العودة - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب/ أحمد طرشان - مصر

بقلم الأديب / أحمد طرشان
- مصر 



مقدمة :
وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص: 

************************************************

1- العــــــــــــودة
واخيرًا عدت، عدت فاتحًا أعضائى، عفوًا أقصد أحضانى، قلبي يدق بعنف، ملت على أرض المطار أقبلها.
 كنت قد احتفظت بعطشي حتَّى أصل، طلبت ماءً فأحضروا زجاجة مياه معدنيَّة ألقيتها بعيدًا وسط دهشة الحاضرين، أسرعت عيشة وبيدها قلة كنت قد طلبتها منها في اّخر مكالمه لي معها، أقبلت عليها حتَّى أنهيتها وهي تقول:
من ماء النَّيل مباشرةً يا أخي والكل ينظر لي ببرودٍ واشمئزاز وكأنى أرتكب منكرًا، وقد عادت بى الذَّاكرة إلى الوراء فأرى نفسي طفلًا يأخذ قلةً مكسورة يصنع منها حبوبًا ألعب بها معها في ساحة الدَّار.

تركوني وانهمكوا في الشُّنط والإجراءات وكأنهم دمى تتحرك، تمنيت لو صليت ركعتين لله أمام يافطة كبيره كتب عليها  ادخلوها بسلامٍ اّمنين، لكني فوجئئت بمن يصرخ: دكتور يا عالم،  فالرَّجل قد يلقى نحبه.
 وجدت نفسي وحيدًا مع الرَّجل وهو يتلوى، فقد شاء سوء حظه أن تكون على الطَّائرة إحدى الرَّاقصات المشهورات، وقد عادت بعد رحلة هز وسط عالميَّة، انهمك الكل في استقبالها والتَّصوير معها.
 تذكرت أني طبيب، رفعت ملابس الرَّجل بمساعدة أختي عيشة لأكشف على قلبه، ياللهول قلب الرَّجل لاينبض، لكنه يتنفس، ألقى ما في جوفه وبدأ ينتعش، أمسكت برسغه أحاول أن أسمع نبضه ولاشئ، أقبل أمين الشُّرطه، قال مندهشًا: علام تكشف يا رجل؟
 قلت: على قلبه ! 
قال: ليس له قلب.
 قلت: هل تعني أن قلبه في يمينه؟
  قال وهو يسخر: أأنت من أهل اليمين؟
  قلت: كيف؟
فأردف وهو يكشف لي عن صدره: ضع يدك أو سماعتك هنا  فوضعتها على مكان القلب وبه أثر لعمليَّة جراحيَّة حديثة، فلم أسمع شيئاً.
أمسك بي الشُّرطي وهو يعلن في جهازه اللاسلكي عن وجود رجل غريب بالمطار يحمل في صدره شيئاً يدق قد يكون قلبًا، أو قنبلة، وهو يقول لي: كل أهل هذه المدينة بلا قلوب، إن كان لديك قلب فاذهب في حراستنا إلى أقرب مستشفى لتنزعه حتَّى تعيش بيننا أو عد من حيث أتيت !!!!!!!

***********************************************

2- لا عزاء للسَّيدات
ما هذا؟ ذئبٌ ينبش قبر صديقي، كنا قد واريناه ترابه أمس الأول، هرولت إليه وقد أمسكت بحجرٍ يحمل اّثار دماءٍ بشريَّة، ربي هو ليس بذئبٍ، لا هو كلبٌ، ماذا يفعل هذا الكلب المجنون؟
كادت قدمي تتعثر في قبرٍ أخضر لصغيرٍ مات حديثًا، ربي هو كلب صديقي يبكي، يتمرغ فوق القبر، أبصرني الكلب فكشر عن أنيابه يتحدى.
كنا نتساءل عنه فقد كان المرحوم لا يفترق وكلبه أبدًا.
 قالت لي سلوى أرملة صديقي: كلبٌ ضالٌ بورك لمن خلصنا منه أخيرًا، فقد كان فضوليًا.
 كانت عينا الكلب تلوم تراب القبر وتوصيه بجسمان الرَّاحل خيرًا، كان الكلب يتمتم وكأنه يتلو فاتحة القراّن وبعض قصار السُّور على القبر، عدت بظهرى رعبًا، لم أنظر خلفي حتى أشرفت على منزلها.
 قالت سلوى: مالك يا عادل؟
قلت: الكلب وصوته في أذني يشعرني بالرُّعب.
سلوى غلقت الأبواب، وعادت تختال وقد مات الثَّوب الأسود عنها، وبيدها صورة صاحبنا تتحطم، وهي تسب المرض الفاجر، كم عانت سلوى، كم عانينا حين اشتد المرض عليه حتَّى مات.
سلوى وقميص النَّوم الأحمر يحملني في نعشٍ طائر نحو جهنم حملًا، يشعل في جسدي حبي الرَّابض بقلبى، عشقي لإمرأة صديقي المحرومة من ليل القمصان.
فجأه وقفت سلوى في ذعرٍ تنظر نحوي، لا بل خلفي، شئٌ ما مرق سريعًا، والتقط صورة صاحبنا وهو ينوح ويبكي كالمسعور، يرمقنا في شبه عتابٍ وتحدي.
 من خلف الشِّباك، وقد ماتت كل حواسى. حين نظرت إلي الخارج فوجئت بجميع ذكور كلاب القرية خارج باب البيت تعزي كلب صديقي.
 يبدو أن الكلب أحاط كلاب القرية علمًا أنه لا عزاء للسِّيدات.

**********************************************

3- ثلاثيَّة الرُّوح والجسد والحب

بمدينة السَّادس من أكتوبر، والوقت ظهرّا، وقف على رأسي دفعة واحده صوت الفرامل الزَّاعق لم يلفت انتباه أحد، انصرف الكل على عجل في اّليةٍَّ صماء، لعنت الحظ الأعمى وضحكت وأنا أتخيل الطَّويل عمري وهويخرج لي لسانه ويقول: ليس الموت بهذه السُّهولة.
أمسك شرطىٌ ضال بتلابيبي فنهره صاحب السَّيارة اّخر موديل، وزرع بجيبه الأصفر مائة جنيه فصعق، أجلسني بجواره، لا أعرف لماذا يصر صاحب السَّياره الملاكي على ركوب من يجامله بجواره وليس بالمقعد الخلفي؟
 المهم داس بنزين، شيعني الشُّرطى بنظرة سافله، فاستجمعت شتاتي وبصقت في وجهه، فسب ولعن كل نساء البلد أولاد الكلب الضَّايعين.
داس ذرًا بالسيارة الَّتي تشبه الطَّائرة فخرج ذراعٌ اّلي يحمل كوبًا صاحبه صوتٌ يقول * ون نسكافيه * ، وقال كلمة أخرى بالإنجليزيَّة توقعت أن تكون * وصلحه *، ضحك وهو يشغل شيئاً بجواره يشبه الكمبيوتر ليشدو عبد الوهاب برائعته * عاشق الروح *.
وصلنا إلى الفيلا وهو شئٌ متوقع، لمس جهازًا في يده ففتح الباب صاحبه صوت يقول: * ولكم سير * ، أنزلني برفق ٍ على أريكة ضمتني بحنان قائله: * ريلكس مدام * فصحح لها اّنسه من فضلك، وقبل أن تعتذر قلت له وأنا شبه حالمة: أنحن بالجنَّة؟
ضحك وقال: وهل يدخل الجنَّة منتحر؟
 قلت: هذا إذا كنت أحيا حقًا.
قال: هل أنت زاهدة في الحياة، وأردف: وإذا خرجت من هنا سالمة.
 قلت: زاد اصراري بعد الَّذي رأيته على الخلاص من حياتي البائسة. 
 قال: إذن دعي لي هذه المهمة، وأعطيني روحك.
قلت: هي لك ولكن كيف؟ 
 قال: هو عملي، انهضي، ثم لمس جهازه فانشق عن سيدة اّليَّة، سرت معها حيث حممتني، وأطعمتني، وألبستني زيًا يشبه زي رواد الفضاء، فتبدد ما راودني من وهم  فأنا أريد الموت، لكن وأنا بكرٌ عذراء، غاب لبرهة، ثم عاد فعاينني وابتسم، أدخلني غرفة كغرف العمليات مثل الَّتي شاهدتها منذ عام إثر أول عملية انتحار فاشلة، وقبل أن أسأل
 قال:  سأنقل روحك! 
 قلت: كيف؟ 
 قال وهويكشف الغطاء: هوجهاز نقل الرَّوح، فسرت في جسدي رعدة كتلك الَّتي أصابتني وأنا أمسك سلك الكهرباء العاري في ثاني محاولاتي الفاشلة  فألقاني بعيدًا وأنا أرتجف. 
طمأنني قائلًا: سيكون النَّقل بطيئاً ولذيذًا، ثم داس زرًا فخرج من الحائط شئٌ يشبه التَّابوت الزّثجاجي.
كان بالدُّولاب سيدة رائعة الجمال وقد ارتسم على وجهها نظرة رعبٍ مفزعة.
 قلت: هل تعمل بالآثار؟ وإن لم تكن مومياء مهربه فمن هي؟
قال: زوجتى.
قلت: ومن قتلها؟
قال: أنا، ثم بكى كالطفل وجعل يضرب رأسه بالحائط، فأسرعت إليه الآليَّة تعطيه إبرة، عرفت بعدها أنها لمنع البكاء، فسكت فجأة، وكأنه تجمد ثم قال بصوتٍ شمعي: نعم خنقتها 
قلت: لماذا ؟
قال: خانتنى مع صديقى
 قلت: وتركتها دون أن تدفنها؟
قال: ابتكرت هذا التابوت لحفظها حتى تعود الرُّوح إليها أو ....
قلت: أو تنقل إليها روحًا، وأكملت: ولماذا تريد إعادتها إلى الحياة؟
قال: أحبها وأعشقها وقد وقفت حياتى كلها على هذا الإختراع من أجلها.
قلت: هل لديك حقنة لمنع الحب أو الخيانة؟
قال: جربت ففشلت ولكنى سأصل يومًا
قلت:هل لديك نظاره طبيَّة للحب الأعمى ؟
قال: سأضع ذلك فى برامجي مستقبلًاً 
قلت: إذن دعك من حديث الحب وخلصني، لكن ما يدريك أنها تريد العودة إلى الحياة؟!
قال: إصرارك على انهاء حياتك قد يتغلب على رفضها العودة 
قلت: اذن ستكون معركةٌ كبرى 
قال: ساعديني حتَّى أعيدها ولو رغماً عنها
قلت: لتعذبها 
قال: لا بل لأعتذر لها وأعوضها حبًا وحنانًا 
قلت: هل أحببت صديقك؟
قال: لا بل أنا الَّذي أهملتها وتركتها وحيدة فأغراها هذا الكلب، ثم داس زرًا فخرج صندوقٌ اّخر به جثمان الصَّديق 
قلت: ولم تحتفظ به هو أيضًا؟
قال: سيأتي اليوم الذى أعيده فيه إلى الحياة لأقتله، وأحييه، وأقتله، وأعيده اّلاف المرات 
قلت وهل غفرت لها فعلاً 
قال: ومن منا بلا خطيئة!
قلت: لم لاتغفر له ؟
 قال: سأفكر
قلت: وأنا هل سيغفر لى ربي؟
قال: هل سترجعين في كلامك؟
قلت: لا سبحانه وتعالى أعطانا الحياة، وأنا لا أريدها مع هؤلاء البشر، وبعلمك هذا قد أجدها في جسدٍ اّخر، أو في زمنٍ اّخر.
قال: هذا هو الكلام وأعدك بأن أحفظ لك جسمانك حتَّى أحقق لك هذا يومًا.
قلت: وأنت ألن يدركك الموت ؟
قال: أنا في مقتبل العمر وتحسبًا لأى طارئ سأدعم روحىي بنقل أرواحٍ محبي الحياة في هذا البلد إلى روحي 
قلت: مثل من ؟
قال: الراقصات ، لاعبى الكرة، نجوم السينما وعلى رأسهم القضاة وغيرهم 
قلت " ستسرقها مثل الأعضاء 
قال: ساّخذ نسبة ً منها فقط، اعتبريها ضريبة نجومية أو حب حياة 
و ستكون الأمور قانونيَّة إذا وصلت إلى الكبار وضاعفت من أرواحهم بدلًا من أرباحهم
قلت: فعلًا من الحب ما قتل
قال: دعينا إذن من هذا وهيا إلى العمل
قلت: هل جربت اختراعك على الحيوانات كالقطط مثلًا، إنهم يقولون عنها بسبعة أرواح.
قال: لا
قلت: إذن لنجرب 
قال: كيف؟
 قلت: جرب جهازك لبعث الرُّوح في نفوس أهل هذا البد أولًا، فإذا نجحنا فلا مانع لدي، هذا شرطي فاقبله أو.....
قال: اتفقنا، وقمنا إلى الجهاز، فإذا شعرت أيها المواطن الميئوس منه بهزةٍ كبيرة تجتاح كيانك كله فلا تقلق، فإننا نصحي الرُّوح فيك أو نعيدها إليك.

***********************************************

نصوص رائعة بقلم أديب قدير، ابدع في توصيل فكرته بأسلوبه السهل البسيط وجمله المعبرة، دام التميز والإبداع أديبنا المتألق إن شاء ألله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم