قراءة نقدية للمجموعة القصصية " قطوف من زمن العطالة " للأديب/ جواد الهروس - المغرب بقلم الناقد الأديب والباحث القانوني/عمر الموريف - المغرب

بقلم الأديب الناقد والباحث
القانوني/ عمر الموريف
- المغرب



المجموعة القصصية " قطوف من زمن العطالة " 
بقلم الأديب/ جواد الهروس 
- المغرب



نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذه المجموعة الرائعة: 

************************************************

الواقعية... في قطوف جواد
الهروس !
قراءة في المجموعة القصصية: قطوف من زمن العطالة

 في مقولة منسوبة لكازانتزاكيس جاء فيها: "في حال أننا عجزنا عن تغيير واقعنا، دعنا نغير عيوننا التي ننظر بها إلى ذلك الواقع"!.
غالبا ما يسبقنا الحكم على الإبداع السردي بأنه ينهل من الخيال أكثر مما يستند على الواقع، وحتى تناول الواقع باللمسة الإبداعية يجعل من هذه الوسيلة مساهمة في طمس المعالم، وممارسة فن التمويه والتستر أمام الشخوص والأحداث والزمكان.
قد يكون هذا التصور صحيحا إلى أبعد حدود، لكن هل يمكن استنباط الواقع من السرد الإبداعي بالرغم من كل هذه المحاولات غير اليسيرة في تغيير الكثير من الحقائق؟
نأخذ في هذا الصدد المجموعة القصصية للأستاذ جواد الهروس الموسومة ب" قطوف من زمن العطالة"، والتي نستشف من عنوانها هذا كلمة لها وقع نفسي واجتماعي على الفرد، وليس أي فرد، وإنما فئة محددة من الأفراد داخل المنظمة الاجتماعية، وهي الفئة المتعلمة الحاملة للشواهد العليا، الذين يجدون أنفسهم بعد فناء العمر والجهد في التحصيل العلمي بين براثين العطالة التي تقتل فيهم الأمل والرغبة في الاستمرار، وتجعلهم يحسون وكأنهم وزن زائد على الكرة الأرضية قد كُبلت طاقتهم وحيويتهم وجعلتهم –عنوة- في طابور العالة والمستهلكين، إن الفرد الذي يمر من هذه التجربة ينتابه ولا شك ذلك الرفض التام لأي نظرة مشفقة لحالته، كما يرفض الإقصاء والتهميش وطمر الكفاءة في وحل النسيان والجحود، فالعطالة كتيمة وأزمة مسألة واقعية حاضرة تسدل ظلالها على الفرد والمجتمع معا، والدكتور جواد الهروس حينما اختار إدراج هذه الكلمة في عنوان مجموعته القصصية، والذي يعد عنوان القصة التي دشن بها هذا المشروع الأدبي الماتع، فإنه  يريد-كما استنتجنا ذلك- أن يفصح عن هذه الواقعية التي تعرفها باقي النصوص المتناثرة بين دفتي المؤلف، متحركة ومُحرٍّكة، متأثرة ومؤثرة..هي نصوص، أو قطوف على حد تعبير الكاتب نفسه، حاضرةٌ وكأنها تعكس تجربة حياتية شخصية، أو لنقل بقليل من الجرأة بأنها سيرة ذاتية نهلت من التجربة الشخصية ومن أحداث الغير التي تعكس بشكل أو بآخر الأنا ومعاناتها، لتصقل لنا صورة واقعية لمسيرة شخص داخل رقعة جغرافية وزمن محددين.
فقد جاء موضوع العطالة مؤثثا لمشهد درامي واقعي عرفه المجتمع ولا يزال، يتناوله كاتبنا بكل الأوصاف والنعوت التي تعكس حدته، وأثر، ووقعه على نفس تملكها أمل الحلم قبل أن تصدمها مرارة الواقع المعاش، يجعله المؤلف مرتبطة بمفاهيم اليأس، والحسرة، وطغيان المحسوبية والرشوة، وإقصاء الكفاءات..هذا السيل من الوصف القاسي يكسره الكاتب – على غرار الكثيرين ممن يقاسمونه هذا التوجه- بالسخرية اللاذعة الحاملة لرسائل مبطنة ومشفرة، منها دعوته باستهزاء واضح إلى وجوب "معاقبة القانون الجنائي للحاصل على الشهادة الجامعية بعقوبة سالبة للحرية وبغرامة مالية "! (ص 16).
ينتقل د. الهروس إلى سطور قصص أخرى، لكننا نجده مصرٌّ على حضور تيمة العطالة وآثارها والتبعات التي تليها وهي تسير جنباً إلى جنب مع الموصوف بها، في قصة التيه التي تذكرنا برائعة عبد الرحمان منيف (مدن الملح)، يحلل الكاتب هذه التوابع مت٨جلية في الفراغ والكفر بالواقع وعدم قبوله، تأتي الصرخة معلنة عن مكنون هذا النوع من الإحساس الذي ينتاب الشخص في هكذا مواقف: " عالم مجنون!..غابة مليئة بالذئاب" (ص23)، هو نفور ورفض لهذا المحيط، يتطور إلى ممارسة لا واعية للسياسة: " هذه البلاد بقرة حلوب...(اللي جا كيحلبها)" !..وكأنها استمرارية لتمرد طلابي انتقل من بين جدران الحرم الجامعي إلى الحياة الواقعية، بكيانها، بحقيقتها، بقسوتها ومفارقاتها، لتجعل القارئ يعود بعد هذا المسار المربك إلى دوامة التيه بين ردهات أماكن القصة وأحداثها المتشابكة.
حتى عندما أردنا أن نتنفس صعداء التحرر من هذه الوضعية القاتمة، حينما أدركنا أن البطل المتستر في كل الشخوص والأحداث قد تجاوز هذه المرحلة وحقق المراد على حين غفلة منا، حينما أعلن: " لقد صرت رجلا...والأهم أنك موظف" (ص 28)، فحتى في هذه اللحظة يجرنا معه إلى العيش مع الرموز المتطبعة مع حياة العطالة، إدمان السجائر، ضيق الطباع، الغضب والتوتر...القبوع في ركن قصي لمتابعة أحداث دقيقة في المجتمع لا ينتبه لها المتفرغ الفارغ من أمل الاستمرار، يسرد لنا قصة "عيشة بلوطة" ونهايتها المأساوية، يحاول نزع قبعة غير المبالي، إلى رجل همته ظروف مجتمعه ناسيا معها ولو مؤقتا لمآساته الشخصية، صور لنا إذا من خلال هذه التيمة ظلم المجتمع لأبنائه والتخلي عنهم ببرودة لا تطاق، يطلق حبل التماسك فيتركهم بالتالي في أوج حاجتهم إليه، تحضرني مع هذه القصة أحداث مماثلة لمنطقتي التي تبعد عن منطقة الكاتب مئات الكيلومترات، تذكرت معه قصة العجوز "إيجة تمعذورت" والتي تركها المجتمع أيضا تصارع قدرها الذي سلبها قواعها العقلية، وتركها المجتمع عرضة للعب الصغار، ولشساعة السماء وبرودة الأرض، فكانت النهاية أيضا لا تختلف عن نهاية "عيشة"، وكأننا بهذه المقارنة نتحدث عن مجتمع واحد تتشابه ظروفه وطبيعة الإنسان فيه!.
من هذه الأحداث المتتابعة التي توحي لنا بشيء مضمر من السيرة الذاتية للكاتب، تنقلنا السطور –تكسيرا للرتابة ربما- إلى سيرة غيرية، قصة "العربي الملعون" (ص41-44)، يدخلنا الأستاذ الهروس من حيث لا ندري إلى دلالات الغواية التي تأتي من الكلمات الرنانة المصبوغة بالعظة والنصح، "كن رجلا!" غواية العربي للمعني بالقصة، والنتيجة كانت شتات الأسرة وضياع الحياة...ثم فقدان الرجولة، يجعلنا الدكتور جواد (وهو المتخصص في ميدان الفقه والشريعة) نتذكر قصة إبليس مع آدام وزوجه، فإبليس مارس غوايته عليهما حينما أقسم لهما أنه لهما من الناصحين، فطغت بذلك عظمة المقسوم به على دناءة القاسم، في تعبير قرآني بديع، هذا التعبير الذي حطم هلوسات الإثم والخطيئة المنسوبين للمرأة، لكن تظل العقلية الذكورية متمسكة بها في هذا الواقع الملموس، وكأن بعض البشر لم يستوعبوا هذا الإرشاد الإلهي ، لتستمر الأوصاف تمس مشاعر الأنثى وتأذيها ( المرأة ضلع أعوج/ ضرورة القيام بتأديبها..).
في المنتصف، ونحن منهوكين من صخب هذه الأحداث المتتالية، تأتي الفاجعة بقصة واقعية يجعلها ذ. الهروس وسط الطريق كمن يرغب في جعلنا نتلقى صدمة تنفض عنا غبار الوهن، فتجعلنا هذه القصة نتحسر ونمارس فطرتنا في الضعف والبكاء، قصة مؤلمة، تعمق الجراح وتزيدها نزيفاً، عن زلة رجل أثناء تأديب صغيره، تحت وطأة غضب عابر وعقاب شديد لطفل مارس طفولته كأي صغير غير مميز، حتى ولو عبث بأشياء نحسبها نحن الكبار غايتنا ونتيجة كدنا وتعبنا، تعنيف الأب لطفله بقسوة نتج عنه عاهة مستديمة، خلص إليها الطب من خلال ضرورة بتر يدي الطفل حتى يبقى على قيد الحياة، الطفل ببراءته يتقبل الوضع كأنه يُكفّر عن ذنب أتاه بكامل قواه العقلية: " أبي!..كما ترى لم تعد لي يدي لأرتكب الحماقات، خذني إلى البيت ولا تتركني هنا، أرجوك يا أبي!" (ص 58)..وأكتفي بهذا التعبير الطفولي الغريب، الذي لم يترك للأب مساحة للتفكير، إذ انتحر بعدها مباشرة! !.
حتى وفي القصة التي أفصح فيها كاتبنا على ميوله الخيالي، فقد أبى إلا أن يختمها بالواقعية، حيث ربط القصة بحلم انتاب بطلها وهو يغط في نوم عميق، فبعد الحلم طبعا يأتي الواقع..هو الواقع ذاته الذي ختم على إيقاعه الدكتور جواد الهروس، فقد صور لنا مشاهد عن حياة الإنسان البسيط وشهامته، شقاوة حياة الطفولة بكل تلاوينها، حياة النسوة وهمومهن الخاصة، الصراعات الأسرية التي نقلها إلينا من خلال أطوار جلسة تفصل في الطلاق للشقاق كأننا نجلس على الكراسي في القاعة..ثم تصوير وضع قطاع لا يخفى حاله على أحد، فقد آثر أن يختم بالوضع الصحي، ولعله مشهد واقعي عام لنمط العيش والحياة المريرة، هذه المرارة التي رغب مرة أخرى في مزجها بالسخرية الهادفة، حين وصف المكان المعني بكونه: " جناح لولادة النساء والقطط" (ص 106).
لكن الجميل في مؤلف ذ. الهروس،هو حضور الاحتفال بالأمل، واليقين برحمة لله الواسعة، ولعله أدرك كنهها حينما يقارن ما كتبه في هذه الأضمومة (والكثير منها خلال التسعينات)، وما يعيشه اليوم من تجربة حياتية فريدة.

************************************************

قراءة رائعة من أديب مبدع، في نصوص مجموعة قصصية رائعة، دام التألق والابداع إن شاء الله تعالى. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم