قراءة نقدية للقصة القصيرة ".لمن_ تقرع_الأجراس" للأديب نبيل النجار - سورية .. بقلم الأديبة الناقدة/ منى أحمد البريكي - تونس

قراءة نقدية بقلم الأديبة الناقدة/ منى أحمد البريكي - تونس




".لمن_ تقرع_الأجراس" - قصة قصيرة بقلم الأديب/ نبيل
- سورية




نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل

**********************************************

تصدير:يمتلكون أموالا للحروب، لكنهم لا يستطيعون إطعام الفقراء."
توباك شاكور
حين أنهيت قراءة هذا النص وبعد عدة مرات ارتأيت أن تكون مقاربتي مبنية على ثلاثة محاور أساسية
1_البناء السردي للقصة:
بنى الكاتب نصه بطريقة انزاح فيها السرد عن كلاسيكية البناء القصصي لصالح الوصف التذكري للأحداث وفق منهج مدروس اعتمد السرد كرابط وكسرالزمن المتسلسل ليتشابك مع الوصف ويوظفه في إبراز صورة الأحداث كما يرويها السارد/الشخصية الرئيسية في مراوحة بين بانوراما الوصف بجمل اسمية استهل بها النص ( طريق العودة ملهى شهب/مقعد العربة…كنت غارقا في بزتي… )وصور قاطرة كاميرا متحركة تتبع الأحداث عند وقوعها بأفعال حركية استحضرها الجندي المصاب (جاء ،أعطاني، قال،سلمني ،مسح جبينه… ) لسبر أغوار الشخصية وهي منفعلة بسير الأحداث مستحضرة لها في زمن المونولوج الداخلي الذي أضاف الزمن النفسي والتخييلي ليؤسس مجالات رمزية خصبة تحيل القارئ على صور أخرى للحرب وتصورالمعاناة الجسدية والآثار النفسية المدمرة للفرد من خلال جنود استعملوا كحطب معركة عادوا منها وقد حققوا نصرا بطعم الهزيمة ليصبحوا مجرد أرقام على هامش وطن يأكل أبناءه ويكونوا بلية  كما قال المفكر إبراهيم الكوني :"البلية لم تكن يوما في أن تموت ولكن البلية في أن تنزف كالشاة قبل أن تلفظ الأنفاس لتموت."
وتتداخل الأزمنة وآليات التخييل الفنطاستيكي والذاتي ليدشن الكاتب فضاء سرديا ضمن الأدب التجريبي العربي الذي يخاطب فكر القارئ ويدعوه للتفاعل كمتلق وينير طريقه ليبحث في ما وراء الكلمات ويفكك شيفرة الأحداث والفضاء الزمني/المكاني المتشظي
2_فضاء السرد:
ركز الكاتب على الفضاء (عنبر المستشفى/مفترق الطريق المؤدي الى الضيعة/البيت المعتم )مع إسقاط  متعمد لزمن الحرب وفسح المجال للشخصية المتكلمة التي اختار تبئيرها في حوار داخلي قدم من خلاله للقارئ معاناتها وتقييمها للأحداث وفظاعة الحرب دون تدخل منه فكان الحوار في قالب كوميديا سوداء ساخرة من الحرب وما آل إليه هو وصديقه ورفاقه.
فهو سلطعون ومحدثه شبيه بفرس النبي بعد أن فقد ساقيه واستبدلت بعكاكيز .
ليصبح "المكان في الإبداع هو الكتابة ذاتها"كما ذهب إلى ذلك أحمد بوزفور أحد أعلام النص التجريبي
فقد عبر من خلاله النجار عن انغلاق الفضاء الزمني والمكاني واتحادهما ليجعلا الشخصيات تعيش الجحيم نفسيا وجسديا في صور قاتمة غاصت في الجرح بأسلوب "كافكاوي"مأساوي  وبأجساد مبتورة الأطراف وبقايا الشظايا تستوطنها "كشجرة الصبار"في صحراء عائمة الرمال وأشارت تلميحا إلى ظلم " قوانين وأنظمة "مستبدة باعت الوهم  لمواطنيها  كما شأن العرب إبان هزيمة 1967 حين سوق للخطاب النضالي ووجوب الثورة على الواقع دون أدوات كافية لتحقيق نصر لم يكن غير أوهام لم تخدم إلا العدو.
3_إشكالية العنوان:
عنون الكاتب قصته بسؤال :"لمن تقرع الأجراس!"
وهو عنوان رواية للأديب الأمريكي الشهير "إرنست همنغواي" صور فيها فظاعة الحرب الأهلية الاسبانية في أربعينيات القرن الماضي .

وأنا اقرؤه  بعد أن أنهيت القراءة الأولى للنص وجدت نفسي أعبر بتنغيم التعجب وليس في صيغة سؤال صريح كما في بادئ الأمر فقد وجدت ارتباطا وثيقا بين الجملة الأخيرة في القصة :"وأنا كسوبرمان أو كبطل حرب أحاول الوصول بشق الأنفس إلى بيتي المعتم."
وبين العنوان كسؤال استنكاري فإذا عاد البطل من الحرب يجر أذيال الخيبة ويحمل أوزار  شظية انغرست في نخاعه ينتظره مستقبل مظلم في مكان مغلق شديد الضيق بما ينتظره فيه من معاناة مع طفله الصغير وزوجة نسيهما حين كان مأخوذا بسحر الشعارات المخادعة وبين يديه تعويض مهين وإذا تعمقت في تلك الجملة التي كتبها الكاتب نبيل النجار بأسلوب كبار الأدباء ليمرر موقفا مناهضا للأنظمة المتحكمة وقوانينها-تلك الجملة التقريريةالتي فصل بين مبتدئها وخبرها عشرون  كلمة تخللتها جملة اعتراضية "-هز كتفيه بلا مبالاة اكتسبها غالبا لكثرة ما أعاد نفس الجملة لمصابين غيري-قوانين وأنظمة. كرر تبريره.حازت 13 مفردة من مجموع مفردات الجملة التي قصد الكاتب تطويلها بجملة اعترض فيها ضمنيا وشكليا على تملص تلك الأنظمة والقوانين الظالمة من مسؤولياتها ولا مبالاتها برجال قدموا أرواحهم فداء للوطن ويحيلنا  العدد 13على شؤمها وسوء طالعها فهي نذير خراب وعنوان حروب وصفها بغانية شبقة تستنزف الرجال وسواء قرعت أجراس الكنائس إيذانا بخوض غمارها أو الخروج منها فائزة أو مهزومة
فالنتيجة واحدة حين تصبح الوطنية والانتماء جريمة يقترفها الأغبياء وحجة يتحكم بها الساسة لتغتصب آدمية الأتباع وينتهون إلى مجرد حشرات بلا فائدة ،ضحايا لوبيات متنفذة يكون كلامها"بكثافة الشوك الذي تخبؤه عضلة اللسان"بحسب تعبير الكوني حين تكرر تبريرات واهية  تزيد الجرح غورا وتغلق الآذان عن أصوات أجراس النصر والفرح المؤود.
وأختم بالقول أن بين ما قرأته وما ذهبت إليه في تأويلي ثمة نص إبداعي ثري يحتاج عدة قراءات ومقاربات نقدية تلامس تيماته ومضامينه "فلا شيئ خارج النص "كما قال الفرنسي جاك دريدا.

********************
الى النص:

.لمن_ تقرع_الأجراس

طريق العودة ملهى شهب؛ مقعد العربة العسكرية أرجوحة تطارد النعاس.  كنت غارقاً ببزتي المدبوغة بنثار الطين والغبار والدم الأسود. أحاول بكل جهدي الخروج من متاهة أفكاري التي اجترتني واجتررتها طيلة فترة نقاهتي؛ أغمض عيني؛ أحاول الشرود في مكان آخر أو زمان ولكنها تعود بصورة أو بأخرى، إلى نفس النقطة، تعود لتثير نفس الأسئلة: ماذا سأقول لزوجتي؟ كيف أخبرها؟.                                         آه لو كنت معي يافرس النبي، بطريقتك كانت الأمور لتكون أسهل.
ثلاثون بالمئة؛ نسبة العجز ثلاثون بالمئة هل ستفهم لو بدأت بهذه الطريقة؟ أنا نفسي لم أفهم عندما جاء الطبيب وأعطاني مظروف صور الأشعة وتقرير العمليات التي أجريت لي، قال لي بعد أن سلمني قارورة صغيرة فيها قطع معدنية مختلفة الأحجام ـ سلمها لي بفخر كمن يمنحني أو يمنح نفسه وساماًـ : هذا كله استخرجناه من جسدك وابتسم إبتسامة لزجة ثم حك ثؤلولاً نابتاً على شحمة أذنه؛ ومسح جبينه المتعرق بكم ردائه الأبيض،عادت ملامح الإرهاق لتسيطر على وجهه: المشكلة يابطل تابع حديثه بجدية أكبر فيما تعلقت عيناي بثؤلوله الذي بدأ يحمر وينتفخ كبالون مع كل كلمة:
هناك شظية صغيرة..صغيرة بحجم الظفر لكنها عالقة في نخاعك الشوكي...كل الشظايا استخرجناها لكن هذه مكانها صعب..على كل حال لاتقم بحركات مفاجئة ولاتحمل أي غرض ثقيل.
تركني واستدار ليكمل جولته في العنبر، بيدي قارورة صغيرة وبذهني ثؤلول ضخم قد يسبب لي الشلل لو حاولت حمله.
لا..لا أظنها طريقة مناسبة للشرح؛ ولكن علي التفكير بسرعة في طريقة أخرى فقد اقتربنا من مفرق ضيعتنا)).
ـ الحرب أنثى بالتأكيد،أنثى جميلة متوحشة؛ لذلك يهواها الرجال..يتدافعون يتساقطون..ولكنهم أبداً لايتوانون عن البذل في سبيلها، ملمس البندقية ألذ عند الرجال من نساء الدنيا، لذة القتل.. بريق الوحشية الصافي.. أن تتحول لوحش بلا روادع. أن تعود إلى طبيعتك الأساس.. السيادة والسيطرة والحرية المطلقة،العداء المستحكم في خلاياك للآخرين،أن تكون على حد الشفرة فإما انت أو هم، تلك هي الحرب تخوضها بعشق حتى لو عانقتك رصاصة، أو سكنت شظية نخاعك الشوكي.

ـ لعن الله الحروب ولعن من يشعلها ومن يخوضها.. أنظر إلى نفسك أنت تمشي كأن نقطة ماء مثلجة نزلت على رقبتك؛ منظرك مضحك؛ رجلاك متباعدتان وبلا رقبة كأنك سلطعون ومازلت تتغنى بالحرب..غريب أمرك أيها السلطعون.
ـ أنت أيضاً تشبه فرس النبي في مشيتك بهذه العكاكيز ورجلا بنطالك المعقودتين.
ـ نعم اضحك..اضحك هذه هي الحرب التي تتغنى بها قد حولتنا إلى حشرات، أنت تبدو كحشرة ثبتوا بظهرها دبوساً بغية تصبيرها وأنا تحولت إلى جرس.
نظرت إليه مستفهماً فضحك من قلبه،ضحك حتى لفت إلينا أنظار جميع المرضى في العنبر.
ـ هذه نكتة قديمة. فالرجل إذا قطعت قدماه يصبح جرساً أما المرأة فتصبح...ماذا؟ وجه سؤاله لي ومازالت الإبتسامة تسيطر على فمه.
ـ ماذا؟ سألته كالأبله.
ـ تصبح حصالة. اقطع قدماها واقلبها ستصبح حصالة نقود.. هل فهمت؟ عاد لينفجر بالضحك؛ فيما بقيت أفكر للحظات ثم انفجرت أنا أيضاً، لكن صوت ضحكاتي خرج مبحوحاً مشقوقاً كأنه مصاب هو أيضاً بشظية.
عدنا للسير ببطء في الممر الفاصل بين الأسرة الممتلئة بالمصابين، أشار لهم بإشارة شاملة: أنظر إليهم، كلهم تحولوا إلى حشرات بنتيجة معشوقتك؛ هذا أصبح كالدودة الشريطية بعد أن بتروا يديه، وهذا الملفوف بالشاش تحول لخادرة تنتظر الخروج من شرنقتها.
ـ مع ذلك يافرس النبي البشر من صلصال والحرب هي النار التي تخبز الصلصال بشبق لتخرج الإنسان السوبرمان.
ـ بشبق قلت لي؟ اذهب بشبقك هذا لزوجتك وأخبرها كيف خبزت الحرب صلصالك، كيف أعادتك إليها وخنجر موقوت مغروس في ظهرك.
(( ياللهول..كيف نسيت زوجتي وابني، هذه أول مرة أذكرهما؛ سرقتني الحرب والإصابة، ماذا سأقول لطفلي إذا ما مد يداه لي لأحمله؟ وهو الذي تعود النوم على كتفي أثناء الإجازات؛ وكيف سيفهم أنه لم يعد بإمكاني أن أطوحه إلى السماء وألتقطه؛ أو أنه لن يتمكن من امتطائي ثانية؛ أرى  نظرة الخيبة والخذلان في عينيه منذ الآن، وبماذا أعتذر لزوجتي إذا مااضجعنا على سريرنا ليلاً؟ كيف سأبرر لها شجرة الصبار التي نبتت في ظهري؟)).
تابع فرس النبي سخريته: بهذه النسبة التي قرروها لك تعويضك سيكون ضئيلاً ولن يعطوك حتى رخصة كشك في بلدتك.. وعندها أيها السوبرمان سنرى كيف تدبر معيشتك؟
كان لابد لي أن أستمر بالمكابرة حتى ولو عن غير اقتناع: حتى لو عدت كسيحاً فسيظلون يفتخرون بي لأنني أصبحت بطل حرب وستنظر القرية لي دائماً على أنني رفعت رأسها وأعليت من شأنها.
هز فرس النبي رأسه بأسف وكذلك فعل بعض المرضى.
المحاسب السمين كفرس نهر أحمر ناولني اوراقاً
لأوقعها ومبلغاً مالياً صغيراً جداً؛ المبلغ الذي استلمته لايعادل عشر ماهو مذكور في الأوراق.
نظرت إليه مستفهماً؟.
ـ يارفيق خصمنا ثمن البندقية والذخيرة التي فقدتها أثناء المعركة.
ـ حضرة المساعد أنا كنت مصاباً! كيف تريدني أن أحتفظ ببندقيتي وأنا...؟!.
ـ يارفيق القوانين هي القوانين حتى الشهداء نخصم من تعويضهم ثمن سلاحهم ـ هز كتفيه بلا مبالاة اكتسبها غالباً لكثرة ما أعاد نفس الجملة لمصابين غيري ـ قوانين وأنظمة ـ كرر تبريره.
طريق العودة ملهى شهب أو قذائف لايهم، فالحرب مازالت تنفخ في كيرها وتصهر صلصال الرجال، وأنا كسوبرمان أو كبطل حرب أحاول الوصول بشق الأنفس إلى بيتي المعتم..
************************************************
قراءة جميلة من اديبة متألقة، في نص رائع لأديب مبدع ، دام التألق والابداع إن شاء الله تعالى.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم