قراءة مضمونيّة للقصة المتوجة " عبق النسيان" للقاصة التونسية حنان الرقيق - بقلم الأديب الناقد/ الطيب جامعي - تونس

قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد/ الطيب جامعي - تونس



قصة قصيرة - (عبق النسيان) -  
بقلم الأديبة/ حنان الرقيق - تونس










***********************************************
القصة
عبق النسيان
ابتسمت للصورة المعلّقة أمامها، خمنتُ أنها تذكرتها.. لكنها أشاحت بوجهها عنها لاعنة ..أرغت و أزبدت و توعّدت .لم أفقه شيئا ممّا قالت فحاولت استفزاز ذاكرتها مستفسرة:" إن لم تعجبك سأجتثها من ذاك المكان.." فحدجتني معاتبة فاقتربت منها ملاطفة ..اِستجمعت طوفان ريقها ليسيل وديانا على وجهي ثم أطلقت عقيرتها بالصراخ" أ لم يكفك ما فعلته هذه العاهرة الثرثارة بسي صالح؟ لقد خطفته  سعاد مني بعد ان كانت أعز رفيقاتي.. أ لم تصلك رائحة عفنها؟.."

لم أستطع ان أنبس بحرف ..
اِختلطت دموعي بفيضان البصاق على خدّي..أمًاه أ هذا الجمال الباريسي جارتنا ؟ أ لم تكن هدية أبي ؟ صوفيا لوران خطفت زوجك!!؟؟
كفكفت دمعي و تجاهلت الأمر
و أخذت أرقبها و هي تتحسس الدثار المسجّى على جسدها النحيل. ثم عادت  للسّباب من جديد" لم اهترأ هذا الغطاء؟ أ لا تبت أياديكم تريدون أن أبيت في العراء مثلما حصل ليلة عرسي؟"
يا الله لقد تذكرت ليلة عرسها ! لوّحت يديها فلم تجد خاتمها..
جست أذنها فلم تعثر على قرطها فعاد النشيج " كلاب سرقتم زينتي"
رغبت أن تعتدل في جلستها فساعدتها و هي التي ابتلاها الله بشلل في الذاكرة و في نصف الجسد..اِبتسمت بعد عبوس ثم عادت لتستنجد بي  لتستلقي من جديد.فدثرتها بغطائها الأثير..
فاسترسلت في نوم عميق...نظرت إلى غرفة طفولتي أستنشق عبير مكتبي..لم أدرك إلا الآن سر تعلقي بكتب السّيرة ها هو حنامينة يرفل في بقايا صوره و ها هو طه حسين يحصي أيامه فتنكشف لي تجليات الغيطاني و أبلغ سبعين نعيمة
حتى أمي أهدتني عراجين التفاصيل لكن لا أظنها تتذكر..
 و إن أسعفها الحنين فلن تستحضر إلا الماضي البعيد ..ليتني أستطيع أن أمحو الحاضر مثلها..
قفزت شهرزاد  من بين الرفوف  فانتشيت بالحكايا لكن الصراخ  أيقظني من غفوتي..
تبلّل الغطاء و انتشرت رائحة آذت فؤادي  . ..غيرت لها ملابسها  و مسحت تجاعيدها المشققة..كبرت يا أمي
و قررت ذاكرتك الرحيل..
رمقت الحفاظة فأخذت تناغي
" نامي يا صغيرتي سأغسلك بضوء القمر و النجوم"
هذه أنا.. تراءى لي ظلي الصغير يداعب حلمتها الفياضة..يسري صوتها العسلي في العروق فأنام ساعات بين أحضانها فلا تتبرم.. اِقتربت لألثم جبينها لكنها دفعتني بكل قوة" ابتعدي عن مهجة روحي سأعيدها إلى قصر رحمي ستنعم بين دروب شرايني أليست ابنة الغالي؟"
لم أشأ أن أقاطعها و قد نصحني الطبيب بتنشيط خلايا ذاكرتها ..
واصلت في خشوع كأنها تصلي للرحمان و صوت آذان العشاء يهدهد مسمعها" جمعتنا  قصة حب عجيبة.. كان عمري عشر سنوات
و كان يكبرني بستة أعوام. لم يتجاوز عتبة المراهقة لكنه أحبني بصدق،  أنا طفلته المدلّلة .لم أكن أعرف من الدنيا سوى نظراته المبتسمة كلما مر أمام  المنزل العتيق .. كانت  أمي تخاف جدا علي ..حرمها  الله نعمة البكر الذكر .كم سمعت الجارات يتباهين بعدد الذكور..  هم العزوة  في الكبر أما الفتاة فلا تنال منها إلا الأرق ..
لم تكن أمي تأبه بسخريتهن
 و لكنها كانت تبالغ في حجبي عن العيون إلا عينيه النجلاوين. أصابتني سهامهما  و تعلقت بإطلالته..ثم أخذت غيباته تطول .لم أعد أسعد بالابتسامة  إلا يوما واحدا في الأسبوع.. لقد رحل للعمل في إحدى ولايات الجنوب أجيرا و فرحت في سري لأنه يكد من أجل لقمة استنزفها المحتل .لم يكمل تعليمه و لا أنا  أيضا استطعت ذلك في قسم يعج بالذكور .و كان المعلم فرنسيا أصيلا  حصّلت منه  بعض الزاد اللغوى الذي مكنني من التواصل مع المتفرنسات.
أما  سي صالح فقد مكنه زاده البسيط من اللّغة من التّحاور مع الحرفاء الأجانب الذين  شربوا  من مائنا
و تغطوا  بسمائها...
  أرسل لي  بطاقات البريد المعطرة  بعبارات الود. كان واثقا تمام الثقة  أنني لن أرمي بالرسائل في قعر الوادي .إحساس مجهول  رغم صغر سني ..
 أهداني صورة  لصوفيا لوران   بشعرها  الأسود وهي  تسدد سهام عينيها الى عاشق ولهان. أحب وجهها مثلما أحب سحر  الخال على خدي .. و لم يخجل أن يصارحني بذلك .  فانتفضت أنوثتي الصغيرة  و لم أصدق أنه يراني  بهذا الجمال..
 أخبر  عائلته بالرغبة في الزواج
و هو عائلهم الوحيد. لم تحفل أمه بالأمر  بتاتا لكنه أصر مهددا بالانقطاع عن  العمل و  هدد بإلقاء نفسه في البئر .. رحل عن أهله مدة كانت كفيلة بإحساسهم بمرارة الفقدان ..
 بعد أيام هلت عائلته راغبة في ابنة الحسب ..و انتظرنا موعد الزفاف.. مرت السنوات  كأنها السبع العجاف و أنا  أنتظر فارسي الوسيم.. أصبح بامكاني  ان ألتقي به بين دروب الأشجار .. حين أتممت عامي السابع عشر عقدنا الرباط المقدس
  و رضيت بالنزر القليل ..لم أطالب بالمصوغ و لم أسكن منزلا فاخرا ..لم أستطع حتى فرشه  فاقترضت من جارتي سعاد. و لسوء حظي داهمت منزلي مطالبة بمتاعها..فبكيت كثيرا و رجوته أن يعوضني..فلم يمض يومان حتى سررت بفرش جنتي الصّغيرة من حُرّ ماله..لكن لماذا اهترأ الغطاء بهذا الشكل ؟؟"

فجأة اِمحى شريط الذكريات
و طفقت تبحث عن سجادتها" حان أوان صلاة الفجر "
ثم نادت ابني ضياء و هي  التي اختارت اسمه " يا صالح  يا بنيّ هلا تلوت لي سورة الفلق .."
هلّ أبي مسرعا  متحببا " لبيك يا أمّ الخال"  فصاحت صيحة مفزعة
 " من أنت؟ رجل غريب في غرفتي؟  و من الأخرى يا بني ألا ترى أنها  تشبه الساقطة  المعلقة على الجدار؟؟؟.."
واصلنا معها التلاوة و رائحة البخور تتضوع مضمخة بملح دموعنا الساخنة " و ذكّر فإن الذّكرى تنفع المؤمنين"
🍁حنان الرقيق الشريف🌹 من تونس 🌹01/12/2019🌹
***ا***
القراءة

إشكالية العنوان

"عبق النسيان". عنوان لافت بتركيبه اللّغويّ و دلالته المعنويّة.
العنوان مركب إضافي.
المضاف: عبق، و العبق الرّائحة الزّكيّة، العطرة...
و المضاف إليه النّسيان، و النّسيان: فقدان الذاكرة جزئيا أو كلّيّا.
فأيّة علاقة يمكن أن تكون بين المضاف و المضاف إليه؟
كيف يكون للنّسيان عبق؟ أو هل يكون عبق في النّسيان؟ أم هو عبق من أجل النسيان؟ أو ... أو.... أو...؟!
***ا***
الفكرة العامّة.
"عبق النّسيان" قصّة ألم مزدوج: ألم أمّ فقد ذاكرتَها، فتحوّلت حياتها إلى معاناة، و ألم بنت ترى أشرفَ مخلوق و أقربَه إلى قلبها (الأم) و قد صار على تلك الحال من المعاناة اليومية المتجدّدة، بين فقدان الذّاكرة و الإعاقة الجسدية التي أقعدته( الشّلل).
                 ***ا***
القصّة.
أرى في القصة قصّتين: قصّة الأمّ و قصّة البنت.
      1- الأمّ: قصة معاناة متجدّدة.

   انطلقت القصّة من لحظة معيّنة هي اللّحظة الرّاهنة: حاضر الأمّ. و هو حاضر مخادع بالنّسبة إلى البنت(السّاردة).

( ابتسمت للصورة المعلّقة أمامها، خمنتُ أنها تذكرتها.. )
فالأحداث بدأت هادئة موحية بانفراج بدأت تلوح بعض ملامحه في الأفق. فكأنّ الأم بدأت تستعيد بعض ذاكرتها، و هذا مؤشّر انفراج.
غير أنّ هذا الانفراج ما هو في الواقع إلا برق خلّب لا يحمل الغيث بقدر ما يحمل العواصف و الغيوم التّرابيّة.

( لكنها أشاحت بوجهها عنها لاعنة ...)

فالحقيقة أن الأمّ لم تخطُ ذاكرتها هذه الخطوة بعدُ.
و هنا تهجم على البنت، كما علينا، مظاهر التأزّم هجوما يُبِين مدى المعاناة التي ترزح تحتها الأمّ و كل من يعاني من هذه المشكلة. و من مظاهرها:
     - الحدة في الكلام على غير العادة.

( ثم أطلقت عقيرتها بالصراخ )

     - الاضطراب في تمثّل الأحداث

( أ لم يكفك ما فعلته هذه العاهرة الثرثارة بسي صالح؟ لقد خطفته  سعاد مني بعد ان كانت أعز رفيقاتي.. أ لم تصلك رائحة عفنها؟..")

    - اختلال في إدراك الشخصيات. فلم تستطع إدراك المحيطين بها.
لم تتعرّف حفيدها.
(ثم نادت ابني ضياء و هي التي اختارت له اسمه " يا صالح يا بني هلا تلوت لي سورة الفلق )

و لم تتعرّف حتّى ابنها.
(من أنت؟ رجل غريب في بيتي؟)

و لم تتعرّف ابنتها و هي الأقرب على ما تظنّ إليها.
(و من الأخرى يا بني ألا تشبه السّاقطة المعلّقة على الجدار؟)

غير أن السّرد يرتدّ في بعض الأحيان إلى الماضي في ما يعرف بالومضات الورائية في تكسير لخطّية الزّمن.
و لئن استطاعت ذاكرة الأمّ في بعض الأحيان أن تمسك بتلابيب بعض الأحداث الماضية فإنّ هذه النعمة (نعمة التّذكّر) سرعان ما تحوّلت إلى نقمة.

   معاناة معنوية. قالت و هي تتحدّث عن حبيبها:
(لقد رحل للعمل إلى إحدى ولايات الجنوب أجيرا //  مرت السنوات كأنها السبع العجاف و أنا أنتظر فارسي الوسيم )

    معاناة مادية/الفقر.
(لم أنزل منزلا فاخرا... لم أستطع حتى فرشه فاقترضت من جارتي سعاد)

   2- البنت: قصّة معاناة و رغبة في التّنفيس.

و التّنفيس هو مجموعة أو عمليّة فرديّة يتمّ فيها إطلاق الطّاقة النّفسيّة والدّوافع، ممّا يساعد على الحدّ من الصّراعات الدّاخلية.
لا شك أنّ السّاردة و هي تعتني بأمّها بتلك الطّريقة قد أصيبت بأنواع من التأزّم و التّوتّر، سواء أ أدركت ذلك أم لم تدرك، و إن جاهدت ألّا تُظهر ذلك.
فالاعتناء اليومي بحالة أمّها مرهق بدنيّا و لاسيما من النّاحية النّفسيّة. فمشهد تغيير حفّاظات أمّها مثلا لاشكّ أنّه سيترك أثره في نفسيّتها عاجلا أو آجلا.

(تبلل الغطاء و انتشرت رائحة آذت فؤادي)

كما أنّ رؤيتَها على تلك الحال من التّشنّج و الصّياح... لا بدّ أنّه نحت في نفسيّة السّاردة عميقا عميقا. فما كانت ردة الفعل؟

(نظرت إلى غرفة طفولتي أستنشق عبير مكتبي...)
( قفزت شهرزاد من بين الرفوف، فانتشيت بالحكايا)

و تصرّح في موقع آخر.
(ليتني أستطيع أن أمحو الحاضر مثلها)
فما الحاضر إلا تأزّم متواصل، و ربّما وجدت في هذا الهروب إلى هذه السّلوكات تنفيسا بالمفهوم الفرويدي، و هي آلية من آليات الدّفاع النّفسية.
و "الآليات الدفاعية أو الوسائل الدفاعية أوالدفاعات النفسية هي استراتيجيات نفسية يستخدمها العقل الباطن لحماية الفرد من التوتر الناجم عن الأفكار  أو المشاعر المرفوضة وتسعى هذه الاستراتيجيات إلي إيجاد حلول وسط للمشكلات الشخصية، وتُمثل هذه الاستراتجيات الطرق البسيطة للعقل الباطن في مسايرة التوتر، وتساعد الشخص على إيجاد حلول أكثر قبولا من الناحية الاجتماعية. كما تفيد هذه الدفاعات في حماية الذات من التهديد" ( ويكيبيديا).

و عود على بدء" عبق النسيان"، ربما نجد لهذا العنوان صدى في ماقالته الساردة

(ليتني أستطيع أن أمحو الحاضر مثلها)
أو بتعبير آخر: ليتني أستطيع نسيان الحاضر.
و هنا، أ لا يكون للنّسيان عبق خاص؟
مجرّد تساؤل.

بالمحصّلة هي قصّة تلقي الضّوء على معاناة شريحة من المجتمع بسبب مرض فقدان الذّاكرة الجزئيّ أو الكلّيّ و يقدّم مشاهد حيّة من تلك المعاناة.
تحية للكاتبة حنان الرقيق.
-----ا---------'
تبقى هذه القراءة ذاتية من ضمن قراءات ممكنة.

************************************************
نص جميل استحق التتويج في مسابقة القصة القصيرة برابطة بنى هلال للثقافة والآداب ، وقراءة رائعة  من أديب قدير .. دام التميز والإبداع ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم