"الحب في زمن الكورونا" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/ خالد العجماوي- مصر Love in the Time of Corona








"الحب في زمن الكورونا" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/ خالد العجماوي- مصر  Love in the Time of Corona

"الحب في زمن الكورونا" مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/ خالد العجماوي- مصر 


مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 


وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم  

مجلة الاقصر الدولية   بها وبالمبدعين فيها.. 


والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النص:


************************************************************************************

الحب_في_زمن_الكورونا

-١-
كانت شفتاي تهمس حبا عند أذنها، ورأسها يميل، وهي تعض شفتها السفلى بعينين مغمضتين. ويداي تحوطان خصرها الدقيق. لمحت نبضها يسطع على نحرها في وله. ولثمته وأنا أتنسم عبير عطرها الرائق. بيد أني لم أكن قد ذقت شفتيها بعد، حين كسروا بابنا ليكون ثلاثتهم داخل غرفتنا بغتة.
لم تظهر لهم ملامح. كان كل منهم منعزلا داخل حلته البيضاء الواقية، والتي تغطي من رأسه إلى أخمص قدميه. حتى أظافره. عيونهم أخفتها دوائر بدت من زجاج، ووجوههم غطتها أقنعة سوداء من المطاط ربما. أحاطني اثنان، بينما لوى الثالث معصم زوجتي ليشل أي مقاومة. تأوهتُ ألما وقد لكمني أحدهم في معدتي حتى وجدت الغرفة تتحول إلى سواد. لا أذكر شيئا بعدها. ليس سوى أنه قد قال كلمة قذرة تخص شرفي وهو يركلني بقدمه.
لقد استطاعوا الوصول إلينا إذا. تراهم ماذا سيفعلون بنا؟
هل سياحكموننا أولا؟ أم سيقتلوننا على الفور؟ جرمنا عندهم أشد من القتل وأكبر من الخيانة. نحن بالنسبة إليهم نشرع في قتل الإنسان، ونخون صنف البشر. كل البشر. نحن قتلة وإن لم نحمل نصل سكين، وخونة وإن لم يكن لنا خائنة أعين. كان جرمنا أنا سعينا إلى التلامس، أو بالأحرى، أردنا الالتصاق.
-٢-

ستتزوجان. أقسم أن أفعلها!"
ضحكت حين قالها. رفعت حاجبي بمسرحية، وقلت :
- صرت الشيخ فالنتين!
- من فالنتين هذا؟
- قديس في عصور الرومان. قام بتزويج المحبين رغم نهي السلطات.
سألني في خفوت:
- وكيف كان مصيره؟
نظرت في عينيه، وقمت بإشارة الذبح، وهمست:
- قطعوا رأسه.
لكمني في كتفي، وقال ممازحا:
- لن تخيفني يا جبان!
ضحكنا. كان فارسا نبيلا في عيوني منذ كنت صغيرا. كان ثوريا متمردا، لا تتناسب حياته والاستقرار. كيف ونصف حياته قضاها بين التحقيقات والسجون؟ كان يرى أنه لا يمكن تطويع الدين لخدمة سلطة. وكانت هذه مأساته.
- تحبها؟
أجبت:
- نعم.
أشار إلي بسبابته محذرا:
- إياك أن تقربها.
- من قال إني سأفعل!
- دعك من تمثيل دور البريء. إذا أحب القلب تاق الجسد إلى الارتواء.
كان يفهمني.
وكذلك كانت هي.

-٣-

بدت محاولات السيطرة يائسة. قررت السلطات أن ينعزل الجميع. لكل إنسان مسافة عشرة أمتار لا يقربه فيها أحد. مات نصف العالم فزادت الفراغات. كل إنسان يكون في مسكن مستقل. يمنع تواجد الأسرة في مسكن واحد. هذا إن أردنا الصراع من أجل البقاء. صارت العزلة فرضا مقدسا، ومن لا يتبع الأوامر يكون خائنا، وعلى البشرية أن تتخلص منه كنفاية.
لم يعد ثمة اثنان يجتمعان. توقف الحج إلى نهر الغانغ بالهند، كما توقف الذهاب إلى مكة. توقف قداس الأحاد. حتى صلوات الجمعة أوقفتها السلطات، طالبين من المصلين أن يصلّوا كل بمفرده، داخل منزله، وأن يدعو ربه أن يهدي البشرية سبيل خلاصها.
وقتها تمرد الشيخ "خضر". بدا لي بطلا من الأساطير. ظهر في التلفاز وقد انتفخ وداجه من الغضب، وهو يصرخ أن البشرية تحتاج إلى مزيد من الصلوات، وأن منع الحج والجُمع إن هو إلا طريق هلاكها. طال حبسه مدة شهر، ثم تركوه بعد أن تعهد كتابة بألا يجدد دعوته بصلاة الجمع. كان ذلك الشيخ خالي.
أسررت لخالي يومها بما يجيش في صدري من وجد. حذرني. لا زلت أذكر سبابته وهو يشير إلي صدري ويقول إياك والحرام. لا تقابلها سرا. ادخل البيت من بابه واطلبها من أبيها. حذرتني هي من أن أطلبها وأنا لا أزال طالبا ليس لديه دخله الخاص. كان حلما مؤجلا. لم نتقابل رغم أني عرفت أن بيتها لبس ببعيد. أخذت بنصيحة خالي. لم أرد أن أغضبه، أو أني لم أرد أن أغضب الله كما قال هو. الله الذي سيجمعني بها يوما. كان الدين وقتها السور الذي يعوقني على أن أتلمسها. وأن أتنفس عبير أنفاسها. وأن أذوق شفتيها. كان الدين عائقا عن لقائنا وقت كانت الدنيا يسيرة للوصول، ثم صار نفسه الواعد بوصالنا بعد أن صارت كل الدنيا ترفض اللقاء. هل لابد للدين والدنيا أن يعيشا في خلاف؟ أ ولم يكن ثمة وسيلة كي يكونا على وفاق. سألت خالي. أجابني:
- الدين تحكمه الشرائع، والدنيا تحكمها المصالح والأهواء.
لما وعدني خالي بأن يزوجني منها احتضنته. كأنه أملي الوحيد بعد أن وقفت الدنيا كلها ضد وصالنا. وضعنا خطتنا سويا. قال إن لديه مكانا سريا بعيدا عن أعين السلطات وكاميراتها سيزوجنا فيه. سيكون وليها بعد أن حصدت الكورونا أباها. قال خالي إن زواجنا سيكون مباركا. وأن اتباع سنة الله في خلقه هي التي ستنجينا وتنجي البشر.
كان قلبي ينبض بعنف حين صرت معها وحدنا.

-٤-

كان بطني يؤلمني إثر تلك اللكمة التي تلقيتها. أفقت لأجدني وحدي في غرفة صغيرة، عليها باب بدا لي مصفحا.
وجدت أمامي ورقة مطوية وهاتف. فردت الورقة لأجدها قائمة التهم الموجهة نحوي. لا محاكمة إذن. قرروا عزلنا. والاكتفاء بسرد قائمة جرائمنا. كيف سيكون مصيرنا؟
التقطت الهاتف. لم يكن يخصني. فتحته. ثم انتفضت.
على الهاتف صورة لزوجتي. نصف عارية. وقد بدا على وجهها أثر لكمة تحت عينها الباكية. أتاني إشعار رسالة " لا سبيل للقائها. إن أردت أن تستمتع فتمتع بها هنا"
يا للأوغاد!
يرغمونها على التعري. لا وسيلة للتواصل معها. بكيت في حرارة. الملاعين. هل كفر البشر؟ هل صار يستحق الإنسان الفناء؟ أصابني دوار. نمت. وجدتها بين يدي. بكيت على صدرها، وهي تربت على وجنتي التي بللتها الدموع. اشتعلت رغبتي. قبلت شفتيها فبدت لي شهية كالكرز. قبلتها أخيرا، وقد كنت أمنع نفسي عنها حتى في أحلامي.
أفقت فجأة على صوت إشعار جديد عبر الهاتف، وكنت في منتصف طريق الرغبة. فتحت الهاتف لأجد لها صورة جديدة، نصف عارية كتلك، وإن بدت وكأن عينها مفعمة بالإغواء.
أمعنت النظر . سال لعابي.

******************************************

2- هستيريا.

- صادق. أنت متأكد؟ الشيخ وحيد بنفسه؟
- نعم. هو بنفسه..
- وتؤكد لي أن عينه سليمة؟
- سليمة تماما يا د.عبد العليم. صدقني. نظره ستة على ستة.
رجع إلى الوراء. نفث دخان سيجارته وشخص إليّ بعينين حادتين. قال:
- إذن فالتشخيص المبدئي هو هستيريا العمى. لا بد أن أراه عندي في العيادة.
لم أنبس بحرف. فقط بادلت نظرته الحادة إليّ بنظرة حاولت أن أجعلها حادة وواثقة كنظرته. أتراه لا يصدقني؟ هل يشك في قدرتي المهنية؟ وهل يحتاج العمى إلى طبيب عيون حاذق لتشخيصه؟ المشكلة أن الشيخ وحيد معروف جدا في
الأوساط الإعلامية. ستكون كارثة لو علم أحد بالأمر. الشيخ وحيد مصاب بمرض نفسي؟ هستيريا؟!
تفحصت في ملامح الدكتور عبد العليم وهو جالس خلف مكتبه في عيادته الخاصة. هو متمرس قديم في الطب النفسي، حصل على رئاسة القسم لدينا في الجامعة قبل أن يصبح أستاذا متفرغا منذ سنوات عدة بعد بلوغه الستين. عصبي هو. عيناه حادتان كالصقر. يؤمن بعلمه حد التقديس.
ما أخبرته عن الشيخ وحيد أثار استغرابه في البداية لاشك. ولكنه لايؤمن بمثل هذه الأشياء. طالما ليست في الكتب العلمية فهي عنده محض هراء.
سألته بعد تردد قصير:
- ولكن هل تكون هستيريا العمى جزئية؟ أليس من المفترض أن يصاب بالعمى كليا يا دكتور؟
- ليس شرطا..طبعا الحالة غريبة ولكنها مفهومة بالنسبة لي.
- مفهومة؟
- اسمع. أمثال الشيخ وحيد هذا يعرفون أنهم نصابون. هو يأكل على قفا الناس وجهلهم. هو يبيع لهم الوهم باسم ما يعتقدون. يطالعنا كل يوم عبر التليفزيون ليرسخ في أذهان الناس الوهم.
نفث دخانا وظل يرقبه وهو يسبح في الأثير:
- يبدو أنه لايزال لديه بعض من ضمير. صحا فجأة وأوجعه أن يبيع الوهم للناس. أن يسكت في الناس الطموح باسم الإيمان.
نظرت إلى عيني د.عبد العليم وهما يلمعان. مؤمن هو. ولكن بالعلم وحده! أردف:
- قام عقله بحيلة دفاعية على شكل هستيريا توافق ما يؤمن به من معتقد. حيلة دفاعية على شكل عقاب للذات.
هالني تفسيره للأمر. عجيب!
قررت أن أقذف إليه بقنبلة جديدة.  قلت مسرعا:
- ليس الشيخ وحيد فقط يا دكتور.
ابتسم ساخرا، وهو يطفيء السيجارة بعصبية دفينة. قال:
- لن أستغرب إذا قلت نصف شيوخ البلد. كلهم نصابون. ربما صحا ضميرهم كلهم فجأة مرة واحدة. شيوخ السلطان!
- لا.
- من غيره إذن؟
- الراقصة دوللي!
اتسعت عيناه دهشة. تراجع إلى الوراء تارة أخرى، والتقط سيجارة جديدة، قال:
- دوللي؟!
 - نعم.
- غريبة!
أجبته وأنا أعلم أنها مفاجأة مذهلة:
- جاءتني تشتكي نفس الشكوى. هي ترى كل شيء حولها بلا أي مشاكل. إلا حينها فقط.. لحظتها لا ترى شيئا. مجرد صفحة بيضاء!
- عينها سليمة؟
- تماما.
- ولكن هل تقوم دوللي ب....
قاطعته:
- وليست دوللي وحدها يا دكتور..
تقلص وجهه. بدا الأمر تحديا حقا لتاريخه العلمي. إذا كان الشيخ وحيد يعاني من هستيريا العمى الجزئي حسب اعتقاده، فما الذي حدث لدوللي؟ هل صحا ضمير هؤلاء فجأة، فقاموا بحيلة دفاعية واحدة على اختلاف أشكالهم وتوجهاتهم؟ شيخ وراقصة؟ لم أذكر للدكتور عبد العليم أن عشرات المرضى توافدوا علي في عيادتي للكشف على عيونهم، جاءوا بنفس الشكوى. وعيونهم سليمة كلهم!
بدا وكأنه يلوك السيجارة في فمه. هز رأسه وكأنه ينفي أمرا ما. قال أخيرا:
- دوللي هي الأخرى. أحتاج أن أراها في العيادة.
سألته بغتة:
- هل لديك مصحف؟
وكأنني أطلقت رصاصة!
تبادلنا النظرات. عيناه الحادتان يصوبهما نحوي كمن يدافع عن نفسه بآخر ماتبقى لديه. وجدت على جبينه عرقا. صار يلمع تحت الضوء. تعرقت يدي فتركت أثرها على مكتبه.
ساد صمت كئيب للحظات، بدت طويلة كدهر. قال في الأخير:
- لماذا تسأل؟
- فلنجرب.
- هل تمزح؟
- هل التجربة نوع من المزاح؟
انكسرت نظرته الحادة فجأة. نظر إلى الأوراق على المكتب وبدأ يتلعثم:
- ولماذا لم تجرب في عيادتك يا د.صادق؟
قلت دون تفكير:
- لم أجرؤ. فلنجرب سويا الآن!
- هل تصدق مثل هذه الأشياء؟
- د.عبد العليم. دعنا نجرب.
رمى عيناه نحو الدرج الأسفل. فتحه وقد بدا في يديه رعشة. قلب في أوراق داخله ثم التقط مصحفا صغيرا ووضعه على المكتب بعد أن نفض بعض الغبار.
ثبتنا عيوننا على وجهينا. تصببنا عرقا. لست أدري لم لم أحاول أن أجرب وحدي. ربما هو الخوف من النتيجة. أردت أن يكون معي أحدهم.
أمسكت أنا بالمصحف الصغير. فتحته ووضعته أمام وجهه. قلت في خفوت:
- اقرأ..
لم ينبس.
مرت دقائق قاسية. لم يعد وجهه ذلك الوجه الجامد الحاد. رأيته كوجه من الشمع الذي يذوب. كان عرقه كاحتراق الشمع! بدا وكأنه قد توقف عن التنفس. صار تمثالا لرجل ملتاع. فهمت الأمر..
بيدين مرتعشتين، قررت أن أقوم بالتجربة الأخيرة.
أدرت المصحف نحوي. أحسست بالدوران. كأنه الطوفان وقت نوح. كأنه البحر يطبق على فرعون. كأنها الصاخة. كأنها الطامة الكبرى.
لم أر سوى صفحة بيضاء!
لدينا نفس الشكوى إذن. نحن لا نستطيع أن نرى القرآن!
كاد قلبي أن يتوقف، وكادت أن تصيبني إغماءة.  نظرت إلى الدكتور عبد العليم فوجدته منكسرا. كجبل تصدع أمام تجلي الحقيقة، أو كصنم مكسور بفأس إبراهيم.
خرجت مسرعا من عيادته..ركضت خارجا كمن يهرب من الطوفان. ولكن أين أذهب؟
وجدت نفسي في الشارع. وسط الزحام. هل لايزال ثمة خطوة باقية في التجربة؟
أوقفت رجلا يهم بمرور الشارع. فتحت له المصحف. سألته:
- اقرأ.
نظر لثوان. هز رأسه نافيا وأجاب بلا مبالاة:
- - لا أرى شيئا. آسف.
وذهب مبتعدا.
زاد الدوار في رأسي. صوت الصخب يزداد من حولي يكاد يصم أذني، وصوت أبواق السيارات وأضوائها تبدو كرؤوس الشياطين. أوقفت سيدة عجوز. سألتها:
- سيدتي..اقرئي بالله.
نظرت، ثم قالت مستهزئة:
- أتسخر مني يا سيد؟ ماذا أقرأ في صفحة بيضاء؟
لم يعد ثمة خطوة باقية في التجربة.
هي القيامة؟! ماذا أفعل؟ من أبلغ؟ لقد اختفى القرآن إذن!
لابد أن أذكر الأمر للسلطات..أن أبلغ العالم..لابد أن نتجهز للأمر.. كم بقي من الوقت؟ هل لايزال ثمة زمن؟
جلست على الرصيف وأنا أضع رأسي بين يدي.. وأصوات الأبواق والضجيج كما المطارق. اخترق سمعي نحيب وبكاء.
رفعت رأسي فوجدته طفلا يجلس على

******************************************

3- #سطور_نازفة

كأنها الجنة!
 قاعة دائرية هائلة وأرض من الرخام، تمتد على جدارها الدائري من ثلاث جهات أرفف خشبية سميكة، تحمل ألافا من الكتب. وعلى الجهة اليمنى لوحات من الزيت.
 هل ثمة كتب في الجنة؟ هل نحتاج  في الفردوس أن نقرأ التاريخ؟ الفلسفة؟ هل نحتاج أن نقرأ رواية؟ ربما أكون في الجحيم إذن؟ المعاناة والصراع. الأفكار التي تحاول الخلاص فلا تجد فكاكا فتلوذ بالأشعار والأهات. كل هذا تطويه الكتب في صفحاتها، وكذلك الجحيم؛ تملؤه الأنات، وأفكار الهروب البائسة من معاناة أبدية.
مهلا. ربما لست في الجنة أو النار. ربما أحلم الآن!
هالني الخاطر. تذكرت أني ملعون ومنبوذ. أنا رقمٌ في زنزانة. حكم علي بالأمس أن أخلع بدلتي الزرقاء وأن أرتدي الأحمر.
فما الذي أتي بي إلى هنا؟
طرق أذني صوت ضخم، بدا وكأنه أصداءٌ سرت في فراغ القاعة المهيبة:
- حكمت المحكمة على المدعو بالإعدام قراءةً حتى الموت!
الإعدام قراءة؟!
أنا أحلم إذن. ربما أنا الآن مستلق على أرض الزنزانة الرطبة، وقد جف حلقي، وأنهك جسدي التعب. فرحت في نوم عميق، فخُيّل إلي أنني سأموت هنا، في هذه المكتبة الأنيقة!
ورحت أضحك. يالخيالي.
ظهر رجل في منتصف القاعة. أنيق يلبس حلة. نظر إلي وعلى فمه ابتسامة. لست أعرف هل كانت صفراء، أم بيضاء. بدا وكأنه مذيع داخل فيلم وثائقي. قال:
تعرف أنه تقرر إعدامك.
نظرت إليه في سخرية. أهكذا صور لي خيالي عم عشماوي؟ رجل أنيق ببدلة وسط قاعة مكتبة؟
استطرد الرجل بأسلوبه المسرحي:
لن تموت مشنوقا..
أشار إلى الكتب حولنا وكأنه يشير إلى العالم:
ستموت في أكثر مكان تحبه. ستموت وأنت تقرأ.
نظر إلى عيني مباشرة فبدا لي كذئب. استجمعت شجاعتي وأنا أذكر نفسي أنه مجرد حلم. أشار بيده نحو اللوحات على الحائط الدائري. قال :
كل هذه اللوحات لشخوص ماتوا لأجل أفكارهم.
توجهت بناظري نحوها فوجدت صورة سقراط وهو يمسك بكأس السم، ويشير بسبابته نحو السماء، وحوله تلاميذه يبكون لإعدامه. رأيت المسيح مصلوبا وعلى رأسه الشوك، ومن يديه تقطر الدماء. تحتهما لوحة لرجل موريسكي ربطه الأسبان على لوح خشبي وقد وضعوا قفص فئران على بطنه، وقد قرضت أحشاءه لتهرب من لهيب نار جعلوه فوقها.
هو كابوس إذن. أريد الصحو فقد أصابني الغثيان.
قال العشماوي:
- لن نعدمك بهكذا وحشية. نحن رحماء. سنتركك تعمل ما تحب يا عزيزي. إقرأ إذن. ولكن انتبه. لا تتوقف أبدا. إياك. هل ترى هذه الثريا في منتصف السقف؟
لمحتها بطرف عيني. بدت أنيقة، وهائلة، كأنها من العصر الفيكتوري. ضحك العشماوي. أشار إليها وأردف:
- إنها آلة إعدامك. تعمل بالصمت. كلما كان صوتا كانت مجرد ثريا، فإن ساد صمت مدة خمس ثوان صارت بنادق ترشق الرصاص في جميع النواحي. فهمت؟ خمس ثوان فقط من الصمت تكفي لأن تموت مغربلا بالرصاص. لا تصمت أبدا.. تكلم..اقرأ بصوت عال. لا تنم. النوم موتك. في الصمت نهايتك..ألم تنادِ بالحرية والكلام؟ تكلم إذن. ها نحن لا نكمم الأفواه. بالعكس. إن صمت مت! هل وجدت ما هو أرحم منا إذن؟
ضحك ضحكة هائلة.
تيقنت أنه كابوس بشع..
حسنا بما أنني أحلم، فلأكن شجاعا ولو حتى في أحلامي.
صرخت في منتصف القاعة وأنا أنظر إلي الثريا المعلقة:
- لن أصمت.. سأتكلم..ويملأ صوتي العالم.
صرخت ثانية وأنا أصدر صوتا كالوحوش، وأنا أدور في المكتبة كالأسد بالقفص..عااااا..عااااااا.
تعبت!
هل نتعب في الأحلام؟
ارتعبت شيئا. ماذا لو لم يكن حلما؟
قررت ألا أصمت.. سأفكر بصوت عال.. أقول كل ما يدور في خاطري. صرت أدور في مسار دائري أتلمس الكتب بيدي، وأصرخ: ماذا لو لم يكن حلما؟ عاااااا عااااا..
التقطت كتابا. لا أدري ولكن بدا غلافه من اشواك الصبار. قرأت "أحب أن أعلم الخطوات التي سارها الإنسان في طريقه من الهمجية إلى المدنية" كان فولتير.
وضعت الكتاب في مكانه وأنا أصرخ..عااااا...لاحظت أن يدي التي أمسكت الكتاب قد دميت. التقطت كتابا آخر. قلبت صفحاته. وكأنها من شوك يخترق بين أصابعي. قرأت بصوت صارخ "إنه لأيسر أن يختل نظام العالم وأن يتلاشى الخافقان من استمرارنا في المخاوف والتماس رقادنا بين تباريح الأحلام المخيفة كل ليلة! " وضعت الكتاب وكان ماكبث لشكسبير . تؤلمني يدي. صار يقطر منها الدم.
التقطت آخر. قلبت صفحاته. اصطبغت بلون الدم الذي يقطر من أصابعي، قرأت بصوت متهدج: "عندئذ أمر بيلاطس بأن يؤخذ يسوع ويجلد. وجدل الجنود إكليلا من الشوك وضعوه على رأسه" كان إنجيل يوحنا. وضعت الكتاب وقد تحول صراخي إلى أنات. شعرت بالوهن يزحف في جسدي. عقلي، وجفوني. وكأنني أريد أن أنام. هل يشعر النائم أنه يريد النوم؟
ليس لي أن أصمت. صرخت وأنا أنظر إلى الثريا في هلع: عااااا..عااااا..التقطت كتابا..صارت يدي كتلة لحم مهتريء. قرأت: "إذا أشارت المحبة إليكم فاتبعوها.وإذا ضمتكم بجناحيها فأطيعوها،  وإذا خاطبتكم صدقوها" ..كان جبران!
صرخت ألما. آااااه..
سقط الكتاب من يدي. ثقلت جفوني حتى كدت لا أستطيع فتحهما. صرت أشك أنه حلم. لو كان حلما لصحوت من الألم دون شك. يبدو أنها النهاية.. لا أستطيع التقاط أي كتاب..نظرت إلى الثريا، بدت كتاج من الشوك ينتظر الربوض على رأسي. صرخت في وهن : إلهي..لم تركتني!
نفدت طاقتي. قررت الاستسلام. حانت لحظة الإعدام. وجدتني أتمتم كلمتي الأخيرة "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟"
لم أقو على الصراخ. استسلمت للصمت. مرت خمس ثوان ..


***********************************************************************************

نصوص رائعة، أبدع الأديب فيها، بأسلوب متمكن وثقافة عالية، وسرد شيق جميل، دام التألق والإبداع أديبنا القدير ، موفق دائما إن
شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم