"أحلام تترنّح " قصة قصيرة بقلم الأديبة/ سلوى البحري - تونس Dreams are reeling



"أحلام تترنّح " قصة قصيرة بقلم الأديبة/ سلوى البحري - تونس.


مقدمة :

وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:


**********************************************************************************

  أحلام تترنّح

    الليل ساكن و الوجوه غريبة والأجساد تخفّفت من أثقالها. غدت أرواحا مسافرة تروم دفء اللقاء أحلاما ترحل بعيدا تنشد مرفآ آمنا هدأت موجاته. الطائرة تهمّ بالهبوط. لرائحة الوطن عبق يدغدغ الأفئدة النائمة فتصحو من سباتها.
    حطّت الطّائرة. سحب فائز حقيبته الصغيرة وغادر. نظر في الوجوه يبحث عن تفاصيل يذكرها ونسيته. فغربته طالت عقدين ونيف عمرا من الشقاء دهرا من الصدّ والجفاء. وقف ينتظر حقائبه. نهشته الوحدة. مزّقه الحرمان. على شفتيه تموت كل لحظة جمل عشق وحنين وتنكسر في قلبه آهات وجع وأنين. أخيرا وصلت الحقائب. رماها السائق في السيّارة. استأذن فائز من وكالة الأسفار أن يستغني عن السائق.نقده بسخاء. تسلّم منه المفاتيح. ورمى نفسه أمام المقود وانطلق. ماعاد يتحكم في المقود فالقلب قد عرف طريقه إلى القرية.. إلى لقاء أمّ طال بعاده عنها حتى كاد ينسى ملامحها. انحرف يمينا إلى طريق ترابيّ مازال محافظا على بدائيّته رغم كل هذه السنين. مازال يذكر أمّه وهي تروح به وتغدو كلّ يوم  لتوصله إلى المدرسة. لكم أشفق عليها وهي تركبه الحمار كلّ فجر وتقوده مترجلة في هذا الخلاء القفار حتى توصله إلى مدرسته فإذا اطمأنّ خاطرها ربطت الحمار تحت شجرة الزيتون القريبة. وانطلقت تجمع أوراق الأشجار علفا لشويهاتها في الخريف. أما شتاء فكانت تشارك نسوة القرية في جني الزيتون  فإذا حلّ الربيع اكتفت بأكياس العشب تحمّلها في رحلة الأوبة على ظهر الحمار. فتزاحم فائز وتضيّق عليه مقعده. هكذا عدّلت سعيدة الزمان منذ توفّي زوجها. وترك لها صبيّا في السادسة من عمره. فجاعت حتى يشبع. وشقت حتى يسعد. هكذا هو الزمان مع الفقراء ضنين شحيح. لكنّ فائز ماكان يرى وجع أمه. لقد حرصت على رسم طريقه وردا ونوّارا يعطّره شذاه وتدميها وخزاته. رعته حتى تفوّق وأرسل في بعثة إلى فرنسا.
ارتطمت السيّارة بحاجز ترابي. أفاق فائز من شروده. لقد اقترب. لاح له المنزل هناك.
-أمّاه إنّك تكسرين ضلوعي.
-عانقني حبيبي فقد لا أراك ثانية.
-لا تقولي هذا يا أمي سأعود قريبا متفوّقا وسأعوّض سنين جدبك عطاء لا ينضب.
تذكر آخر حديث لهما. بعده نسيها. لقد شغلته باريس. رأى الجنة كما صورتها حكايا أمّه. جنّة على الأرض لا تشترط رضاء الوالدين ولا صكوك الغفران. لقد عشق حسناء فاتنة وتزوّجها. وعرف طريق النجاح والثراء. وتناسى وجه أمه الشاحب وتجاعيدها العميقة. أنسته أنوار باريس وطرقاتها وعطور نسائها وحشة ريفه وبؤس ثناياه وعرق الفلاحات الخجولات يهرولن فجرا نحو الحقول. أنساه وقع خطى السكارى آخر الليل يغادرون الحانات صوت نعال الشيوخ يؤمون المساجد فجرا مسبّحين حامدين شاكرين.
اقتربت السيارة أكثر. هاهي سعيدة هناك تجلس أمام الحوش كما تعوّدت أن تفعل كلّ أماسي الصيف. سيغمرها بحبّه. سيطلب عفوها سيرجو سماحها. لقد طلّق باريس ونساءها. وعاد إليها. لقد تفهّم وجعها يوم هجرته ابنته لأنه شرقيّ. وأنكرت عليه زوجته تخلّفه. يومها عرف أن جلد الحداثة لم يخفِ نخوته وأنّ قشور العقوق إلى زوال. لقد تراءى له وجه أمه البسّام يسائله في عتاب"أأدركت اليوم معنى أن يهجرك ضناك لأنّك ما فتئت شرقيّا لا تشبهه" . لن تعود له ابنته قبل أن تسامحه أمه.. قبل أن تطفئ لهيب ندمه..قبل أن تعود سعيدة قلبا وقالبا ويعود هو فائزا دنيا وآخرة جسدا وروحا.
توقفت السيارة. ضغط على المنبّه. التفتت أمّه. أرسلت ابتسامة بدت له باردة باهتة. قفز من مقعده وارتمى في حضنها. حَضنها بكلّ مافي القلب من حنين. فاضت دموعه تغسل غربة السنين.
-أي إنّك تكسر ضلوعي.
ارتفعت ضحكات فائز :
-تعيدين عليّ جملتي. لم تنسيها يا أمي كلّ هذه السنين.
-أي إنّك تكسر ضلوعي.
خفّف فائز من عناقه. لم يفهم ما أصاب أمه من برود. أمعقول لن تسامحه. يقال أنّ قلب الأمّ أرقّ من النّسيم  لايعرف إلاّ الغفران. فمال أمّه اليوم جامدة كجلمود صخر؟
-إنّها لا تقلّدك. إنّها تعي ما سمعت.
التفت فائز إلى صاحبة الصّوت البدويّ الطيّب صوت الجارة مبروكة وقد وشى وجهه بما استبطن خاطره من استغراب.
-إنّها تعي ما تقول..إنّها لا تقصد عقابك على جحودك. لقد انتظرتك حتّى يئست ونستك وارتاحت من وجع الفقد وقسوة الذكريات... لقد... لقد... أصيبت أمّك... بالزهايمر.
صاح فائز:
- آه ياسعيدة ماعرفت السعادة. يا شامخة كيف انكسرت؟
هزّ أمّه.. عانقها.. قبّلها.. نظر في عينيها.. بكى.. انتحب كطفل بائس في يوم صقيع.. لكنّها لم تتأثّر.. لم تنفعل..لم تتذكّره.. لم ولن يسمع منها سماحا يرجوه.. لن تهديه صكّ الغفران قبل يوم الحساب.
عاد فائز إلى غربته يلتحف الخسران. أوصى بأمّه خيرا. ترك للخالة مبروكة أموالا كثيرة. وعاد يلملم شتاته. لابدّ أن يجد وحيدته. ويحدّثها عن أصلها. ويجذّرها في قرية ما عرفتها وحياة ما ألفتها. فقد ينسى اسمه وعنوانه. فتأتيه ابنته  يومها معانقة. فيتأوّه لأنّها تكسر ضلوعه كما كسر قلب أمّه.
      حلّقت الطائرة في السّماء. الليل ساكن. و الوجوه غريبة. والأرواح مسافرة تنشد دفء اللقاء فلا تجده...        (تمت)

***********************************************************************************

نص جميل ابدعت فيه الأديبة بسرد بسيط جميل، في توصيل فكرة النص إلى القاريء، دام التألق والإبداع، موفقة دائما إن شاء الله تعالى 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم