج العقم..تأجّج نبضي لحضورها البهيّ ..تنثر حبّات البهجة متى صرخ بين يديها المخمليّتين مولود جديد..
بسرعة غير متوقّعة عقد رباط الزّواج على قلبينا و رقصت أمي بمناديل الانتصار ..
لم أخف انزعاجي من عملها و انشغالها الدّائم بأخبار الولادة و الإجهاض..لكنّها أغلقت منافذ تبرّمي بوداعة ردودها و بكفّها المعطّر على شفتيّ كلّما هممت بالشكوى..فانكفأت على غيرتي الممضّة و شكّي الهدّام..عشقي لها لم يدفن سوء ظنّي بالنساء لذلك كنت أترصّد خطاها و أحسب وقعها. فالرّجال يتردّدون على عيادتها يوميّا أكثر من النّساء..
فهل أصاب الجدب كل الأراضي المتناسلة؟؟
لم يكن ينقذها من رقابتي اللّصيقة إلاّ سفري للعمل لاستكمال مشاريعي..
طلبت مني ذات صيفٍ حارق أن تصاحب أسرتها في عطلةِ على شاطئ البحر.
فمانعتُ بشدّة لكنّني رضختُ عن كَرهٍ خشيةً عليها من الوحدةِ..أبى القدر أن تسمع صرخة مولودنا و رفضت العلاج على يديها بل منعني كبريائي من البوح بأنّ الأمل ضعيف كما أسرّ لي أغلب الأطباء..
عدتُ بعد أسبوعٍ فلم أجدْ "سليمة" في المنزل، هاتفها مغلقٌ..توجّهتُ إلى مسكن والديْها.قرعتُ الجرسَ قرعا يصمّ الآذان..الحيرةُ تثقل كاهل الجدران المظلمة..
راودتني مخاوف سامّة أقضّت نعيمي و جعلتني قابعًا كالتّمثال الأخرس إلى أن حلّ الدّجى..و تصبّب عرقي و دمعي شلاّلا..أ تكون قد فرّت دون أوبةٍ من جحيم شكّي
و غيرتي ؟؟
مرّت ساعاتٌ و أنا أحرس الباب المنيعَ. و لا أعرفُ كيف تهاوى جسدي على الحائط المنهك بالسّؤالِ. فغلبني نعاس كريهٌ و لم أفق إلاّ على زمجرةِ سيّارةِ والدهَا.غشت بصري أضواؤها السّاطعة .فلم ألمح شبح زوجتي المتداعي بين ذراعَيْ أمّها..ابتلعت أسئلتي و خيّم الصّمت القاتل و زوجتي طريحة الفراش ..آثار حرق على يديها البيضاويْن و خدوش على خدّيها و جرح غائر على رقبتها ..
قطعت "سليمة" جنازةَ الشّك بصوتها المتحشرج المخنوقِ :
" كانت ليلة قمراء فراقَ لي ترشّف ضياء البدرو تنسّمَ العبير المضمّخَ بالطّحالب على ضفاف البحر. خرجتُ مع أخي الصّغير فأخذتنا أقدامنا المحمومةُ إلى مكان بعيدٍ..لاحَ لنا عن بُعد شبحٌ عملاقٌ يعدو نحونَا. فتسارعت دقّاتنا مع لهاثنا و القمر يسقط في عمقٍ مدلهمٍّ..أمسك بقبضةِ أخي و أسقطه أرضا و داس بقدمه الكُبرى على أنفاسه ثمّ جذبني من شعري و هوى بي على رمل نتأت أشواكه..أطفأ سيجارته المستعرةَ على يديّ و بدأ يتحسّس جسدي بلا ورع على مرأى أخي المتوجّعِ..مزّقَ ثوبي و لكنّه لم يستطع أن يسطُوَ على عفّتي ..فزاد حنقُهُ فسدّد لكمةً على أشداق أخي ففقدَ الوعيَ..ثمّ طفقَ يجرّني من ضفائري إلى بلغ بي صخرةً مطلّةً على أوجاعي ، و كاد رأسي يرتطم بسطحها المسنون لكنّني ركلته على بطنه المنتفخِ فسقطَ أرضا مُستأسِدًا نافثا سُمّ سكّينه في خاصرتي .. ربّما صدّق ادّعائي أنّني مصابة بمرض تناسليّ مُعدٍ..فانسحبَ من الحلبةِ بعد أن اجتثّ سلسلتي من رقبتي و اقتلع خاتمي فكسر أصابعي..لم أستفق من غفوتي إلاّ في المستشفى و أخي ممدّد يبكي بكاء عنيفًا..أخبرني الطّبيب أنّ الصدمة حفرت عميقا في نفسه.. ألفيتني روحًا هائمةً تنتظر صكّ التّصديق.."
لم أنبس بكلمة..نما جدار عال بيننا ..إنْ نجت من الاغتصاب فهل أصدّق أنها ليست مصابةً بالمرض المزعوم ؟ و كيف لي أن أتأكّد من صدق روايتها..لا حلّ سوى الطّلاق..
عُدت إلى نظرات أمّي الذاويةِ و إلى صراخها المكتوم ..لم تكد تفرحُ بزواجي حتّى كدّرها خبر جدبي..و عندما اقتنعت بالنّصيب صدمها فكّ الارتباط ..
بعد شهور بلغني نبأ حمل"سليمة"فزاد يقيني أن نطفة الوحش زُرعت في أحشائها..
فكيف بنهري العليل أن ينبت زهرا يانعا؟؟
همز الجيران يذبحني من الوريد إلى الوريد.. اِضطرمت نقمتي فقرّرت الرّحيل ..
نأت الطائرة بهمومي بعيدا إلى جزيرةٍ آسويّة ..أحسستُ أنّها تتمايل مثقلةً في الفضاء..
دفنتُ أوتار مشاعري في الفراغ المقيتِ و لم أتجرّأْ على ارتياد الشّواطئ.. كلّما تناهى تلاطم الأمواج إلى مسامعي تشّكل في ذهني مارد من دخان يقطعُ أوصال جسمي إربا، فيتسايل لعابهُ على قطعي المبعثرة فتتجمّع من جديد ..مرّت السّنوات مالحةً دون بحر..
اِستفقتُ يوما على هاتف مزعج يخبرني في خشوع بأنّ صحّة أميّ تعكّرت ..
عدتُ فأزحت الوحش عن كاهلي. لكنّ أمي لفظت أنفاسها الأخيرة قبل وصولي ..

كان المنزل يغصّ بالمعزّين و كنت أبحث بين الوجوه عن صفحات آفلة لكنّها سرعان ما تطايرت متراقصةً في مهبّ الذّكريات..
خنقتني العبْرات فهربت إلى الشارع الفسيح حيث يصطف الرجال لقبول التعازي ..لاحت لي امرأة تتهادى في خطو بديعٍ و معها طفل وسيم ..يا الله..صاح أبي ماسحا دموعه الساخنة :
"من شابه أبــــــــــــــــــاه ............ما ظلم.."
كان نسخةً منّي.. قطعةٌ من جسدي.. نطفتي النّفيسةُ تبلّل روحي العرجاء و تسعفني من الكلس و الصّدإ.كم تجرّعتِ يا "سليمة" شكّي ترياقا مرّا ‼ كم ضاع من سنوات عمري المضمّخ بالخيبات‼ عانقت أبي ثمّ تبخّر طيفها بين الصّفوف..


***********************************************************************************

قراءة رائعة بثوب جديد، من أديب وناقد متمكن، لنص جميل من أديبة مبدعة، دام التألق والتميز، ودام التوفيق والنجاح إن شاء الله تعالى.




0/أكتب تعليق

أحدث أقدم