قراءة نقدية للقصة القصيرة هاجس الليل للأديبة الزهرة الصالح - بقلم الأديب الناقد/ محمد بلكوز - المغرب

قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد/ محمد بلكوز - المغرب


قصة قصيرة ( هاجس الليل) - بقلم الأديبة الزهرة الصالح - المغرب


نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل.. 

************************************************

"هاجس الليل"
عنوان يحمل قارئه بأسئلة حبلى بالأسئلة، ويكلفه عناء ممتعا، وتعبا محببا، بالتشابك مع كل لفظة على حدى عله يظفر ببعض أو قليل معنى، يتزود به للرحلة القرائية، ويعتمده للاهتداء في طريقه لاقتناص البغية...
لكن، هيهات! هو عنوان مخاتل، يحتال على متأمله بتعدد أبعاده، وتسرب معانيه في مسارب متعددة... فلا يظفر من تأمله، وتقليب ألفاظه في معانيها المتنازعة، إلا بشحنة تشوق، وجرعة تحفزه للانطلاق إلى المتن.
[مع المتن]
يأبى المتن استقبالنا بهدوء، واطمئنان، كأنه يحقق لنا وعد العنونة من أول اللقاء، فيلقي بنا ابتداء في مشهد مفعم بالحركية، يتقدمه جملة فعلية تعطي للسرد دفعة قوية للسير بإيقاع سريع، مثل الهاجس تماما.
[قبلا]
لن أدخل في تشابك مع النص للتحقيق معه في مدى استجابته لشرطية تحقق النص القصصي، ومبلغ اكتمال نضجه البنيوى لانتزاع الجنسية القصصية... وذلك لعوز في الآليات، ونقص في خبرة التعامل الناقد مع النص الأدبي... لذا اقتصرت في هذه الكليمات على وقوف بنفس قصير مع بعض ما حرك اهتمامي، في هذا النص الزاخر بالواقعية، المتدفق بالمعاني الاجتماعية.
[في النص]
نتبين بعد التوغل في النص أن القصة انتزعت أحداثها من الحياة... شخصياتها من دم ولحم، همومها هموم بشرية في مجتمع ما، آلامها حقيقة يعانيها غير قليل من الناس، مخاوفها هواجس تجعل الحياة قطعة من جحيم... أفضيتها تحيط بكثير من أمثال هؤلاء، ويعمرها بشر حقيقيون هم على قيد الحياة، أو على قيد الهوان... مشاهدها واقع يرزح تحت ثقله مجتمعات بأكملها، تتلظى بلهيب الحاجة، والفاقة، والعجز، وأحداثها تجري على سنن مجريات الحياة في أوساط فقدت حس الإنسانية، ونضب فيها الشعور بالواجب الأخلاقي...
[وقفات]
الإنسانية صفة قد يعدمها الإنسان، إذ يتحول إلى كائن غير مبال بالقيم الإنسانية، مستهتر بكل مبدئ، وأساس أخلاقي، لا سيما إذا تمكنت منه المادية، واستحال معها إلى خزانة مالية، هاجسه الثراء، والامتلاك، وصنع المجد الاقتصادي، وإن على حساب الضعفاء، باستغلال حاجتهم، وتصريف عجزهم لتحقيق مطامحه، وإن اقتضى ذلك تشييء الإنسان، والنظر إليه بعين الربح والخسارة، مثل سلعة تعلو وتنخفض قيمتها، بالعرض، والطلب... (...إنهم يدفعون كي نبسطهم...)(...يكفيك ما عانيته من حاثة العمل، ومن أصحاب العمل)...
الحاجة في مجتمع ألغى القيمة الإنسانية، ورفض كل انتماء للإنسان إلى الكرامة، وامتنع أن يأمن فيه المحتاج على مستقبله، ومستقبل من يعوله، ليعيش في خوف مستقر، وخشية تتعاظم مع الزمن من لدغات الحياة، فتنتهبه الهواجس المؤرقة، وتستوطنه التخمينات المزعجة... تجعل هذه الحاجة من الإنسان حزمة هلاوس... (...كابوس في اليقظة!)...
الإعاقة مقترنة بالفقر في أوساط يغيب عنها التكافل، والتضامن، وقبل ذلك تنتفي فيها الحقوق، والمستحقات،
أشبه بقطعة منفلتة من الجحيم، لا يتورع -غالبا- المبتلى بهاتين العاهتين!! من خلع عباءة العزة، والأنفة، لا سيما إذا اجتمعت بإعالته لأسرة، ليتعرى من إبائه، ويكشف عن حاجته، ويمد اليد طلبا المعونة اضطرارا... (...ووجدتني أشحذ من دون إرادتي)...
[بعد آخر]
ليست الإعاقة مقتصرة على جانبها المادي الملموس، تنحصر -في النص- في شخص البطل المقعد، بل هي إعاقة ذات أجنحة واسعة، تبسط أجنحتها لتغشى المجتمع بأكمله... فالمجتمع الذي لا يقدر ضعفاءه، ولا يستثمر في طاقاته الشابة الواعدة، مجتمع معوق... والمجتمع الذي يحرم الإنسان من حقوقه، وينزع عنه كرامته، ويضطره لحياة دنيئة، مجتمع معوق...
[بقية]
للنص وجوه، ووجوه، أو قل معان وأبعاد، من يغوص في أعماقه يظفر، ومن يطفو على سطحه يظفر، وإن كان الظفرين متفاتين لا محالة... وظفري أنا من النوع الثاني قليل، غير أنه ممتع، ولذيذ...
#محمد_بلكوز/المغرب

#القصة

هاجس الليل
أراها ترقص، تتمايل على أنغام موسيقى هادئة بجسدها الرشيق، شبه عارية. لا أستطيع إمعان النظر فيها.
تسقط الإضاءة مباشرة على بشرتها السمراء الناعمة، فينتبه جميع من في الصالة، وتتجه العيون صوبها،حتى الذين ثملوا كفوا عن هلوساتهم، الكل مبهور...
شيئا فشيئا يسرع الإيقاع، لتسرع معه حركاتها، تهز خصرها يمينا وشمالا، تتلوى كأفعى على إيقاع مزمار مروضها، فيعلو التصفيق والصراخ ويكثر طلب المُدامة...

"يا إلهي، ذلك السكير يعاكسها... ارفع يدك!  لا تقترب! إنها ابنتي"...
صاحب العمل يوبخها لعدم لباقتها مع الزبائن، يأمرها أن تحسن معاملة تاجر الخردة، فهو يدفع جيدا، ولولا مكانته لشُمّع المحل...
تدمع عيناها، تترجاه أن تلبس بدلة رقص محتشمة، فيشتد غيظه ويعلو صوته:
_ ارتدي حجابا أحسن!... هيا، لديك عشر دقائق لتجهزي!.
تبقى وحدها، تحاول كفكفة دمعها.
أَنْظُرُ إلى الأرض استحياء، لا بل خجلا، أحتقرني، تتضارب المشاعر بداخلي، يعصرني الألم، أحاول أن أمنعها " لا بنيتي، لا تخلعي ملابسك، لا ترقصي".. لا أستطيع فهذا الكرسي بأربعة أرجل يشل حركتي.

يعود بطوله الفارع وعضلاته المفتولة:
 _هيا! حان دورك...اضحكي!
 تحاول أن تبتسم جاهدة (بثغرهاالأحمر، الذي أراها ترسمه بدمي).
_ليس هكذا! اضحكي! فهم تركوا الابتسام الباهت والنكد في بيوتهم، إنهم يدفعون كي نبسطهم، أتفهمين؟!..يشدها من ذراعها "تحركي! ".

تأتيني في الصباح منهكة، محملة بالفواكه والخضراوات والدواء لأختها، تقبلني فلا أستطيع عناقها، هي أيضا لا تستطيع معانقتي ولا مداعبتي كالعادة، كلانا يحتضر في صمت.
_ سأذهب لأنام، كانت دورية الليلة الماضية مُتْعِبة في المستشفى.

طبعا لن أجرؤ وأخبرها أنها تكذب، وأنها لا تعمل في مشفى خاص. قالت إن أستاذ طب النساء والولادة (gynecologie ) علم بظروفها، وتوسط لها لتداوم دوريات ليلية، فكيف يوظفونها وهي لازالت طالبة "سنة خامسة طب"؟.
 وهي لن تجرؤ وتخبرني أنها باتت الليلة ترقص على " الوحدة ونص"... لن تخبرني أن ذلك الأجنبي كان لطيفا، ودفع لها بسخاء... لن تستطيع أن تبكي على صدري وتقول عن شذوذ مدير شركة "ص. ب" رغم أناقته وغناه، رغم أنه يتكلم أربع لغات زيادة على العربية، وثقافته الواسعة ...لا لن تخبرني كل هذا، لأنها تعلم أني عاجز، عاجز عن إنقادها، عن شراء الدواء وإجراء التحاليل الباهظة الثمن لأختها...
ولكن، لن أنظر إليها مكتوف اليدين، يجب أن أتحرك، أن أنقذ ابنتي، لن أبقى قاعدا على هذا الكرسي البئيس...

أنظر إلى رجلي فآمرهما بالوقوف، أقنعني أني سأقدر، سأتحدى الإعاقة، أحاول النهوض فأسقط؛ أصرخ عاليا، فلم يتبق لي إلا الصراخ.

تأتي إلي مسرعة "أبي، أبي"، أنفاسها تتلاحق، تحاول أن تحملني، فأدفعها.
_ اتركيني! سأقف لوحدي.
تنظر إلي واجمة وأنا أحاول النهوض من جديد... أسقط ثانية، أجهش بالبكاء، تقترب مني، فأضمها إلى صدري بقوة، أريد أن أخبئها بين أضلعي.
_أبي، ارخ يديك! إنك تؤلمني.
تحاول أن تهدئ من روعي وتساعدني للجلوس على الكرسي اللئيم.
_ إنك ترتجف أبي، وتتسرب عرقا، ما الأمر؟ كيف سقطت؟ ولماذا تصرخ؟
حاولت أن أهدأ:
_ لا ترتعبي بنيتي، لقد كان كابوسا.
تستغرب:
_كابوس في اليقظة!... إنك تحمل نفسك فوق طاقتها أبي، لا تقلق علينا أنا وأختي..سأبيع إسورة أمي، وغدا في المساء سأبدأ الدوام كما أخبرتك.
_ لا، بنيتي! أنا من سأشتغل.
_ ولكن، أبي، كيف؟ _وتنظر إلى رجلي المبتورتين،ثم تستدرك الأمر_ آسفة أبي، لن أقبل. يكفيك ما عانيته من تلك الحادثة ومن أصحاب العمل، أنسيت أن أمي رحمها الله أوصتني بك.
_ لا عليك بنيتي سأذهب غدا وأستعجل تعويضات التأمين الصحي.

خرجت من مصلحة الضمان الاجتماعي خالي الوفاض، بعدما أخبروني أن الملف مازال عالقا في الوزارة... أجوب الطرقات، أبحث عن حل للاحل، ترميني عجلات الكرسي من طريق إلى آخر ومن شارع إلى شارع من دون هداية.

بعد وقت ليس بالقصير وجدتني أمام المشفى الخاص "مصحة تارگة".
هناك توقفت العجلات، وتوقف الزمن، وانتبذت مكانا في الجانب، وبقيت متسمرا أتأمل البياض وأتنفس النقاء.

تمر سيدة بدينة من أمامي، ترمي في حجري  درهما وتكمل طريقها للداخل، ثم بعدها يخرج رجل بمظهر أنيق وبعينين دامعتين، يمد لي خمسين درهما، فتتغلب الحاجة على العفة، لتفاجأني أصابعي بأخذها في تقزز.
توالت الدراهم ووجدتني أشحذ من دون إرادتي، أحسست بالقرف وأنا أنظر لتلك القطع الفضية، ولكن ليس كالذي شعرت به وأنا أتخيل ابنتي وهي... لا أريد أن أتذكر.

بدأت الشمس تجمع خيوطها إيذانا بالرحيل.
وأنا أهم بالمغادرة، لاحت لي من بعيد بوزرتها البيضاء! خَلَعْتُ نظارتي الطبية، ومسحتها جيدا بكم قميصي ثم أعدتها. نعم، لقد كانت هي، تصعد الدرج، وتدخل المستشفى كملاك طاهر، تمشي على استحياء، بخطى معتدلة، واثقة؛ رافعة رأسي في شموخ وكبرياء.
************************************************

قراءة عميقة رائعة من أديب متألق لنص جميل وادبية قديرة، دام التميز والإبداع ان شاء الله تعالى 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم