قراءة نقدية في القصة القصيرة المتوجة قصة السنة:"العشاء الأخير"للأديب/الطيب جامعي- تونس .. بقلم الأديبة الناقدة منى أحمد البريكي - تونس

قراءة نقدية للقصةالقصيرة
" العشاء الأخير" للأديب الطيب جامعي - تونس
 بقلم الأديبة الناقدة
منى أحمد البريكي - تونس








مقدمة:
نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل: 

**************************

تصدير"
*كل سكان الواحات عبيد. لايقيم وراء جدار أو كوخ إلا عبد.*
ابراهيم الكوني.
التقديم
يستوحي الكاتب قصته من الواقع المعيش ويصور تفاصيل خاصة بحقبة زمنية بعيدة صاغها بلغة سردية بسيطة انضبطت لسطوة المقاييس التقليدية في القص (تقريرية/عقدة/صراع/حل )وأظهر من خلالها الأستاذ الطيب جامعي تمرسه بالقصة القصيرة وإلمامه بفن الحكي ليقدم لنا حكاية  استقاها من الموروث الشعبي  بما فيه من تناقضات (فقر/غنى؛شرف/رذيلة؛كرم/بخل )في مقاطع مشهدية مستفيدا من الأدب العربي القديم في جنس السير والحكي.
مما يحيلنا إلى التركيز أولا على المتن السردي في القصة .
1_طبيعة السرد:
مقاطع القصة مترابطة وفق نسق سردي تصاعدي راوح بين الوصف (تقديم الاطار المكاني والمناسبة "مأدبة عشاء) مبرزا المظاهر المكونة لإطار الأحداث؛ متتبعا حركية الأشياء والشخوص المساهمة في بنية القص  وبين السرد المتصاعد لها.
ولأن الحكائية  كمرجعية شفهية وملمح سردي بامتياز قد اقتضت أن يكون السارد متكلما وحاضرا في مختلف مفاصل الحكاية (وكان من عادات الأهل. ../وكان من عادات العشاء …. )
فقد شكل الزمن السردي نظاما مرجعيا محملا بدلالات إيحائية تتحكم في الأحداث والشخصيات وفق خطية حملت ازدواجية مال من خلالها الكاتب إلى التكثيف و استثارة لخيال القارئ أسقط أحداثا قفزعليها النص لكنه أوحى بوقوعها عمدا للتسريع في وتيرة السرد.
 ولأن الفضاء ليس مجرد إطار للأحداث فقط فقد كان متناغما مع زمن الحكي(ريف/قصر بمفهوم دارج ذا خصوصية شرحه الكاتب في الهامش)وواقعية إمكانية حدوثها في تلك الحقبة  التي تميزت بالبساطة والجهل والتناقض في مجتمع فقير خضع لسلطة مستبدة لم يكن لرأيه فيها أي قيمة (بيد ان السلطات زكته بل فرضته فرضا.)
ولأنه لم يكن اعتباطيا بقدر ماكان مساعدا على صوغ حكاية دالة ومعبرة فهو يحيلنا إلى :
2 التيمات بالقصة :
أ_التهميش الممنهج للسيطرة على العباد وإذلالها:
بلغة  مباشرة انزاحت عن الإيحاء والتكثيف أشارالكاتب إلى زمن كان فيه "الشيخ"بالدارجة التونسية  مرادفا للسلطة وممثلا لها بالأرياف ينصب دون استشارة للمواطنين الذين كانوا مجرد رعايا.(ولكنه حافظ على هيبة المنصب ووقاره بما يملكه من صرامة وحظوة عند "القايد"/بيد أن السلطات زكته بل فرضته فرضا. )مما أفرز مجتمعا متزلفا وخائفا يعيش ليل  أفراحه غارقا في الظلام (غرف القصر مظلمة في مثل هذا الوقت. )
ب_مفهوم الشرف : تفسر مفردة شرف  بعكسها "رذيلة وأحد معانيها الكذب كجذر أصلي للإخلال بالشرف.
أو بمترادفاتها المعجمية "الصدق ،الوفاء بالعهد ،القيام بالواجب
لكنه انزاح في القصة ليعبرعن معنى التفاخر بالانتساب الى ذوي السلطة (فشرف ابنها من شرف حضوره ) وتتطور الاحداث بمفارقة شكلت رؤية مغايرة للشرف ليصبح ذا دلالة جنسية تحيل إلى المحافظة على مابين فخذي المرأة أو عذرية الفتاة .(لم يتفطن الجميع إلى تلك القطرات الحمراء التي وصل البعض منها  إلى كعبي الفتاة ،إلا الأب، راح يتقيأ مرارة الحنظل)
3_تعدد الشخصيات:
لأن القصة كانت في قالب حكاية اقتضت أن يخرج الكاتب عن أحد شروط القصة القصيرة ذات الشخصية الواحدة ليحرك شخصيات عدة وينميها من خلال مشهد وليمة العرس ولتكون قصته أكثر حبكة وصف لنا شخصيتين رئيسيتين "الحاج محمود "المضيف وضيفه "الشيخ مرزوق" وفي مرتبة أدنى الزوجة وبقية الضيوف والأعوان المرافقين للشيخ مع الإشارة إلى شخصية الفتاة "راقية "لتكون محركا لتفجرالأحداث وصياغة المعنى والمغزى من كل الحكاية.
 إضافة الى رمزية "كلاب القصر"التي كانت منتبهة إلى أحداث الجريمة ومرتكبها (يرتفع نباحها فجأة. ...يستحيل عويلا مريرا /مازالت ترابط على الأبواب في نباح مستمر/ هي تشير بأنوفها إلى الداخل لكن لا من مجيب )فقد أثبتت ولاء وصدقا للأسرة  أكثر من بني جلدتها الذين نصفهم بالكلاب كناية على سفالتهم ووضاعة نفوسهم في ظلم واضح لهذه الفصيلة من الحيوان التي تميزت بالوفاء. في حين امتدت يد من أكرم وبجل وأقيمت على شرفه المفقود وليمة العشاء الأخير(تذكر العشاء الفاخر ،تذكر الترحاب المفرط، تذكر حفاوة زوجته ) لتغتصب الشرف وتغتال البراءة في تعد صارخ ومفضوح من الشيخ المتستر بالظلام وهيبة المنصب (لكأنما يريد إخفاء شيئ /كان يردد بأنه سيمسك الجاني وسيلقى عقابه )  وفي غفلة من الناس ذكرتني بقول أبي الطيب المتنبي:"وما انتفاع أخي الدنيا بناظره؟ **اذا استوت عنده الأنوار والظلم."
وامعانا في الظلم والانحدار الأخلاقي  يتطوع القوادون للدفاع عن المجرم (أما البعض من أعوان الشيخ فما فتئ يردد بأنها زلقت وسقطت فالمنحدر خطر جدا ولا وجود لجريمة )
لتكون "ثقة الأبرياء من أهم الأسلحة التي يستخدمها المخادعون."كما ذهب إلى ذلك ستيفن كينغ.
ولا يمكنني أن أختم مقالتي دون أن أعرج على مقاطع دارجة (كول=كل  /بربي يا شيخ كول /راهو بمعنى "إنه ")
جعلها الطيب جامعي في قالب حوار بين الشيخ ومضيفه لينفتح على خصوصية ثقافية للشخصيات ويستوعب المتن لغة الحديث اليومي ويوغل في الواقعية  ليكون قد استوفى جل مكونات الحكاية كموروث أدبي تميز به "الحكواتي" قديما.
وكأنني بالكاتب بتركيزه على ثنائية إنسان /حيوان أراد أن يبين أن الإنسان يمكن أن يكون أكثر وحشية من الضواري حين يتجرد من القيم والمبادئ و"لا يمكن لوحش أن يعلن عن نفسه ،فلا يمكن للمرء القول:"إليكم الوحش هنا ،دون تحوله حالا إلى كائن أليف."
بحسب دريدا.
أحيانا بمجرد الإعتراف بمحدودية الطين فينا نكون قد قطعنا شوطا في اتجاه إنسانيتنا الضائعة.

********************

النص :

العشاء الأخير.

فناء "القصر" يغصّ بالحاضرين... الجميع في انتظار مأدبة العشاء، تلك اللّحظة الفارقة. فبمقدار كمّيّة اللّحم الذي يغطّي الجفان و القصاع تكون المكانة...

و كان من عادات الأهل استدعاء ممثّلي السّلطة المحلّية من "قايد" و أعوانه و"شيخ التّراب" و رفاقه... فإن حضر" الشّيخ" فتلك الرّفعة، و إن حضر "القايد" فتلك الغاية و كلّ المبتغى. و ماذا بعد ذلك الشّرف غير حديث النّاس عنه إلى العرس القادم؟

و الحاج محمود لم يشذّ عن هذه العادة، فقد ألحّ على مرزوق "شيخ التراب" لحضور زفاف ابنه البكر منصور. يريدها مناسبة تبقى على ألسنة النّاس. و كان من عادات "العشاء" أن يجلس الحاضرون على الحُصُر أربعة أربعة متحلٌقين حول الصحاف يصيبون ما تيسر من طعام، ثم يتجشّؤون مصدرين أصواتا كريهة هنا و هناك، و لا أحد ينكر ذلك مادام العشاء فاخرا و اللّحم كثيرا يغطّي حبيبات الكسكسيّ و بعض القطع من الخضار الخجلى. الظّاهر أنّه لا أحد يحفل بها، فكثيرا ما تعود مع الصحاف معفّرة.

في زاوية هناك من ساحة "القصر" قرفص اثنان من أعوان "الشّيخ" الذي حضر منذ قليل، ولكن لأمر ما غادر المجلس مع أحد أعوانه المخلصين بعد أن لقي من الحاجّ محمود كلّ التّرحاب الذي يليق بمكانته.

و الحاجّ محمود أحد متساكني القصر البسطاء، لم يجد حظوة تليق بالمقام، ولكنّه استطاع أن يتحايل على الدّنيا و أن يكوّن أسرة. و قد أنجب إلى جانب منصور ابنين: أحدهما الأصغر، لم يبلغ السادسة من عمره، أمّا الوسطى فابنته راقية، سرعان ما جرت دماء الشباب في وجهها النّضر، فزادت بهاء حتّى صارت مطمع الكثيرين من أبناء "القصر"، غير أنّها ما فتئت تردّد بأنّها لا تفكّر في الزّواج. و مازال أبوها يصرّ على أنّها صغيرة السّنّ، فيعودعون خائبين و في أنفسهم شهوة مكبوتة.

انتظر العونان طويلا... كانت عصافير بطنيهما تصدر قرقرات... أصابهما الإحراج و هما يريان بقيّة المجموعات تنصرف للجلوس في ناحية أخرى من الفناء لمتابعة حفل الغناء... ثمّ لم يلبث الإحراج أن انتقل إلى صاحب العرس... ظلّ عاقدا يديه خلف ظهره و هو يذرع الفناء جيئة و ذهابا. كلّما سأل عنه أحدهم أجاب بحركة من رأسه بأنّه لا يدري شيئا. لعلّه خشي من انصرافه نهائيّا و عدم تشريفه للمحفل. أين أنت يا مرزوق؟ أين أنت؟ ... لمَ هذا الغياب؟... هذه الأسئلة و غيرها أقضّت مضاجع تفكيره. خاف من الفضيحة و العار...

غُرَف "القصر" مظلمة في مثل هذا الوقت، لا حركة و لا ضجيج، فالجميع في الخارج حتّى السّاعات الأولى من الفجر. بيد أنّ صمت اللّيل و سكونه بدّدته أنّات و بعض حشرجات و أنفاس متقطّعة تعلو تارة و تنخفض أخرى . و كانت الأصوات صادرة على الأرجح من غرفة قصيّة تشرف على المنحدر الغربيّ من الجبل. و ربّما صدرت أصوات مكتومة ترغب في الانفجار فتُرَدّ بعنف.

ساعات اللّيل تزحف بطيئة ثقيلة على العونين و الحاج محمود. هل يمكن أن يبدأ المحفل دون أن يحضر مرزوق و يصيب من الطعام؟
ثمّ تتهلّل الوجوه، و تنفجر الزّغاريد بركانا من النّسوة الحاضرات، و لاسيّما من أمّ العريس و هي تجدّد التّرحاب "بالشّيخ" الذي عاد من جديد، فشرف ابنها من شرف حضوره.
جلس إلى العونين الآخرين في حلقة معتادة. لم يكن مرزوق مثل بقيّة "الشيوخ" رجلا مسنّا، فلم تكن سنّه قد تجاوزت الخمسين إلّا ببضعة أعوام، ظلّت العزوبيّة تطارده إلى هذه السنّ، و الجميع في استغراب. ولكنّه حافظ على على هيبة المنصب و وقاره بما يملكه من صرامة و حظوة عند "القايد" رغم حملات التّشكيك و اللّمز. لم يكن الجميع على كلمة واحدة في تنصيبه. بيد أنّ السّلطات زكّته، بل فرضته فرضا. فلا مناص من القبول به و لو على مضض.

هشّ المشرفون لخدمتهم... جِيئُوا بما لذّ من الطّعام و الشّراب الذي رُكِن جانبا خصّيصا لهذه المجموعة. و تمتدّ الأيادي تمزّق اللّحم و تلقمه أفواها نهمة. غير أنّ الحاجّ لاحظ أن يدَ مرزوق لا تمتدّ إلى الصّحاف و الجفان، فلا يصيب منه شيئا.
و يحسّ الحاجّ بالحرج من جديد. قال:
- "كُولْ"ْ يا شيخْ...
- الحمد للّه، ربّي يْبَقّي علِيكْ السِّتْرْ.
- بربّي يا شيخْ كُولْ، راهو لحم علّوش عربي.
 - و الله على خاطرك يا حاج...
 و يمدّ يده إلى حبّة تفّاح ناضجة متورّمة حمرة، و يقضم قضمة نفذت إلى اللّب، و يترك البقيّة.
تدور عيناه في محجريهما كالسّرحان، ثمّ يتزحزح قليلا عن جلسته، و ما لبث أن تحرّك يمينا و يسارا يسوّي وضعه كدجاجة في أدحية، محاولا أن يلفّ جسده ببرنسه لكأنّما يريد إخفاء شيء ما. ثمّ يُسْلم نفسه لنعاس خفيف، و النّاس من حوله ينظرون بين مستغرب و منكر و حتّى متندّر.

اللّيل يتوغّل رويدا رويدا... اُفتُقِدَت راقية، و لم يظهر لها أثر. سألوا عنها كثيرا و لم يعثروا على جواب..
كلاب القصر يرتفع نباحها فجأة. يستحيل عويلا مريرا، تدخل إلى السّاحة، تضجّ بالنّباح. تُنهَر بقوّة، و تُدفَع إلى الخارج. فتصرّ على اقتحام القصر و النّفاذ إلى الدّاخل من جديد. ثمّ تغادر السّاحة في صفّ متعرّج. أحد الفتيان تبعها إلى المنحدر الغربيّ من الجبل حيث اشتدّ نباحها و هي ترنو إلى الأسفل.

ثمّ جاء الخبر اليقين، وانتشر كما تنتشر النّار في الهشيم. ينسى الجميع "وصلة الغناء" التي تؤدّيها "الطّايفه"، و يهرعون إلى المنحدر حاملين بعض المشاعل و الفوانيس الّتي ركبها الغبش، فلا تكاد توضِّحُ الرّؤية. و استطاع الفتى أن ينزلق إلى أسفل و أن يربط راقية بحبل متين...
لمّا سُحِبت إلى الأعلى و أُدخِلت على عجل إلى الفناء كانت جثّة باردة قد أسلمت الرّوح إلى بارئها...

 "القصر" يتنفّس حزنا و لوعة و ولولة نسوة. وجد رجال "القصر" الفرصة سانحة للشكوى إلى "الشيخ" الذي ظلّ على جسامة الموقف فاترا. كان يردّد بأنّه سيمسك بالجاني و سيلقى عقابه، و النّاس من حوله مصدّقون مثمّنون. أمّا البعض من أعوان "الشّيخ" فمافتئ يردّد بأنّها سقطت لمّا زلقت قدمها، فالمنحدر خطر جدّا، و لا وجود لجريمة.

و في خضمّ ذلك كلّه لم يتفطّن الجميع إلى تلك القطرات الحمراء الّتي وصل البعض منها إلى كعبيْ الفتاة، إلّا الأب، راح يتقيّأ مرارة الحنظل بعد أن اجتاحت حلقه. تذكّر العشاء الفاخر، تذكر التّرحاب المفرط، تذكّر حفاوة زوجته....
كلاب "القصر" مازالت ترابط على الأبواب في نباح مستمرّ و هي تشير بأنوفها إلى الدّاخل، ولكن لا من مجيب.
    //// انتهت////
" القصر" نمط بناء تقليدي في شكل غرف متلاصقة تشكل عادة حلقة وسطها فناء شاسع.
"الطايفه" فرقة غناء تقليدية.

************************************************

قراءة جميلة من ناقدة رائعة  في نص رائع لإديب متميز متألق .. 
دام التألق والابداع إن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم