أولاد المكسيك - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب / عبد الحميد قاسو - المغرب Children of Mexico


 أولاد المكسيك - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب / عبد الحميد فاسو - المغرب  Children of Mexico

أولاد المكسيك - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب / عبد الحميد قاسو - المغرب 


مقدمة :


وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن .. 

وهي إحدى أهم الألوان الأدبية التي تهتم مجلة الاقصر الدولية  بها وبالمبدعين فيها.. 

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص:

***********************************************************************************

1- اولاد المكسيك

كانت تفصلنا بهم سكة الحديد وأسوارها التي تشق المدينة إلى نصفين ،تخترقها قطارات محملة بأثمن ما تملك المدينة ( الفوسفاط) ، كان نصيبنا من هذا المشهد اليومي، ضجيج وأصوات أحدثتها عجلاته وكأنها جعجعة رحي العصور الوسطى ،تصدعات على حيطان المنازل وحصار للعابرين إلى الضفة الأخرى نتيجة توالي سيرانه بلا انقطاع تقريبا ، خلف هذا الحاجز الإقتصادي للمدينة، تمتد مساحة واسعة من دور الصفيح ،تقطنها شريحة واسعة من المواطنين الذين أنهكهم الانتظار والتهميش والأمل ،للحصول على مسكن يحفظ ويصون كرامتهم .
غير بعيد عن المكان، كانت تتراءى لنا حنفية وحيدة، تتسابق إليها نساء وأطفال يحملون دِلاءً ،يعم الصخب والضوضاء وكثير من الصفير والغناء بينهم ،تحسبهم قد حصلوا على حصتهم من الثروة .
كثيرا ما كان يشوب بيننا تقاذف بالمفردات الرديئة ، كانت تؤدي إلى عراك بالأيدي أو رمي بالحجارة ، وكأننا نختلف في الانتماء لهذا المدينة ،بل لهذا الوطن.
خلف سور السكة، وعلى امتداد البصر، يدأب كل صباح سكان الضفة الأخرى على قضاء حاجاتهم وقد تحول المكان إلى مرحاض كبير ،يستحيل تجاوزه ،أو حتى التفكير بعبوره .مع توالي الأيام ،صرنا نألف واقعهم ونتعايش معه رغم صعوبته وقساوة الظروف ...
من أعلى السور كان يطل علينا من الفينة إلى الأخرى ( بريهيش) أحد عيون العدو ،يرصد تحركاتنا ،عددنا ومكان تواجدنا ،ليبدأ بإصدار أصوات غريبة وكلمات لم نكن لنفهمها ،سرعان ما يعتلي آخر ،ثم الآخر فالآخرون ،تبدأ أجسادهم تتسابق وهم يرددون نفس الأصوات، ندرك حينها أن الأمر خرج عن السيطرة والهدنة صارت في خبر كان ، غالبا ما كنا نغير مواقعنا حسب حجم المواجهة .
 بعد أن يضعوا الأحجار والطوب على شفرة الحائط، نكون قد أخذنا مواقعنا استعدادا للحرب ، يصدر القائد ( صالح ) امره الأخير بالإستعداد حاملا درعه الذي كان عبارة عن غطاء حاوية القمامة ،فيتقدم بكل بسالة للتحفيز ولدحر العدو الجائر ،نحدو حدوه في غالب الأحيان ثم نتراجع تحت شدة الرجم .
بعد دقائق من تبادل الرمي بالطوب كما بالسب والشتم ،تتوقف الحركة بالحي، لا طائر يطير ولا سيارة تسير ،لا نعرف حينها حجم الخسائر ولا المدة التي سيستغرقها هذا الصراع الذي كان يجهل سببه الطرفان
 بعد توقف لجمع الأنفاس ،يتقدم زعيمهم ومن أعلى السور، ليضع شروطا لهدنة جديدة، يتم خرقها بكل وقاحة في اليوم التالي.
غير آبين بما يشترط قائدهم،نعلن نحن اطفال الحي في كل مرة الإستمرار في النضال وعدم الاكتراث لما يمليه الطرف المعادي وإعلان المواجهة كعنوان لآخر رمق .
  بعد تقهقرهم ،يبدأ شوط من تحرير الشارع والأزقة من الحجارة والطوب ،وقد مرت الأزمة ككل مرة بلا خسائر ولم يصب فيها أحد فقط هزائم نفسية تصيب الجميع بلا استثناء.
يستفحل الأمر عند سماع ولاة أمورنا لحيثيات المواجه فنجبر على لزوم البيوت لأيام ونحن نردد.. ( هجموا علينا أولاد المكسيك) ...
كي نبلغ السوق الأسبوعي للمدينة ،كان يلزمنا عبور السور وشق الطريق من داخل أراضي العدو ، في غفلة من أطفالها ،أو بمعية البالغين ،خوفا من الأسر والتنكيل بمختلف أشكاله .
من داخل ( المعسكر) الذي تمثله دور الصفيح ،نعيش حربا نفسية ،كلما التقت عيوننا بعيونهم الشاخصة ،يوقف بطشهم حارسنا البالغ، فيتأجل الانتقام إلى وقت لاحق تحت وعيد لايكاد ينتهي .
بين الأزقة الضيقة يستوقفنا الفضول تارة لنتجرأ على اختلاس نظرات إلى داخل بيوت يخيم في بعضها سكون يكسره تصاعد بكاء رضيع ،أو أصوات طناجر الضغط المتصاعدة،تزيد المشهد إثارة الروائح المنبعثة منه والتي تميز الحي الشعبي المتواضع والمهمش .
 المجاري المائية للصرف الصحي التي كانت تتوسط الأزقة ،تزيد الحياة صعوبة وتضيق فيها الأنفاس، فنتمنى حينها لو أننا لم نسلك هذا الطريق المختصر .
هناك حيث يتراءى المنفذ الوحيد،نعيش نوعا آخر من الخوف والترقب ،حينما نعبر مقر تجار المخدرات وبائعي الخمور بأشكاله ،من الشباب الذين امتهنوا رغما عنهم هذا الفعل لتحسين أوضاعهم وإفساد أخرى ،فيبدأ أبي بتذكيري بقوانين السلامة : لا تنظر إليهم ،تجاهلهم ، أسرع ولا تخف والله المستعان.
أطفال في عمر الزهور ترتفع فوقهم سحب من دخان السجائر الملفوفة بمخدر الحشيش وآخرون تسند وقفاتهم  صفيح البيوت وقد أنهك الكحول هممهم قبل أجسادهم ،فلا صوت يعلو فوق صوت الٱدمان في مدينة النسيان...
 بعد كل عبور موفق وكأنما ولدنا من جديد ،أتساءل رغم صغر سني : إلى متى سيظل واقعنا مرتبط بواقعهم الصعب ،ونحن نحي بين طيات المدينة الغنية بثرواتها التي تصنف عالميا كأول مصدر وثاني منتج للفوسفاط في العااااااالم...؟! فتسقط عني الإجابة وتغيب المفاهيم وأعيش الغموض إلى موعد لاحق ألِج فيه مخيمهم ...

***************************************

2- عطلةالصيف

تحت الظل الوارف للشجرة العجوز ،كانت تخرج إلى حيز الوجود أفكار،أطلق عنانها جو حار وفراغ مؤقت ، كل حسب مؤهلاته وميوله ،منا من أبدع في صنع ألة موسيقية من ( قربة صفيح) لا تطرب المسامع ،بل تزيد هدوء الصباح صخبا وضجة ،والآخر على عجلٍ يركب ( رولمة) يعاود تثبيت عجلاتها في كل ركوب، وقد أدمت ركبتاه ،لتجف دماؤه عليها كما دموعه على وجنتيه .كنا نلتف حول العلبة الكبيرة لصاحبها هشام ،حيث قطع الخبز وصحن المرق وقليل من سمك السردين يحاول بها اغراءنا حتى ننعش تجارته ، فيعود خائبا إلى بيته كل مرة وقد يبس خبزه وفسدت سلعته .
 كنت الاستثناء حقيقة ، بندقية وقوس أبدعت في صنعها بشهادة كل من جربها وانبهر بذقة تصويبها وجمال تصميمها ،كل هذا كان يحدث أمام أعين أطفال الجار المقيم بالخارج ،مبهورين مشدوهين لهذا التجمع العفوي والبريئ ،فيأبوا مغادرة التجمع مرغمين بعد تكرار نداء الأب أو صياح الأم،لتعرف دراهمهم طريقها إلى جيوب بعضنا وقد استمتعوا بما أبدعنا ، بعض السنتيمات التي دأبنا على ترويجها فيما بيننا ،لم تكن لتستقر في جيب، إلا غادرته لآخر ،ومع ذالك لم تغب الأبتسامة عن وجوهنا رغم الفقر وقلة الحيلة ،لا نسأل عن الشاطئ ولا عن الرحلات لأنها ضرب من الخيال،لا يعرفها سوى من دأب زيارتها ،أو أسعفته سعة الرزق.
في الليل كما في وضح النهار ،نعاود اللمة وننتصر من حر الشمس وسكون الليل بلعب أقل ما يقال عنه أنه ممتع.

****************************************

3- الفن السابع

كانت خطواتنا تتسارع على مشارف بابها الكبير، من وراء الحاجز الحديدي المقفل ،يبدأ الحدس،كل منا يحاول  سرد سيناريوهات الفلم، نستعين فقط بتلك الصور الممزوجة بسحر الألوان ،و المعلقة بانتظام على الحائط أعلى الرؤوس، يبدأ هشام بتخيل الأحداث كعادته،يسافر بنا من صورة إلى أخرى ،ليضعنا أمام ماعجزت عنه  عقولنا الشاردة ، في تخيل أحداث فلم قد نراه أولا نراه ، كنا نتوهم عراكا عنيفا يتخلله مشهد البطل وهو يحاول إنقاذ حبيبته تارة ،أو تخليصها من غرق محتمل ،أو من بين نار متأججة تارة أخرى،لم يكن يسعفنا ضيق الوقت ،فسرعان ما يوقف السرد كل مرة ذو الصوت الخشن ،حارس المكان فيبدأ تزاحم أصحاب التذاكر أمام باب الولوج ، كل إلى مقعده، لنجبر على المغادرة وقد رسمت عقولنا ملامح شخصيات ،كنا نتفنن في إعطاء كل منها دوره في الفلم ونحن في طريق العودة.
 دقائق طويلة تفصلنا عن مكان تجمعنا بالحي ،نمشي ،نتوقف ،نركض ، ولا يتوقف لنا لسان عن إكمال ما لم نره ، عند عتبة البيت المهجور ،يستمر الخيال والأبداع ، وقد وفرنا دراهم لا نملكها لدخول دور السينما بالمرة.
قبل أن ننصرف كل إلى حاله، تكون القصة قد اكتملت وقد  تخيلنا مصير البطل ،ليعاد النظر فيما افترضناه في اليوم التالي ،بعد أن نسمع القصة كاملة على لسان جارنا الميسور الحال.

**********************************************************************************

نصوص جميلة لأديب مبدع، كتبها بأسلوب بسيط سهل للفهم ولتوصيل الفكرة، دام التألق والإبداع أديبنا المتميز، موفق دائما  إن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم