قراءة سيمائية في قصة قهر للكاتب مجدي شعيشع - بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق



قراءة سيمائية في قصة قهر   للكاتب مجدي شعيشع - بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق


قراءة سيمائية في قصة قهر   للكاتب مجدي شعيشع - بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق 



قراءة سيمائية في قصة قهر   للكاتب مجدي شعيشع - بقلم الأديب الناقد / حيدر الأديب - العراق


مقدمة:

نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء.
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص ..
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل:


************************************************

النص من بنية التركيب الى سيمائية الدال
قراءة سيمائية في قصة قهر
 للكاتب مجدي شعيشع الفائزة بالمركز الأول في مسابقة موسيقى الحروف

النص:

قهر
دعا صديقه، لعقد قرانه على ابنة عمه:
- كيف! أَمَا وَلَغَ الْكَلْبُ...؟
- غُسِلَت بالماءِ سبعاً؛ عدا التي في التُراب!


أدعي أن هذه دراسة تحاول ان تقول ملتها النقدية بعيدا عن الأستعراض المعرفي الذاتي لتأسيس الذات النقدية على أنقاض النص أو مدائحه فنغدو في نقد إخواني أو انطباعي يتجاذب خواطر وانتقاءات وتوقعات وتوافقيات ينتخبها الناقد تخضّر فيها مرجعياته ويترك ما تبقى من النص المسكين نهب النسيان وبهذا نكون أمام سرقة شرعية جميلة لمنجز النص لصالح منجز النقد

النص طريق لا يتسع الا لذاته والذات الناقدة ذات خطيرة حتى على ذاتها تنوء بحمل المرجعيات وتتأس في موقد التفرد كهوية ناطقة في مسارات الحرية وصيغها المتوفرة كشرط أبداعي لا تتصالح فيه هذه الذات مع نفسها فهي مرتحلة دائما بسير تكاملي مشكك ومسائل ومحاور متسلح بكل انماطه المعرفية لأستنطاق الظاهرة النصية كونها ظاهرة تستدعي العالم في معاجم الكلمات وتواريخ الأفكار ومصالحات الشعور وتصدعاته وصراعات المعنى في سرديات الأنسان والوجود

هذا النص نص استعاري بأمتياز يطرح سؤالا معاكسا وكبيرا على النقد وعلى الفلسفة معا في جدوى المدى الوظيفي للأستعارة هل هي تعويض لفظ بلفظ أستبدال لفظ محل لفظ تقود أتهامها المزمن بأنها أداة تزيين وتحسين أسلوبي وحضورها حضور الحال العارض المؤقت الذي يؤدي غرضا مقصديا عجز عنه اللفظ الأصلي فقامت الاستعارة كجهد جمالي ينقل الذهن والشعور الى المساحة المستهدفة

تجدر الأشارة أننا نتكلم عن الأستعارة بوصفها حسما دلاليا أنتجه متطلب الواقعة كوصف من سنخ مرتبتها الوجودية
لا بوصفها أستعمالا يؤاخي الشعر بالقصة فقوله تعالى
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
الكلب هنا مرتبة وجودية من سنخ الخلود الى الأرض واتباع الهوى فهذه استعارة حاسمة لا حرية للخيار بغير الكلب
بل ضرورة انتجتها الواقعة وتبعا لها اللغة فالواقعة كشفت الباطن النفسي من تحوله من الأدمية الى الكلبية اللاهثة واللغة عممت الظاهرة كسنة جارية عبر نظام سيمائي (الخلود الى الأرض / اتباع الهوى / الكلب يلهث في حالة الحمل عليه او عدم الحمل /) والسنة الجارية اقصص القصص

في الحقيقة أن التوغل في الأجابة سيقودنا للحديث عن ماهيات النصوص (القرأني - / الفلسفي / الصوفي / الأدبي / القانوني) ومن هذه الماهيات تنكشف هوية الأستعارة في تحقيق القيمة الدلالية كعارض لها او مؤسس حقيقي لا يستقيم المعنى الا بها كمطابقة واقعية كاشفة  ولكل وجهة هو موليها في أثبات ذلك يهمنا منها الان محل الشاهد في قصة قهر بأن الأستعارة فيها وكما سيتوضح في تضاعيف الدراسة لم تكن لتشخص واقعا بل تشخص ظاهرة تؤديها وظائف السرد بتحفيز دلالي أنتجته أشتغالات التكثيف والتناص والوعي باتجاه المفارق وسيتبين الفرق بين الواقعة كمعنى والمعنى كسيرورة تواصل تدليلها تحت مهيمنات النسق وهذا ما تكفله عنوان الدراسة




كلامنا الان يقع في جهتين هما النص من الداخل ونعني به البنية والتركيب والتقانات والعناصر والنص من الخارج ونعني به مسالك المعنى التي أنتجها الرمز وكفاءة التأويل السيميائي

أولا / النص من الداخل


1- عنوان القصة


العنوان ومضة دلالية باعتبار انها عتبة سياق مستهدف لهذا فهي تحمل معجمها الذاتي والمعجم المضمر والمعجم
المتمظهر بحمولات المتن السردي هذه المعاجم الثلاثة ستقوم بتشكيل مشارك لثقافة ووعي المتلقي في انتاج التدليل
فالمتلقي مدعو بفعل الانزياح الذاتي لأن الذات في أحد مستوياتها انزياح عن كل نقص وبفعل الانزياح الدلالي واللغوي
مدعو للنظر في المسافات المجازية للعنوان فالعنوان هنا (قهر) مجال ترميزي يستدعي القيمة الماكثة في الظواهر
الاجتماعية محذوفا منها ما تظافر السياق على أغفاله وإظهار جمرة اللوعة في مسافة الدلالة

فالقهر هو الغلبة والتذليل في أصل اللغة وقد أستخدم في كل واحد منهما (وهو القاهر فوق عباده) و(أنا فوقهم قاهرون)
وفي التذليل (فاما اليتيم فلا تقهر) وهذا الكلام للراغب الأصفهاني لكن القصة هنا  لا تريد هذا الجذر اللغوي فحسب وهذه الدلالة المطابقية بل هناك دلالة إلتزامية وهي الأنطباع النفسي للحزن والغضب وبهذا تكون الدلالة المطابقية علة لمراد الدلالتين الأخريين الحزن والغضب فيكون العنوان قاصدا الثلاثة كنتيجة حتمية لظاهرة يتحدث عنها المتن السردي

القهر هنا منفى للذات أستلاب واغتراب تفكيك سردي لمدونة الحرية ناقوس يضرب في ذاكرة السرديات الآثمة وحصص الانكسارات القهر حضارة المفلسين اسقاط فحولة الظلام على براءة النور


2- التكثيف

التكثيف هنا مساو الى (قصيرة جدا) ولكن ما هو التكثيف؟
أنه ببساطة استدعاء المغزى بمعنى أن لغة القصة القصيرة جدا وهذا مهم هي لغة أنتاج دلالي وهذا المغزى هو طيف لكل متباين ومتناقض ومتشابه ومتجاور ومؤجل ماكث في الذاكرة او مرصود في الواقعة او متخيل
يتحقق التكثيف سياقات كثيرة منا الصورة والتبئير والاختزال والحذف والفراغات والمجازات والغياب والاحتمالات والتكثيف وعي معرفي جمالي يدخل التخيل في ديناميكية انتاجه بينما الاقتصاد جهد
شكلي يخلو من الفاعلية
في قصة (قهر) نلاحظ التركيب التالي

كيف! أَمَا وَلَغَ الْكَلْبُ...؟ أن حذف متعلق كيف وأن كان متبوعا بعلامة تعجب الا انه يخرجه الى أغراض يهيمن
عليها السياق بفضل التكثيف الذي مارس الحذف فمن الممكن أن نتوقع قول صديقه على النحو التالي
أ‌- نفي الفعل عن صديقه (أنت لا تخطب من ولغ الكلب فيها لا هذا مستبعد منك)
ب‌- نهي صديقه عن الفعل (كيف تخطب من كانت محلا للفاحشة انت منهي بحكم العقل)
ت‌- تنبيه صديقه الى كارثية الفعل (يا هذا قد ولغ الكلب فيها فليحذر عمرك أن يدنس)
ث‌- التهكم بصديقه (كيف لك أن تستنبت حياة من أناء ولغ الكلب فيه)
ج‌- استبعاد هكذا فعل من صديقه (لا أتوقع هذا سيحصل كيف لمن ولغ الكلب فيها ان تستقيم معك)
ح‌- التعجب من فعل صديقه (كيف لك أن تقدم على امر مفروغ منه بشاعة وقضاعة

ولو تم ذكر متعلق كيف لدخل السرد من التكثيف الى الترهل وفك الترميز الى مشخصات الواقعة هذا يعني ان
التكثيف جهد نسقي داخل الظاهرة لا داخل الواقعة والفرق أن الواقعة تقود الى ادراكها بعينها بينما الظاهرة هي
توليد دلالي يخص تلك الواقعة وبحسب بنفنيست يضيف بنكراد معقبا على قوله (فاذا كان المعنى يأتي الى الشي
من خارجه فان امر الكشف عنه لا يمكن ان يتم الا عبر اللسان فالسان هو النسق المؤول والأكثر قدرة على الكشف

3- الشخصيات والحدث

الشخصيات هنا هي علامات من عوالم مختلفة (القهر- صديقان أحدهما نسق مضمر والأخر نسق ظاهر القى جملته الزمنية المطلقة / الكلب / الغسل / التراب / الأغتصاب / الستر / القتل)
كل هذه الشخصيات تكتسب هويتها من السياق فهي شخصيات الظاهرة لا شخصيات الواقعة
والحدث هنا دعوة صديق وتعقيب من الصديق على الدعوة والدعوة والتعقيب عليها هي إحالة على محتملات سكت عنها النص فهو نص يتقصد الاثارة لا التشخيص والنقل بمعنى ان الحدث فعل داخل اللغة محذوف الأزمنة الا من زمن السرد


شخصيات القصة تقيم علاقة تناص أجرائي مع أشكال عديدة قدمها الأستعمال القرأني السيميائي من قبيل
أ‌- (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)
ب‌- مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
ت‌- فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ).
ث‌- (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
ج‌- (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

واضح أن هذه الأنماط السيمائية لاغية للزمن والتشخيص وتكمن أهمية سوق هذه الأمثلة ان المفردة في السياق
القرأني تتحرك من خلال التجدد في الأداء الوظيفي داخل التركيب بالمقابل هو ذاته الأجراء في بناء القصة
القصيرة في التحفيز الدلالي غاية الفرق ان المفردة هنا غايتها تحقيق المقصدية في البعد القيمي بينما في القصة
أثارة البعد القيمي جماليا والاحالة اليه كظواهر تستجيب للغرائز الأدبية



4- التناص


إذا كان التناص (كل نصية هي تداخل نصوص) فهنا أنحراف في هذا التناص اذ أخذ منه القول لكنه أعاد توزيع القيم فواقعة هند بنت النعمان وقولها لعبد الملك بن مروان ((بعد السلام والثناء اعلم يا امير المؤمنين ان الاناء ولغ فيه الكلب.. فلما قرأ عبد الملك الكتاب ضحك وكتب لها يقول إذا ولغ الكلب في اناء احدكم فاليغسله سبعا)

فاعلية التناص هنا انه أعاد توزيع القيم وحذف منها وأضاف عليها فالواقعة الاصلية أنتقال هند من الحجاج الى عبد الملك بعد طلاقها وتخللها هذا القول (ان الاناء ولغ فيه الكلب)
القصة ترصد الاغتصاب كمواز للزواج هناك وترصد سد ثغرة هذا الاغتصاب بحسرة ومضض واغتراب بينما ولم تتكلم القصة عن توافق ام نهاية بشعة وان كانت تشيي بنهاية مروعة وفق توزيع الدلالة بينما هناك هند معززة مكرمة
 اذن هذه النسخة لم تتأسس عل اكراهات الأصل بل مارست انزياحا مخالفا وتوزيعا مختلفا وهذا يعني ان الذئب ليس هو الخراف المهضومة كتعبير عن ان النص تناصات مستمرة لأن ( المعنى ليس محايثا للشيء وليس منبثقا من مادته انه وليد ما تضيفه الممارسة الإنسانية الى ما يشكل لمظهر الطبيعي للواقعة )



5- الترميز


الترميز في القصة القصيرة جدا ينطوي على أهمية خطيرة ليس فقط في التحفيز الدلالي أو التعاقد على تعدد قرائي بل تكمن أهميته في أنه مسافة أحالة تحتوي على (الضمني والمحتمل والكامن ولهذا لا يمكن أن تكون تعيينا لمعنى مثبت في الواقعة بشكل نهائي بل الرمز هنا هو منظم يفسح فعالية التقارب بين (النص + القارئ) في تحديد سلطة الدلالات

 الكلب هنا رمز محايد لو اخذ لوحده لكنه مرصود بما يصدر عنه من علامات تحقق فاعلية رمزيته ونذكر احوالا من ذلك

1- المعية التي ذكرت له مع أصحاب الكهف (ثلاثة رابعهم كلبهم / خمسة سادسهم كلبهم / سبعة وثامنهم كلبهم)
لكل عدد معية تكاملية شملت هذا الكلب مما يعني ان السير التكاملي لا يخص الأنسان والغرض هنا الــ هم في
(كلبهم) هو عائدية تكاملية بحسبه فهو مشمول لقانون (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) فهو أشرف مرتبة من الجبال
2- وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد وهنا ملازمة تامة حتى في نيله الاعجاز في الفرار والرعب وطول المكوث معهم
والغرض انه هنا رمز لمرتبة وجودية تعلقت بذات الله فنالت شرف التحقق في مظاهر الكمال
3- اللهاث وهو اندلاع اللسان من العطش (كمثل الكلب ان حملت عليه يلهث او تتركه يلهث) هنا اللهاث هو عين الانسلاخ من ايات الله ولكنه لا أي لهاث انه لهاث وصفات الكلب فمرة قال كمثل الكلب منفصلا ثم ان حملت عليه ثم او تركته
4- ولوغ الكلب وهو تحريك لسانه في الاناء وشرِب ما فيه بطَرَفِ لسانِه أو أدخل فيه لسانَه وحرَّكه وهنا في القصة هو الأغتصاب
على هذا يمكن استدعاء الرمز في بنيته السيمائية (معجم علامته) وتفعيل هذه العلامات بما تحيل اليه وفق هذا المعجم ووفق السياق المشتغل عليه
وقصة (قهر) في استدعائها رمزية الكلب كي تحقق تسجيل اعلى رقم في منسوب البشاعة الاجتماعية من نجس القيم وتحريك لسان الأفساد والتدمير بحركة استفزازية للقيم الماكثة في الفطرة وفي سلوكيات الانسان
وبناءا عليه (فان العلامة ليست من حيث الوجود والاشتغال كيانا يقف عند حدود تعيين أشياء او حالات في العالم الخارجي بل هي في المقام الأول نمط في تنظيم التجربة الإنسانية فما يندرج ضمن العلامة باعتبارها صيغ تنظيمية مرئية لمعطيات تجربة إنسانية لا تدرك الا من خلال احتلالها لموقع ما داخل الانسان)

ثانيا / النص من الخارج (المعنى بوصفه طابعا مركبا)


تقوم القصة على استدعاء ثلاث قيم هي الأغتصاب ومحاولة ستره ونظرة المجتمع لهذا الأغتصاب ومحاولة الستر في ممانعة شديدة تزدري محو الأثم
هذا الاستدعاء هو الواقعة بحدها وحدودها وشكلها ولا يمكن التدليل عليها الا من خلال تشكلها داخل الزمان والمكان فكل من الاغتصاب ومعالجة الاغتصاب والممانعة هي نشاط لا يدرك ولا يتحدد الا من خلال مثوله عبر شكل ما وما الحياة الا خالقة اشكال وهذه الواقعة قابلة للعزل والفصل وقابلة ان تنخرط في انساق ثقافية وقيمية وبنسب متفاوتة ومن ثم قابلة للقراءة
هذا الجزء الأول من مركب المعنى وهو تشكيل الواقعة والجزء الثاني فيعود الى طبيعة المعنى وجوهره
ان المعنى هو مبدأ تنظيمي للتجربة الإنسانية في ابعادها كافة بينما الواقعة ليست كذلك الا في حدود احالاتها على معنى او منظومة معاني يجعل من هذه الواقعة كيانا قابلا للادراك والمعاينة ضمن ساياقات متعددة ومتنوعة وهذا السياق قد يكون عاما او خاصا مفتوحا او مغلقا كليا أو جزئيا
وبهذا يكون المعنى في مظهرين الأول هو المباشرة لنسخة الواقعة الممكنة والثاني مظهر مستترمن خلال النسخة المتحققة والتحقق هنا تراجع كل الأمكانات الدلالية لصالح تمظهر الواقعة في أهداف المغزى


بناءا على هذا لنتحرى المعنى وفق مستويات تعدد الوجوه على ضوء هذا المركب

- المستوى الأول
يشير النص الى ان الاغتصاب ظاهرة انهيار الذات وأول مساحات الاغتصاب هي ظلم الذات ومن ثم تطال الاخر لتشكل ظاهرة تعمل بخفاء يتنوع فيها الأغتصاب لكل مقومات الذات باعتباره سمة مرضية غير سوية وتتنوع بتنوع حقوق الذات مما ينتج استلابا واغترابا لهذه الذات حد العزلة والغسل هنا العودة الى نصاعة الذات
- المستوى الثاني
اغتصاب الاخر وقهره اما بنعومة او بشراسة واستغلال وده وطيبته او قمعه بالقطيعة او تهوين وجوده وسرقة جهده والغسل هنا تصحيح السلوكيات
- المستوى الثالث
الاغتصاب الجنسي وقد يحدث الاغتصاب بصورة مرضية ان توسعنا في المفهوم اعتمادا على المستوى الأول فان التمكين من النفس ظلم لها وخطيئة والغسل هنا اما بالستر والزواج من المغتصبة على كلا الوجهين لأنتشالها من واقعها المؤلم والخطوبة هنا هي مسافة التوبة التي يقودها الوعي رغم ما يحمله من ضريبة نفسية واجتماعية مؤلمة والغسل هي أنماط السلوكيات البديلة لتصحيح هذه الذات
- المستوى الرابع
- ان المعني بالأغتصاب هنا هو اغتصاب الأيدولوجيات المخبئة في الخطابات والحاكمة على انساق الثقافات والتي توجه الأنسان بما يخدم أهدافها فالأديولوجيات تتوسل بجسد الدين والمجتمع لتحقيق لذة انا ربكم الأعلى وهذه الأنهار تجري من تحتي والكلب هنا منظومة الأدوات الخادمة لها والغسل هنا هو الجهد التغييري والخطاب المضاد لأثبات الهوية الإنسانية الحقيقة
- ان المعنى بالاغتصاب هنا هو اغتصاب ارض فلسطين الأبية والكلب هنا هو الكيان الصهيوني والخطاب الممانع لخطوبة النصر والثورة هو الصديق وهو هنا خطاب خطير فالصداقة اخطر الخطابات ان لم تتمحص بالتجارب تلو التجارب
- الغسل هنا اما هو غسل الموت لضحية الاغتصاب بفعل بشاعة الأهل او هذا الزوج او ان المغتصبة لم تستقم بعدة اغسال سلوكية فأودعت التراب

*******************************************

قراءة شاملة رائعة من أديب ناقد ابدع في الغوص بمكنونات النص واستخراج اللآليء المتميزة، ونص جميل لأديب مبدع ..
دام التألق والتميز أيها المبدعون..
بالتوفيق.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم