مجموعة خواطر ومقالات بقلم الأديبة/ ليلى كافي - تونس

بقلم الأديبة / ليلى كافي
- تونس


المقال هو فن نثري يقوم فيه الكاتب بعرض فكرة أو قضية أو موضوع ما بطريقة منظمة محببة للقاريء على أسس معينة 
ويستطيع الكاتب الكتابة في أي موضوع فليس للمقال موضوع محدد،  ولا يستطيع  التوسع في الموضوع إنما يقتصر على فكرة معينة أو قضية محددة،
والمقال قد يكون
- مقالا ذاتيا 
- أو مقالا موضوعيا. 

أجزاء المقال: 
- المقدمة
- العرض 
- الخاتمة 
خصائصه: 
أن يكون سهل الأسلوب دقيق العبارات حسن التنسيق وأن يوظف كاتبه حججه وبراهينه لتوصيل وجهة نظره، تناسق المقال مهم بحيث لا يفلت من الكاتب مفتاح المقال، ولا بد أن يكون المقال واضح المقدمة ثم عرض الموضوع أو الفكرة ثم الخاتمة والتي بها ينتهي المقال.

وعلى هذا يكون المقال فنا مهما يبرع فيه المتمكنون.. 

إلى مجموعة المقالات: 

************************************************

1- صباح التجاهل
سيّدة المزاج تلك لها أسرارها معي...حين أُمسك الفنجان يثور التّفكير مع أوّل رشفة فأهيّئ  نفسي استعدادا ليوم جديد وأبدأ بترتيب المشاعر المبعثرة وتنظيم الأفكار التي حادت عن الطريق...أخطّط كيف سيكون يومي،أفرح لوجود بعضهم في حياتي فهم كقهوتي لا تحلو الحياة إلا بهم...وحين أنتهي من آخر رشفة أرى صورة التّفاهة في قاع الفنجان...إنّها صورة بعضهم:"صورة حثل القهوة"...أتأمّل هذا الحثل وأقول:"كيف لسيّدة المزاج أن تضمّ بين طيّاتها هذا التّفل؟"...فتُجيبني:" هكذا هي الحياة بحلوها ومرّها،بخيرها وشرّها،...وما حثلي إلا عبرة لتُحدّدي علاقتك ببعض البشر..."                                 كما يستغني الإنسان عن حثل القهوة عليه أن يستغني عن تفل البشر بالتّجاهل،بسكبهم في حضيض أسود يليق بهم لأنّ التّجاهل ثقافة نكتسبها مع هذا الكمّ الهائل من أصناف غريبة من البشر،هو سلوك راق حتى نبقى أرقى،هو إقصاء لمن يكدّر صفو الحياة ويملؤها بالتّفاهات...                                   ولأنكم لستم في قائمة حثل قهوتي أقول لكم:"صباح الخير"...


******************

2- صباح القشعريرة
 يرحل الليل في لحظة لا يُمكن فهم حدوثها، كيف تُطِلُّ الشّمسُ فجأة دون دعوة،دون همسة، دون إشعار...، تخترق سكون اللّيل في موكب الضجيج والصّخب، لتقول لنفسي: "اِنْهَضِي ودعي الأحلام تنام يومها في سلام".ويرتجف جسدي ويرتعش ويثور ويرفض هذا الضّياء الذي حجب نور القمر... رعشة تختصر كل حبّ الحياة، هي قشعريرة تسري داخل جسدي وتخترق الوجدان...                                                عن القشعريرة أُحدّثكم:"إنّها صوت الجسد"حين يقول الجسد: "أنا أحتاج إلى الحياة".                                                              تُلامس كلمات اللّيل الجسد فتمنحه آلهة الشعور "قشعريرة الحياة"التي لا تمنحها لجميع البشر ،...وأوج  القشعريرة أن يختار لي القدر تلك الكلمات فيُتوّجني على عرش اللّيل ملكة الحنين وتشعر نفسي أنّها المقصودة فترقص بداخلي تهتزّ نشوة، ولا يكاد الجسد يتحمّل رقصاتها فيرتجف ويصرخ مُصدرا صوتا صامتا هو روحي، هو تلك القشعريرة...، قشعريرة شعرتُ بها ولم أَجِد لها توصيفا سوى  أنّني شعرتُ بها فعبّر عنها الجسد برعشة لا يعلم سببها إلا أنا ونفسي وروحي البعيدة...                                                                 عشق هي تلك القشعريرة التي تُصيبني حين أسمع همس اللّيل في صمته الرّهيب يقول لي:"صادقي الشّمس حين أغيب فقد تركتُ لكِ بعضا منّي في الظّلال... ظِلال لن تقدر الشّمس محوها مهما توهّج لهيبها...، وتحت ظلالي ستنعمين بالحياة في حضرة القشعريرة....                           

********************************

3- صباح الصمت

الصٌمت اختيار إذا شئنا،وفي حضرته تتألّق الموسيقى ليصبح مُجرّد لحن من ألحانها.هاهو يتهادى في كبرياء،يرتدي معزوفة هادئة مُطرّزة بكلام الحبّ،تُزيّنها ورود الاشتياق،أزرارها همسات الحنين،...حتّى القهوة صامتة هذا اليوم،لا تهمس في أذني كما عهدتها بحديث الصّباح،هي أيضا تحالفت مع الصّمت لِيُعَدِِّلَ مزاجها مثلي...الشّفتان مُطبقتان قرّرتا عدم الكلام... تحبو الحروف على الورقة دون فكرة،دون معنى،دون رأي...، تجُرّ وراءها مشاعرَ هادئةً مُلَثَّمَةً بالسّكينة،لا ترجو من الحياة إلاّ الطّمأنينة...تَكَلَّمَ الصّمتُ وهو يترنّح على أغنية لفيروز:"مالنا اليوم دون روح!!!"...صرخ الهدوء:"هو القدر يُداهمنا بصخب النّهار فيُؤرق نومنا الصّاحي"...وهل ينام النّوم لِيصحو...إنّه معنا كلّ ليلة يجلس على كرسيّ الانتظار، ينظر من بعيد لا يطأ عتبة العقل ولا يقترب من ثنايا القلب... وبعد ذلّ الانتظار يُداهمه الصّباح فيرحل...                                   حديث الصمت عجيب فقد أثار بركانا لا يهدأ في نفسي، وهاهي قهوتي تنساب في حلقي عسلا هادئا مُرُّ المذاق يُتمتمُ  أهزوجة الشّرود،...يسير المذاقُ ببطء نحو القلب فيجد الشّغاف وقد ازداد سُمكه يُغلق كلّ الأبواب ويجعلك واقفا على عتبة النّدم فتُجيبك قهوتي:"اِبْقَ هنا إن شِئْتَ صامتا هادئا حكيما...فمُحاكمتك ستبدأ في الليل"...                             وإلى حين بدء المُحاكمة يقول لكم الصمتُ:"صباح الخير"...                                                         *******************************

4- صباح الهروب

أفقتُ اليوم على غير عادتي خاوية الخوالج....لقد هَرَبَتْ نفسي فجرا بعد أن تمسّكتْ بجناحي حلم طائش من أحلام اللّيل العابرة...لقد كَتَبَتْنِي على صفحة التّرقّب...لعلّها تندم وتعود فالقدر حين أشعرته أخبرني أنّه لم يَحِنْ موعد ذهابها إلى البرزخ...خَجِلْتُ من وهيج الشّمس،ما عساني أقول له!!!! هل أَكْتُمُ العار أم أقول له:"لقد هربت نفسي دون إذن منّي؟" التّرقّب موت بطيء...تُراها ذهبت لتسبح في يومنا القائظ...                                                                     
"للبحر وهيج تخافه نفسكِ"،..أخبرني القدر ...                       لعلّ قطرات ماء على وجهي تُرْجِعُهَا..."من أنتِ؟"،سَأَلَتْنِي المِرآة...للمِرآة وهيج يخافه وجهي في غياب نفسي فأنا لا أَجِدُنِي...                                                                        كان القدر رحيما، تركني مع قهوتي أُلَمْلِمُنِي بعد أن تبعثر قلبي أشلاء لا تَجْمَعُنِي إلاّ بعودة نفسي...أعلن القدر حالة الطّوارئ لتتوقّف كلّ المشاعر في سماء الغياب فنفسي المُتمرّدة حتما هناك تائهة في غياهب النّسيان تَبْحَثُ عنّي في روحي البعيدة ...هكذا هَرَبَتْ نفسي فَضِعْتُ مِنِِّي....                          أخبرني القدر عن طريق عُشْبَةٍ جهنّميّة جاءت من غابتها الاستوائية باحثة عن نفسها مثلي:"مَرَّتْ نفسكِ بالبحر فسرقت منه صدفة ثمينة رَكِبَتْهَا لِتُلْقِيَ بها الأمواج في جزيرة بعيدة وقد غطّت وجهي الذي أخذته معها بقبس من وهيج الشّمس بعد أن تركتها ذليلة....لقد وجدتها عائدة مُتوّجة بوشاح النّشوة"...                                                                 هاهي تدخل جسدي الخاوي مُكَبَّلَةً بقيود الفرح في هودج القدر مُعلنة الانتصار،...سَأَلْتُهَا:"أين كُنْتِ!؟...هَمَسَتْ في صمتها المعهود:"كُنْتُ عند روحي البعيدة،لَثَمْتُ ثغرها خلسة ثمّ عُدْتُ وقد مَلَكْتُ الحياة"...             

*********************************

5-  صباح الرسائل

هاهي الرّسائل جاثمة في الحديقة تنتظر دفنها....                    ألف رسالة ورسالة أكتبها يوميّا على غيوم الخريف الغاضب بسواد قلوب البشر...رسائل أبعثها  إلى ربّ العباد،لعلّه يمنعهم عنّا،...                                                                                    ألف رسالة ورسالة وَصَفْتُ فيها بشاعة هذا العالم،ثمّ غَمَسْتُهَا في الحضيض لِتجتاح رائحتها عنان السّماء فتتأفّف الملائكة وتبكينا،وترجو الله أن يُبعد عنّا هؤلاء البشر،...                      رسائل أخبرتُ فيها ربّ العباد أنّه وعدنا بالخلاص...وهانحن ننتظر هذا الخلاص منذ سنين،...                                      رسائل لم تصل إلى السّماء،فشياطين الإنس اعترضت سبيلها واٌغتالت الحمام الزّاجل وألقت بها في حديقتي،...                      رسائل ستدفنها الطّيور قبل أن تُهاجرَ أرضنا دون عودة...     رحيم هو الدّود اليوم بهذه الرّسائل فقد اٌصطفّ في خشوع     وأعلن أنّه لن يأكلها لأنّ هذه النّهاية لا يستحقّها إلا بنو البشر... أنا الآن خلف زجاج نافذتي أراقب موكب الدّفن المجيد،... وكعادتي لا تُزعجني مشاهد التّأبين التي لَبِسَتْ اليوم رداء النّفاق المعهود كما عَهِدْتُهُ في كلّ موكب جديد لموت الأحلام.. ترشّفتُ قهوتي على مهل،ومع كلّ رشفة كنتُ أراقب هيل رسالة من رسائلي إلى ربّ العباد،إلى أن اٌكتمل هيل ألف رسالة...وبَقِيَتْ رسالة واحدة بعد الألف...                         أَنَسِيتُمْ أنّني أخبرتكم أنّني كتبتُ ألف رسالة ورسالة!!!!               اِبْتَسَمَتْ قهوتي خلسة حتّى لا تراها الطّيور والغيوم والدّيدان فتغضبَ،ففي عاداتنا تُمْنَعُ الابتسامةُ في حضرة الموت...لكننّي ضَحِكْتُ بأعلى صوتي وقلتُ لقهوتي المسكينة:"لقد أصبح الموت نجاة في أرضنا،...لقد تركتُ رسالة واحدة وسأعيد إرسالها إلى ربّ العباد من جديد لأقول له:"أعلم أنّ الغد أفضل بإذنك ولذلك أنا أنعم بالحياة،...هذه رسالتي،...رسالة لا تتطلّب قلما يكتبها،رسالة لا تتطلّب حماما يحملها،...رسالة يبعثها لك القلب الذي ينتظر غدا أفضل ..


***********************************************

6- صباح السعادة
دأبت على عادة مذ كنت صغيرة،أن أقول لنفسي عندما أستيقظ من النوم كل صباح:"أنا الآن سعيدة وسأقضي اليوم سعيدة فالسعادة تنبع من أعماق نفسي،بل السعادة هي نفسي. هكذا أستمتع بالحياة وأمنح من يحيطون بي السعادة.... وألمح طيفك من بعيد يأتي على مهل فترتجّ الارض تحت قدميّ مُعلنة بداية الأمل وأشدو على وقع نبضات قلبي فترقص لي جميع الكائنات....
                            
******************************

8- صباح الحياة الهلامية

ترشّفتُ قهوتي دون حوار...صامتة هي بعد تجاهلي لها..."أنتِ اليوم مُجرّد بلسم لألم صاحب رأسي ليلة كاملة"...                       مع رشفاتها الأخيرة توسّلتْ إلى القلم أن يترك ركنه المهجور ويهبّ إلى الورقة يسقيها حبر الحياة وينثر حروفه الصّباحيّة.                                                                     علم قلمي المسكين أنّني  سأكسره لو تجرّأ على أن يتحدّاني، دفن رأسه في طربوشه الحزين واستسلم لنومه المزعوم... وقبل أن أحظى  بآخر رشفة صاحت القهوة:"لستُ أنا من يعجز عن  تعديل مزاجكِ، لستُ أنا من ترفضين بُنّي طينا لبناء قصر من الأحلام فوق الورقة، أَلَمْ تتعوّدي أن تسقي حديقة القصر بمائي فتفوح رائحتي عبقا يرقص فوق زهورها"...                                                                                 امتنعتْ القهوة وسحبتْ من شفتيّ رشفتي الأخيرة فثارتْ نفسي واشتدّ غضبها وأعلنتْ الحرب على كلّ من يتصوّر أنّه صانع مزاجي...،جُنَّ جنونها وحرّضتني على القهوة فقد غاب الودّ والمحبّة ولن أكتب اليوم، فالصّباح أخبرني أنّ الحياة اختارت أن تكون هلاميّة، اختارت أن تكون جنّة هذيان لا ينتهي..،أثناء الهذيان يغيب القلم، تختفي الحروف وتطير المعاني في السّماء،...إنّه الارتجال الذي يُفاجئني فأنطق  دون صوت وأهمس دون كلمات ، ومن معي ليسمع صوت النّفس الصّامت ليكتبه!!!...حينها تراقصتْ الحروف أمامي ورفضتْ القفز فوق الورقة فقد رمى القلم بنفسه تحت الطّاولة وتماوت خوفا من نفسي التي اختارت الحياة الهلاميّة، ومن لا يعيش يوما كهذا لن يفهم الحياة...                                                      ها أنا قد هَلِمْتُ بالخيال لا أبرح يمينه السّحريّ باحثة عن معنى مُختلف للحياة ولم يُزعجني إلا تدخّل قهوتي بيني وبين نفسي في لحظة هلاميّة لا يجرؤ على اقتحامها جميع البشر...                                                                                                تناولتُ فنجان القهوة المغرورة وكسرته...،لعلّ كسر بيتها سيجعلها لا تتجرّأ على تجاوز حدودها معي كما أفعل مع كلّ من يُحاول تعكير مزاجي...كُسِرَ بيتها إلى قطعتين فقرّرتُ تهشيمه لأرى شظاياه، لأسمع توسّلات قهوتي...فأنذرتها بأن تتركني وشأني وإلا كسرتُ كلّ فناجينها لتبقى دون بيت... حملتُ القطعتين وقد أصبح الغضب صديقي، فاهتزّتْ نفسي لهول ما رأيتُ..."ألا ترون ما أرى!!!"...إنّها رموز غريبة، لقد كتبتْ القهوة بِحثلها حروفا لم يعرفها التّاريخ ولم تكتبها يد البشر...عجزتُ عن قراءة تلك الرّموز فابتسمتْ نفسي وقالت: "إنّها حكايتكِ الغريبة مُختفية وراء حروف هلاميّة لا يفكّ رموزنا غيرنا...، هي حروف سقطتْ من قلبكِ لتلقى الأمان في بحر قهوتكِ الجميلة...                                                      مات الفنجان...،أصبحنا قسمين مُنفصلين، لكن لا أحد يُكلّمكَ غيري ولا أحد يُكلّمني غيركَ...                                                                   لن أكتبَ اليوم، فالسّماء تُمطر هُلاما، والهُلام لزج بين أصابعي يمنعني من الكتابة ويقول لي: "اِستمتعي اليوم مع نفسكِ فالهذيان يوما واحدا في عالم الخيال يرتقي بك عن تفاهة حياة البشر...                                                                          "إذن أراكم بإذن الله غدا...لعلّ المزاج يروق للكتابة"...

******************************************

9- غموض الصباح

الغموض قوّة ليبقى الإنسان ثابتا،هادئا......يقف هكذا في المنتصف لا بالغريب ليتجاهلوه ولا بالقريب ليُعاتبوه...أوشك آخر رمق من المشاعر على لفظ أنفاسه الأخيرة،....جافة هي تلك المشاعر كصحراء مقفرة...كلّما تأملتُ قطرة ماء لا أجد إلا السراب....حتى الصّبّار يتمرّد مُعلنا النّهاية...والأيّام تتحوّل إلى ملل.....                                                                    هاهو بطل القصّة يأتي على مهل فارسا مغوارا يمتطي صهوة جواده الأسود،تتلاعب الرّوح بردائه الأسود،يُشهر سيفه في وجه الوضوح،ويقول له:"أيّها الوضوح،هلّا توقّفتَ عن النّفاق!!! لِمَ لا تلبس رداءك الأبيض وتُلطّخه ببعض من سوادي،لِمَ لا تكون اسما على مُسَمَّى؟لِمَ لا تقول للكاذب"ياكاذبا"،وللظّالم "يا ظالما"،وللسّارق"يا سارقا"و...،هلّا خرجتَ من عالمنا...فأنا سيّد الكون،...أنت غموض مُزيّف ولَسْتَ نِدًّا لي،...أنا أسرار البشر ...أنا كتاب لم تُقْرَأْ حروفه بعد،أنا أوراق تُتْلَف إذاُ تسرّب إليها بعض منكَ،...أنتَ سراب يختفي بين الحروف،أنتَ سراب باهت مُحتال،يكتب كلمات مُطلقة ليقول كلّ قارئ:" إنٌها لي"...                                                               "الغموض،أنا،سيّد المعاني...،أنا الجذّاب الّذي يتهافت عليه البشر...أَلَمْ تَرَ  كيف أَسَرَتْ "الموناليزا" قلوبهم في سماء الرسم...،ذلك الغموض الّذي اكتنفها هو الذي جعلها تُحقّق الخلود،هو الّذي جعلنا نبحث عن رسّام السّحرة "ليوناردو دي فنشي"...مَنْ مِنَ النساء لم تَتَمَنَّ أن يرسمها بريشته،مَنْ مِنَ النّساء لم تتمنّ أن تكون حرفا من حروف نزار،مَنْ مِنَ النّساء لم تتمنّ أن تكون لحنا خالدا من ألحان موزارت،مَنْ مِنَ النّساء لم تتمنّ أن تكون تمثالا لآلهة الجمال،...كل الفنون لا تخلو من الغموض وإلاّ ما كانت لِتُصبح رمزا لجمال يختفي خلف ما نراه غموضا في إبداع الإنسان"...                                           خجل الوضوح من نفسه وقال:"ليس لي مكان بينكم فبياضي يُضْفِي الحقيقة،تلك الحقيقة التي تكتنفها أنت -أيّها الغموض الصّامت-،...فأنا أقف أمامك لأكون سرابا،أقف الآن إكبارا وتعظيما لك تاركا من يتبعني لنفاق عابث فلا أحد يشرب من مائي على هذه الأرض"......                                                                                      يبتسم الصّباح الّذي وصل مُتأخّرا اليوم،...ينظر إلى وجه قهوتي فيجدها غامضة مثلي،...فتُحَيِِّيكُمْ بسوادها المعهود وتقول لكم:"مساء الصّباح"...

***********************************

10- صباح التراب

....وبما أنّني من تراب قرّرت اليومُ أن أستضيف التّراب في منزلي...بدأتُ الصّباح بقهوة استبدلتُ فيها البنّ بملعقتين من التّراب ويكفيني أن أضيف إليه ماء من ماء مطر خريف غاضب ليتعكّر المزاج......"عفوا قهوتي ستكونين مُرّة اليوم إذ تعذّر عليّ الحصول على السّكّر فقد أصبح هذا الأخير مُتكبّرا لا يدخل منازلنا إلا بعد إلحاح شديد فأقصيته ليعلم أنّه في غيابه تكون الصّحّة أفضل"...                                                                                                                         ولأنّ اليوم هو يوم التّراب فقد اخترتُ من الكتب رواية تنسجم مع المزاج:"طين الله"،تلك  الرّواية التي رسمت إنسانا هزمه بطش الحياة في زمن الحرّيات...                                                                                                                                                                     يوم الأحد ثقيل في وطني، إجازة أسبوعيّة في دولة دينها الإسلام، ويوم الجمعة عمل، هههههه،كأنّك لستَ مُطالبا بصلاة الجمعة أيّها الإنسان،...بئس الحياة وبئس أحد ثقيل ثقل بشر لا يفقهون من الحياة إلا الأكل والشّرب والنّوم وسعادة وهميّة قدّمها لهم القدر ...                                                           ماذا سيكون الغداء؟ليس لي إلا أكياس مُجمّدة من الطّين في الثّلّاجة،...سأطبخ "ثريدة تراب"، فقد سافر ما تبقّى من الحبوب التي جرفتها المياه إلى بلد بعيد دون تأشيرة،وأنا التي أرفض إهانة انتظار دوري في صفّ طويل لاستجداء تأشيرة لزيارة بلد من بلدان الحرّية المزعومة....                       لذيذة هي"ثريدة التّراب"في زمن أضحت فيه اللّحوم مُسَعَّرَةً ب"الأورو" و"الدّولار".....إذا رحلت الحبوب فعلينا بالخُضَارِ،... عفوا، لقد رحلتْ هي الأخرى، لقد اختارت هجرة غير شرعيّة...                                                                                         -سألتني نفسي:"هل سنأكل الغلال اليوم؟"                                -فأجبتها:"أيّ كفر قد ابْتُلِيتِ به!!!...أتطلبين المُحرّمات...أَلَمْ تعلمي بأنّ الغلال قد صُنِِّفَتْ ضمن قائمة الممنوعات ولذلك وقع طردها من بلدنا ليتمتّع بها غيرنا في بلدان بعيدة، وبقي بعضها لمن لا يخشون الله من بعض البشر الذين يستخسرون فينا الحياة...سنكتفي من الغلال بعصير صنعته لكِ من ماء وتراب،...أَلَمْ يخلقنا الله من تراب"..."ولا تحلمي بالعشاء فهو مفسدة لرشاقة الأجسام"...                                             هكذا هي الحياة في أرض خضراء تَلِدُ أجود أنواع الحبوب والخُضار والغلال، في أرض ماؤها زلال،...ورغم ذلك يجوع فيها الإنسان ويظمأ...                                                              لذيذ هو طعم الطّين،...ومن لا يقتات التّراب زنديق وفاسق ومنبوذ لأنّه تنكّر لأصله وتخلّى عن هويّته:"أَلَسْتَ أيّها الإنسان كتلة من طين؟...فلماذا تطلب ما يأكله الجائرون؟ولماذا تطلب المُستحيل؟ولماذا تخرج عن مِلَّتِكَ طالبا أن تنعم بالحياة مثل الآخرين....هَلّا تَمَتَّعْتَ بالتّراب فقدرك أن ترى خيرات الأرض ولا تحظى بها،...لا تكن أنانيّا فأنت تمتلك الأصل وهو التّراب وهم مساكين لا يحصلون إلا على اللحوم والخضار والغلال وهي بقايا التّراب...

*****************************************

11-  صباح السعادة

الصّباح لا يُهدي السّعادة،لو لم تنم سعيدا لن تستيقظ سعيدا، ففي آخر الليل تُولد سعادة الغد...تكون الأحلام طيّعة لا تخون وتشدو النّفس في سبات خفيف تنتظر الفجر الكئيب لتُهديه السّعادة...ضيق الحياة ضيف عابر ،ظلم القدر طيف نادر وبينهما نتشبّث بالأمل....أمل في نشوة لا تنتهي...            مُتفائلة نفسي كل يوم،مُقبلة على عالم الفرح،...فالسعادة حولنا في كل مكان:في نظرة أمّ،في ضحكة أخت،في وفاء صديق، في ابسامة طفل،في كون خُلِقَ لأجلك،وفي غيمة تحمل كلمات من الحب تُمطر عليك دون غيرك،...كثيرة هي لمسات السّعادة التي تخترق نفسك دون أن تدري...                       هكذا أنا كلّ يوم أبدأ الطّريق جاعلة من الأحزان جنودا أمامي تغتال كلّ من يُحاول تعكير مزاجي...السّعادة سرّ دفين في القلب،وسرّ السّعادة أن تكون السّعادة سرّا لا يعلمه إلا صاحبه.. ولِتنعموا بالحياة مثلي اِبحثوا عن سعادتكم في أنفسكم...

                                                *********************************

12- صباح  المشاعر

اختنق الحرف، وقف عاجزا أمام فوضى المشاعر،لو تواصل الحصار عليه سيموت شهيداً بين الأفكار وَ الكلمات...إذا مات الحرف فلن يكون هناكَ سبيلٌ إلى البوح....يحلّ ركب فوضى المشاعر فتبكي السّماء دموعا وتخلع الأشجار أوراقها وتذبل الزًهور شوقا....فوضى المشاعر وحش كاسر يخترق القلب وينتزع خفاياه مُحاولا رميها في غياهب النّسيان...باءت هذه المحاولات بالفشل،...أنّى للنّسيان أن يكون رحيما؟ لقد أحكم غلق بابه ورمى بالمفتاح في برزخ لا يقترب منه أيًّا كان ماهرا في الغوص...وقف القلم عاجزا ينتظر الخلاص فالحرف يُصارع الموت،...تهبّ قهوتي باعثة الرّوح في بنات أفكاري النّائمة في مملكة العقل لتنتفض بعد سُبات عميق وينتعش القلب ويهتزّ وتخرج منه معاني الوجود،...تستحمّ تلك المعاني بِحبر  الأمل وتركض نحو قلمي فترتجف فيه الحروف لتعود إليها الحياة...وفي لحظة عابرة تقفز هذه الحروف فوق الورقة مُتعطّرة بعبق قهوتي  وتَكْتُبُكَ  غيمة كسرت حصار فوضى المشاعر حاملة فوقها رسالة كتبت لي فيها:"هلّا  لملمنا المشاعر بعد فوضاها العابرة،...فأنا روحكِ الوحيدة"..                   


***********************************************

13-  صباح الحياة

قلم،..ذاك الجماد الذي يبعث فيه العقل الحياة بإذن من القلب، هاهو يختار الهزيع الأخير من الليل ليشرب من ماء الخلود حبر الخفايا،يسير ببطء نحو الورقة،يقف في أول سطر رسمه له القدر،يرقص رقصاته الصّوفية المعهودة،يقف حين يتوقّف قرع الطّبول فالإنشاد رتيب هذه الليلة...تصطفّ الحروف في مُعسكر المعاني مُنتظرة أوامر النفس،وتسير خلف القلم تُوجّه بنادقها السّاحرة نحو الورقة،...الورقة،تلك الأرض البور التي أغرس فيها رصاصات تقتل رتابة الحياة...سار القلم فوق أرضه مُتمايلا لا يأبه لأحد فقد أصبح ينتمي إلى بني البشر بل هو أرقى من هذه المخلوقات العجيبة...                                    لقد قرّر اليوم أن يتفوّق عليهم،لقد قرّر أن يكون إنسانا...          "كلّ من مكانه يصنع إنسانيته":هكذا ارتفع صوت القلم...       طلب القلم من الحروف أن تقتفيَ أثر خطواته فتنبت بمرورها أزهار الحياة....                                                       وتتواصل رقصات القلم بين السطور،وتقفز الحروف وراءه كصبايا يتجوّلن ذات ربيع في حقول العشق،وتنتهي أنشودة السلام لِيعود القلم إلى مكانه ووراءه بقية الحروف...              ها أنا أُمسِك الورقة المُقدّسة لأرى ما رسم القلم فوقها قبل أن يُفاجئني الصباح فيمحو حلم السنين...                                "أيّ رسم هذا؟ أهو إبداع القلم أم إبداع نفسي أم إبداع عقلي أم هو طيفكَ البعيد قد زرع الأمل؟"...                                 لم يعد للحروف وجود،لقد تغيّرت أشكالها،لقد أصبحت رسما لامراة فاتنة...امرأة اعتلت شفتيها ابتسامة اختارت من الألوان الأحمر القاني،واكتسح الليلُ شعرها ليُضيف إلى سواده سواد ليلة ليلاء وانسدل على كتفيها لِيزيدها دلالا يُخفي تحته باقة حياء...كحل العيون زاد الرّموش الجميلة جمالا فتلألأت النّظرات سحرا غطّى سحر المكان،..وبرز القوام مُتكبّرا يتهادى تحت فستان ناصع البياض لم يستطع أن يُخفي مفاتن مُتمنّعة تبعث في الكون الزّهوّ والانتشاء....                                 وحين تأمّلتُ الصّورة جيدا رأيتُ تلك المرأة الحسناء التي تغنّى بها جميع الرجال،...هاهي تتعالى بكعبها العالي الأنيق على اليأس فتسحقه وتركله بعيدا حيث متاهة الحضيض،إنّها حسناء الكون تتحدّى الحزن وتحمل بين يديها باقة ورود عبقها السعادة والطمأنينة....                                                            سألتُ الحسناء:"من أنتِ يا من خطّكِ لي القدر؟"                        فابتسمتْ حياء،...وتناهى إلى سمعي صوت القلم  من بعيد:           "إنها أجمل النساء،إنها فرحة البشر منذ الأزل،إنها سارقة الضياء من الشمس،إنها خاطفة النور من القمر.،...إنها الحياة".  يُطلّ الفجر من نافذتي سعيدا ببداية يوم جديد فأقول له: "الحياة معي لا تنتهي فأنا أحيا حتّى أثناء موتي الصغير"...، فيبتسم ويرحل ليُوقظ بقية البشر...وألتفتُ فجأة على وقع أقدام قهوتي الجميلة فأجدها مُستغربة لاستلقاء القلم على الطاولة فأقول لها باستهزاء:"أنا سيدة نفسي،صنعتُ اليوم مزاجي دونكِ،وكتبتُ سيمفونية الهزيع واخترتُ له عنوانا يُناسبني هو"صباح الحياة"...   

*******************************************

14- صباح المساء

عادت جميلتي القهوة على مهل لترفع اللّحاف هامسة: "استيقظي فقد شَكَتْكِ الوسادة إلى الشّمس قائلة:"إنّها لم تخلد لنومها المسكين،....منذ أيام اغتالت الأرق لكنّها اليوم أصبحت أَرَقِي الوحيد،...هي تركن إلى السّرير لتضع رأسها فوقي وننام لكنّ ضجيج العقل لا ينتهي،بركان بدأ يستعدّ لثورة من الكلام...كلّ الذّكريات تُحاصر السّرير  وتخنقني...ما ذنبي أنا الوسادة الصّغيرة لأتحمّل ضجيج العقل وغليان الشوق والحنين"...قال لها السّرير:"العقل لا ينام،يتحدّث بصوت عال،كلماته مفهومة،يروي قصصا مُتتالية فاٌتركي العنان للخيال واٌستمعي إلى رَاوٍ يسكن ركنا من العقل يصف حياة الأرق والهيام الغابر"...تهتزّ الوسادة ل"قصص ألف ليلة وليلة" و"زينب"و"العبرات"و"حبّ في أزمنة الكوليرا" و"الأمّ" و"شرق المُتوسّط"و"الياطر"و....وتزهو الوسادة لسماع  أشعار "عنترة بن شدّاد"و"عمر بن أبي ربيعة"و"بشّار بن برد" و"درويش"و"محمّد الماغوط"و....وتشكّ الوسادة حين تستمع إلى أفكار "سقراط"و"الغزالي"و"ابن رشد"و"نيتشه"و"ميشال فوكو" و"هوبز"و.....،بحثا عن عبث الحياة...                                      يئنّ السّرير:"ماذنبي أنا لأتألّم مع جسد يتألّم،..اَنْتِ -أيّتها الوسادة- تستمعين إلى العقل،أمّا أنا فأتحمّل العنف،...إنّه القلب النّابض الّذي لا يهدأ أبدا...دقّاته مطرقة تضربني كلّ ثانية دون رحمة تشكو الشوق والحنين،...،ما ذنبي لأكون كقطعة حديد مظلومة بين المطرقة والسندان...ليلة ليلاء اشتدّ حلكها بين عقل لا ينام وقلب لا يهدأ،تحالف أبديٍّ لإرهاق السّرير وقمع الوسادة"...حمدا للّه الذي أرسل الشّمس لِتُعْلِنَ يوما جديدا، وشكرا لقهوة فيها وجه روحكَ المُبتسمة تقول لي:"💖صباح الهدوء 💖انهضِي فاليوم أجمل"...     

*****************************************

15- صباح الثقافة

نهضتُ اليوم على صوت قهوتي وهي تُدندن أغنيتي المُفضّلة "الصّبّ تفضحه عيونه"،..ففاجأتها قائلة:"ما هذا الضّجيج الذي تتعمّدين إحداثه فجرا،لقد اهتزّ بي السّرير وانسحبت وسادتي تاركة رأسي يتألّم بسبب نقص فادح في النّوم،ذاك اللّعين الذي هرب من النّافذة لِيلتحق برأس مخلوق من المخلوقات البشريّة التي تُمضي حياتها في عناق مع نوم كلّ البشر؟                                                       -أجابتْني قهوتي:"أنا سعيدة فقد قرأتُ ليلا مقالا يمدحني في إحدى الصّحف الخاصة بالمشروبات لأنال وسام الثّقافة".                                                                                   -أَخْفَيْتُ ضحكات كادت تكتم أنفاسي وسألتها:"ماالذي جعلهم يُصنّفونكِ ضمن المُثقّفين رغم أنّ هذا الوسام لم يعد معيارا للثقافة اليوم،فكلّ من هبّ ودبّ أصبح يشتري هذه الأوسمة أو ينالها من باب المُجاملة والنّفاق؟                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                             -أجابت قهوتي بصوتها الرّنّان المُحمّل بالكبرياء الكاذب، ذاك الكبرياء الذي ارتداه كلّ جاهل تجرّأ على حمل القلم،وتطاول على الحروف،واخترق قدسيّة الكتابة:"أنا مشروب عتيق،بل أنا مشروب مُوغل في القدم،...حكايتي ليست مُجرّد حكاية، بل أنا أسطورة(روتها الجمعيّة العالميّة للبنّ سنة 1911)فقد تمتّع بي"الماعز" في غابات البنّ القديمة بالهضبة الأثيوبيّة، فكانت لا تنام ليلا لِيكتشف الرّاعي"كالدي" ذلك ويُخبر به رئيس الدّير المحلّي...ومن أثيوبيا انتقلت قبيلة القهوة إلى الشّرق لِتصل إلى شبه الجزيرة العربيّة،...ومن هناك بدأتْ رحلة قبيلتي إلى كافة البلدان...هكذا كانت ولادتي لِأكتسح هذا العالم،...تطوّرتُ عبر العصور فصادقتُ الماء وكان السّكّر ضيفا حسب مزاج عشّاقي...ومرّت قرون تكاثرتُ فيها إلى أن دخل أبنائي كلّ المنازل إرضاء لمزاج بني البشر.                                                         لقد تعلّمتُ اللّغات على اختلافها فقد شربني العربيّ والفرنسيّ والأنجليزيّ والإيطاليّ والإسباني،ّ....وبذلك نهلتُ من كلّ الثّقافات"...                                                                                                                                                                                                                                                                                                     بعد تفكير عميق واصلت قهوتي حديثها:"لقد بدأتُ ب"الثّقافة البدائيّة" فلم أُنْكِرْ انّ أوّل من اكتشفني هو"الماعز"،وتأكّدتْ أهميتي بِرَاعٍ بسيط...وهو ما يؤكّد أنّ الثّقافة هي-كما عرّفها "إدوارد تايلور":"المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والعرف والعادات وسائر القدرات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع"،...بهذا التّعريف دخلتُ منازلكم،وتعلّمتُ عاداتكم الرّاقية وتقاليدكم البالية،وخبرتُ حياتكم،وقرأتُ كتبكم، وأصبحتُمْ لا تستمتعون بكتاب إلا وأنا بينكم،ولا تكتبون حرفا إلا بعد أن تنهلوا من رشفاتي السّحريّة.                                                                                                                       ولكنّكم -يا بني البشر- ظننتم الثقافة هي أنتم وأنتم فقط أهل الثّقافة،...فكيف تكون الثّقافة لكم وقد اكتشفتني"الماعز" واستفادتْ منّي قبلكم!!!                                                                                                                                        لقد اعتبرتم أنّ كلّ من قرأ كتابا أو دخل مدرسة مُثقّف..فبئس القائل وبئس المقول...أَلَمْ يسخر منكم "ألبير أنشتاين"حين قال:"الثّقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كلّ ما تعلّمته في المدرسة"،...فهل يحقّ لكم الآن الافتخار بثقافتكم المزعومة؟؟                                                          -صمتتْ قهوتي قليلا ثم أضافتْ:"أنا لا أدّعي الثّقافة لكنّني نهلتُ من بحرها قطرات،فهي بحر ليس له قرار،...وجاهل من يقول لقد حصّلتُ كلّ العلم أو اكتسبتُ كلّ الثقافة لأنّ العلم مداد لا ينتهي،والثّقافة متاهة ندخلها عن طيب خاطر لكنّنا لا نخرج منها أبدا برضانا...واهم من يعتقد أنّ الثّقافة لها نهاية، هي بدء لا عود له،هي حرث في الأرض خريفا،نحصد ثمارها صيفا، لكنّنا نعود من جديد لحرثها لِتتواصل الحياة،...هي كما قال عنها ريتشارد فيلكلي:"زراعة الرّوح والعقل"...فهل تَرَيْ بين من اختاروا لأنفسهم لقب مُثقّف من يزرع الرّوح والقلب، فالرّوح تَبَصُّرٌ والعقل تَفَكُّرٌ،وبين الرّوح والعقل تُولد الثّقافة شجرة أبديّة نسقيها بماء المعرفة،..فتتعدّد المُسمّيات والمعنى واحد هو الثّقافة...فالأسلوب ثقافة والتّعايش ثقافة والاحترام ثقافة والفكر ثقافة والاختلاف ثقافة والتّعامل الرّاقي ثقافة والحبّ ثقافة،...والقهوة ثقافة،...نعم أنا القهوة ثقافة...                  فمتى يرتقي البشر في أرضنا ويحتفون بالثقافة مُمارسة وليس مُجرّد شعارات؟؟؟؟"                                                   

***********************************************

ابداعات جميلة، لأديبة مبدعة، دام التميز والإبداع إن شاء الله تعالى.





0/أكتب تعليق

أحدث أقدم