قوتُ وطن - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة/ منى عز الدين - سورية


بقلم الأديبة/ منى عز الدين
- سورية



مقدمة :
وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 
إلى النصوص

********************************************

1- قوتُ وطن
:::::::::::::::::
قد تحتاج عكازاً في عزِّ الشباب وإن استقام الظهر؛ فلربما بعض الأحداث تحني منك القلب، فلا تحفظ الجوارح الود لعهد الفتوة والصبا.
كانت كفينوس في ربيعها الخامس والعشرين ،لها جسد مشدود وملامح يقظة،لكن لمعة عينيها النجمية التي كانت تنافس الشموع هبت عليها رياح الزمن فأطفأتها، لتلمح في ثنايا نظرتها سحائب دخان وغيوماً رمادية استعصى عليها الهطول؛

_لأن بعض الطوارئ أصعب من البكاء يا أمي
هذا كان ردها على أمها التي خشيت عليها احتباس الدموع ودفنها للقهر في قلبها؛ فربتت على كتفها ،ووضعت يدها على قلبها ترقيها ببعض الآيات القرآنية، بينما بدأ المعزون يخلون المنزل وهم يرددون عبارات التمجيد للشهداء ومقامهم في الجنة وفي قلوب الناس .
 وجدت بعض التعزية في تلك العبارات ،فاحتضنت ابنها ذا الأعوام الخمس وصورة زوجها متمتمةً في أذنه؛

_أنت ابن البطل وعليك أن تفخر ، سنلقى صعوبات كثيرة من الآن ياوحيدي ،لكننا خبأنا لها حسن ظننا بالله ،وسنكون عند حسن ظن أبيك فينا فهو يراقبنا من مكانه هناك في الجنة وينتظرنا .

نظر إليها بعينين دامعتين لمحت فيهما ماأرادت بثه من عزم وتصميم .
هي تعلم الآن أنها أمام ثلاثة خيارات؛ إما أن تقتات الحزن بسواده حتى تموت ،أو تتزوج من عابر سبيل تحت ظل رهان حظّ ابنها معه ، أو تصلب عودها في بلد انحنت فيه هامات الرجال من الحرب

_ هو الخيار الثالث
قالتها بصوت مسموع كي تحفظها كل جوارحها ،وتعمل لها .
قضت فترة العدة وهي تساعد أمها في الخياطة ،فقد كانت وحيدة أهلها وليس لها بعد الله معينا، يوماً بعد يوم ذوت الصحة في عود أمها ولم تعد تقوى على الجلوس أمام آلة الخياطة ولا إيصال الطلبات إلى المشاغل في المدينة ،مما اضطرها للقيام بتلك الرحلات الخطرة وحدها .
لم تكن خطرة بسبب القذائف والغارات الجوية وحدها، بل على الأرض غارات أكثر عنفاً ، إذ كان عليها أن تقطع أربعة عشر حاجزاً في طريقها إلى المدينة رغم أنها لاتبعد عن بلدتها سوى خمسين كيلو متراً كانت تقضيها صعوداُ ونزولاً من الحافلة أمام كل حاجز  ، يقابلها صعود ونزول في دقات قلبها كلما أخذوا البطاقات إلى أن تُعاد إليها دون ذكر اسمها بين المطلوبات.
مسلسل رعب تحضره كل يوم عندما يحتجزون بطاقة أحد الشبان ليهرب من وجهه اللون ومن أقدامه تنبيهات العضلات ، فيسحبونه بأيديهم ويتناوبون عليه ركلاً حتى يتوارى عن أنظارها إيذاناً ببدء خروجه من حياة الآدميين إلى حياة أشباح في أقبية الاعتقال ،التي حمدت الله كل مرة على اسشتهاد  زوجها قبل أن يحياها.

على أحد هذه الحواجز كان يجلس ببزته العسكرية ،عضلاته ملفوفة،عريض المنكبين ،وجسده قد صقلته كثرة التمرين، لم يكن وجهه بأقل قوة من جسده ،تلمح القسوة في جميع قسماته، من عينين سوداوين جاحظتين وأنف أفطس عريض إلى شاربين مفتولين يغطيان جزءاً من شفته العليا الغليظة التي كانت تطبق بإحكام على غليون ينفث دخاناً رمادياً كنواياه العفنة

_اتركي هذه البزات العسكرية فهي تلائمنا
_لكنها طلبية للمشغل الذي أعمل فيه

رمقها بعينه الفاحصة وهو يفتل شاربيه؛

_ إذن لتأخذي مقاسي وخيطي لي مثلها
وأشار لها إلى خيمته مع غمزة وقحة فهمت منها المراد فارتعدت كل فرائصها ،عدا قلبها الذي استمسك بالدعاء .
استغلت قدوم ضابط أعلى منه رتبة ووضعت كيس البزات على الأرض قائلةً خذوها إنها لكم قصدَ إلهائهم لتعود أدراجها بسلام .
عادت إلى بيتها منهكة تجر أذيال الهموم ،كيف ستسدّد ثمن القماش للمشغل ،ثم إنها لن تجرؤ بعد اليوم على المرور من ذلك الحاجز .
حضنت ابنها وبكت بمرارة تخالطها بعض المواساة لنجاتها مما كان أصعب ،لكن شبح المصاريف وتسديد ثمن القماش أرهق تفكيرها مع بدء نفاذ مؤونة الطعام

_ هوني عليك يابنتي لا أحد يموت من الجوع
_حفظك الله يا أمي دائماً تربطين على قلبي بكلماتك التي تفوح باليقين.....
قطع كلامها جلبة وقرع أحذية جنود تجوب الحي،تتلوها عبارات استرحام وصراخ أطفال ونساء؛

_ إلى أين تأخذوننا ؟
_ سنجمعكم في معسكر واحد ، أنتم خونة   لا ينبغي عليكم العيش بين الناس الشرفاء
_لكننا لم نفعل شيئاً
_ أين أزواجكن إذن ؟

 استرقت ندى  النظر من زاوية النافذة لترى سيارتين كبيرتين تحملان عائلات من حيها والأحياء المجاورة ،لم ترَ سوى نساءٍ وأطفالٍ،وتعرفت على صاحبة الصوت التي كانت تحادث الجندي عندما ضربها بعقب بندقيته لتصمت .
فجأة تكسّر الباب بركلة من ذلك الجندي لتجد نفسها أمامه ذلك القذر الذي كان على ذلك الحاجز .
انخلع قلبها من مكانه وهو يقهقه بوقاحة قائلاً؛
_ هيا لتكملي خياطتك في ذلك المعسكر ، اطمئني لن تحتاجي من القماش الكثير ،لأنكم ستذوبون من الجوع .
ثم دفعها بعجل هي وأمها والصغير إلى الشاحنة دون أن يسمح لهم باصطحاب ولو كسرة خبز .

وجمت الوجوه في الشاحنة وحلَّ صمت رهيب فقد تناهى إلى سمعهم أنه قد ضُرب طوق حصار على ذلك المكان الذي سيصبح مأواهم ولن يدخل إليهم أي نوع من أنواع الغذاء حتى يستسلم الثوار في البلدة.
هاهم الآن في أرض جديدة لا تمت للحياة بصلة سوى صراخ أطفال من لهيب الجوع وأنات الكبار .
لم تكن هذه البلدة التي جمعوهم فيها خالية من الحياة من قبل،لكن الجيش أخرج منها سكانها ،ليجمع فيها كل العائلات التي تمتُّ بصلةِ قرابةٍ للثوار.

بعض الانعطافات القاسية في الحياة تكسر فيك حاجز الخوف بعد أن وصلت إلى منتهاه ،تسلبك الكثير لكنها تكسبك صلابة عود ،وقوة روحية تصنع فيك جرأة تحدٍّ حقيقي للحزن الذي يسحبك للفناء .

بهذه القوة قرروا التمسك بالحياة ،انتشروا يبحثون عن مأوىً فقد بدأ القصف من جديد،تركت ندى ابنها مع أمها في ركن بين جدارين وراحت تعالج باباً متهالكاً لمكتب قديم حتى فتحته، حجرة متهالكة محتضنة العنكبوت بين أركانها ،مكتب خشبي عفا عليه الزمن ،سرير عتيق منفرد في ركن الحجرة عليه بطانية قديمة مهترئة،حاولت قدر المستطاع تخفيف مافيه من تراكمات غبار وبعض المهملات ،ثم أحضرت ابنها وأمها ،قضوا ليلتهم الأولى متناوبين على بطانية رثة مادفعت عن عظامهم نخر البرد .
في الصباح اجتمعوا من جديد ليقرروا كيف يتدبرون طعامهم جمعوا ما وجدوه في البيوت من بقايا طحين مسوس عجنوه ووزعوا الخبز على الجميع بالتساوي شرط أن يقتصد كلٌّ في حصته فلا يستهلك إلا كسرة خبز بحجم الكف كل يوم .

_لا أظنه سيكفينا لأكثر من عشرة أيام
قالتها ندى بحزن لابنة خالها
 بجانبها وسط حلقةمن النسوة

_ لن نعتمد عليه وحده فلنصنع حساءً  من أوراق الشجر
_لكن القناص يرصد كل حركة والذهاب نحو البساتين فيه مخاطرة
_هي ميتة واحدة ،وهل نبقى نراقب أولادنا وهم يموتون جوعاً

وبدأت رحلتهم اليومية إلى الحقول بالتناوب لجلب الأوراق والأعشاب، وفي كل مرة يعودون بإصابات من رصاص القناص كان عليهم معالجتها دون أدوات تعقيم ولا بنج أو تخدير،لم يخفف عليهم تلك الحياة القاسية إلا روح التعاون التي تحلّوا بها ،تسارعت الأحوال في التدهور عندما قصفوا شبكة المياه والكهرباء، وبدت البلدة فعلاً كقبر كبير .

كانوا قد احتملوا الجوع لكن بدأت العروق تجف من العطش .إلى أن تهللت فيهم البشائر حين بدؤوا يوزعون عليهم المياه بكميات شحيحة ،لكن الصهاريج كانت صدئة والمياه ملوثة ،لم يلحظوا خطرها إلا عندما اصفرت أم ندى وارتفعت حرارتها ،قفز الخوف إلى قلب ندى لأول مرة فهي ممرضة وتعرف أعراض التيفوئيد جيداً،وماإن مضى يومان على مرضها حتى سحب منها آخر رمق  حياة
_كيف تتركيني الآن ياأمي
أخذت ترددها ندى على قبر أمها بصراخ أشبه مايكون بالهمس فقد تعب فيها كل شيء حتى حبال الصوت.
وأصبح هذا المنظر اعتيادياً ،فيومياً يموت منهم واحد أو اثنان ليتم دفنهم دون مراسم عزاء ،فقد أدركوا أنهم جميعاً باتوا في عداد الموتى .
بدؤوا بذبح القطط وعمل حساء من ماء وقليل ملح هُرّب إليهم بعناء
ماعاد ابنها يقوى على الوقوف ،وهي مستمرة في نحت الصخر لتؤمن له القوت .
إلى أن أعيتها الحيل ،فقد نفد كل شيء ولم يعد في الصخر حتى مايُنحت ،فتمددت إلى جانبه تنتظر الأجل .
فجأة علا صوت المكبرات ،تمت المصالحة وستعودون إلى بيوتكم
هبت من فرحتها احتضنت ابنها ،وكم كانت فرحتها عظيمة عندما رأته يبتسم
_أرأيت ياغالي قلت لك سننجو ،منذ زمن لم ألمحك تبتسم ،افتح فمك لتشرب بعض الماء المملح لتصلب عودك ،وسأعوضك عن هذه الأيام
_لا يا أمي أنا شبعت ،قد جاءني أبي بالطعام من الجنة ،انظري كم هو سعيد فيها
رفع يده لتترنح وتستقر من جديد إلى جانب جسده النحيل

شقت صرختها عباب بلدة الموت تلك
_ لماذا كذبتِ عليّ ياأمي ،ألم تقولي لا أحد يموت من الجوع .

************************************

2- تَلَوّن
.- تبا لكم؛ أنتم من أججتم الحرب في بلادنا وأتيتم بنا إلى هنا.
لاتفغر فاك هكذا كالأبله أيها الغر المعتوه.
هيا انظر إلي ، أتراك لا تملك الشجاعة؟ أم أنك محرج لأنك لم ترد على سؤالي البسيط؟
لعن الله الحروب التي شطرت دروبنا وقبح الله أرضكم التي ابتلعتنا ذات زلزال.لو كنت في بلد عربي لتسابق الناس لإرشادي، أنتم عنصريون

تمتمتُ بالكلمات، وانا أقذفها في وجهه لتصطدم بصفحة خده الباردة البيضاء، فتتكاثف وتتساقط قطرات لامبالاة عند قدميه.
لم يكلف نفسه هذا الغر حتى النظر إلي بعدما أشاح بوجهه عندما هممت بسؤاله عن المحطات التي يمر بها القطار.
تنحنحت في جلستي، رفعت رأسي إلى خريطة مرسومة فوق الكرسي الذي يقابلني،
حسنا إنها توضح المسار، لكنني لا أفهم شيئا، خطوط متداخلة مع كلمات ألمانية صغيرة جدا،
استغليت وقوف القطار في محطة ووقفت قبالة اللوحة محاولة تتبع الخطوط

- أتسمحين لي بالمرور؟

التفت ناحية الصوت، شابة شقراء أفرجت ابتسامتها اللطيفة عن أسنان كاللؤلؤ
وانسدل الشعر الذهبي على الكتفين  العاريتين.
أفسحت لها وعندما أوشكت على السقوط أرضا أمسكتني وسألتني إن كنت بحاجة لمساعدة.
أخيرا جاء الفرج، فبعد ذلك الشاب العشريني الذي أشاح بوجهه عني لم أجرؤ على سؤال أحد.

- يبدو أنني ركبت في القطار الخطأ
أريد الذهاب إلى "كالك بوست"

أجهدت نفسي كثيرا ، اعتصرت ذاكرتي حتى كونت هاتين الجملتين بقواعد صحيحة، إذ من المعيب وأنا بهذا السن أن أتفوه بجمل ركيكة كالأطفال ، أو هكذا كان يخيل إلي.

-حسنا عليك تبديل القطار ، بعد محطتين نصل "نوي ماركت"
انزلي فيها واركبي القطار رقم "9" لكن من جهة اليمين

أصغيت جيدا  وأنا أحاول مقابلة كلماتها بصور خزنتها في رأسي، وبجهد جهيد وصل دماغي في ترجمة الكلمات إلى جهة اليمين.
فغرت فاهي آه كم مرة حاولت التفريق بين "links" و "richt"
وأعود لنسيان أيهما اليمين، حركت يدي بحركة لا إرادية كي أتذكر حركات المدرسة وهي تحفظنا الكلمتين.
مع حركتي سقطت محفظتي وتناثر مافيها.
شاركتني يد أخرى في لملمتها وإعادتها للحقيبة.
نظرت إليه لأشكره لكنه التفت بسرعة ومضى إلى حيث كان يجلس قبالة مقعدي
لا أعلم لم ينظر إلي هكذا!؟
أمره غريب حتى ملامحه محيرة لاتستطيع أن تجزم إن كان عربيا أم غربيا من جهة، ولا تميز نظرته إن كانت ودية ام عدائية من جهة أخرى.
وجه بلا ملامح تعبير
 -حسنا ياهذا إن كنت غربيا فليس من عادتكم التحديق في الوجوه، لابد أنك عربي إذن

ابتسمت لا إراديا لملمس اسم العربي على أديم نفسي، لكنه ظل على جموده.
حسنا؛ لابد أنه عربي بالغ في الاندماج
 
استغرقت معي عملية التفكير زمن وصول القطار إلى المحطة، وعندما لاحظت تلك الفتاة الألمانية  شرودي اقتربت مني وقالت  أنها ستنزل معي لتوصلني  بنفسها

-كم أنتم شعب لطيف، لقد احتضنتمونا في حين لفظنا الأخ والشقيق، هذا هو الغرب الرحيم الذي تفاضل على العرب بنقطة في الكتابة ونقاط في الأخلاق.

طربت لكلماتي ومسحت على رأسي بحنان كما يمسحون على رأس حيوان أليف، وفي لحظة الامتنان تلك التقطت لي معها  صورة تذكارية قبل أن تودعني.

في اللحظة التي تلتها، ومع التفافي لركوب القطار غافلني جامد الملامح ذاك  وسرق حقيبتي. انكفأت على وجهي من قوة السحب.
كيف هذا وما العمل  الآن ؟ على من أصب جام غضبي وأكيل الشتائم؟

تقدمت يد لترفعني عن الأرض، أشحت بوجهي مع شكر، وقررت أن أنهض وحدي هذه المرة

في اليوم التالي صوري تملأ الشاشات
وكيل عبارات مديح للشعب الإنساني الذي احتواني رغم جهلي وقلة حيلتي.
تسمرت أمام الشاشة، انتظرت الخبر التالي هيا وجهوا الكاميرا إلى ذلك الذي سرقني.

أغنية تتحدث عن السلام تنهي الخبر، أعقبها إعلان ممول لشركة أسلحة.

**********************************

3-


#زهرة برية

احتضنت سعادُ باكورة أشعة الشمس بفرحةٍ مبهمة المعالم؛بعد أن قضت شطراً من الليل تستعجل دقائقه تارةً، وتغطّ مع أحلامٍ جميلة تارةً أخرى، وبعض الكوابيس تتخلل الاثنتين.
رفعت رأسها إلى السماء وتركت خصلاتِ شعرها الكستنائيّ لمداعبة نسمات الخريف محاولةً استحضار خيال طفلٍ لمس  وجنتها يوما بحنانٍ، ترك دفئاً في قلبها ولسعةَ صفعة أمها على وجهها.
 كانت قد قضت شطرا من حياتها وهي تحاول تمييز الدفء عن الحرقة مع كلّ قصة حبّ ترويها صديقتها، أو نظرة إعجاب من أترابها ، فتعود أدراجها إلى ثلاجة المشاعر كي تضمن الصلاح الذي أرادته أمها.

هي تحبها كثيراً وتتمنى لو كانت احتضنتها منذ ذلك اليوم  ففي الحشا صقيع وفي منزلها زمهرير يذكرها بمقولة كانت قد قرأتها لفاستون باشلار (في القصور تنعدم الألفة)

إنه بيت يخلق انطباعا خريفيا؛ فناؤه صامت دوماً وتلك الطفلة الوحيدة نشأت فيه بين أفاريز وأعمدةٍ وتماثيلَ رخاميّة.
 تحسدها رفيقتاها الوحيدتان على أرض مرمر يرون فيها بريق الشمس على الثلج بينما لاتشعر هي سوى  بصقيع الثلج
في بيت ضمّها مع أبٍّ ذائع الصيت  بمركزه المرموق في الدولة،ربما أكسبه بعض الصلابة التي تجذّرت هناك في عمله وتبرعمت ثلجاً على أرض بيته، وأم يكسوها الوقار دوماً مع مسحة حرمان  يفضحها جوع العينين لنظرة حنان.
فتحت سعاد عينيها بعد جولة التفكير تلك لتلحظ أسرابا تحجب السماء بأجنحتها تغادر إلى مناطق أخرى أكثر دفئا تلامس السحاب ، فتفاءلت ورسمت شفتاها المكتنزتان ابتسامة رضا تغازل فيها أملا بأن تهاجر كأسراب اللقلق لأماكن أكثر دفئا، فلربما كان زهير الموطن الدافئ الذي سيحتضنها بعد طول صقيع.

زهير شاب في الثلاثين من عمره ، تنضح الفتوة في جسده الممتلئ باعتدال وتبدو الطيبة في عينيه الواسعتين اللتين احتل السًواد معظم محجريهما،ممّا جعل لنظرته سحراً خاصاً عميقاً أسرها فقد تخيلته بشكل أو بآخر بطلا من أبطال الروايات التي تقرؤها ولابدً إذن أنه سيكون مثلهم ؛ لهذا فرحت فرحة عارمة بموافقة أهلها عليه كونه ابن صديق والدها وعلى خلقٍ، ثم إنها قد  توقعته رضوان جنتها الأرضية
رغم أنها لم ترَ منه أية إرهاصات لهذه الجنة القادمة.
عندما همست لأمها  مغالبةًخجلها؛
-أمي إنه لم يسمعني كلمة غزل، ولا لمحت في عينيه بريقا كذلك الذي أراه من الخاطبين على شاشة التلفاز.
نهرتها أمها قائلة:
-هذا كلام لايليق بكِ!، ثم إنّه شاب محترم لن يظهر لك ذلك.
هيّا عليكِ اليومَ ألا تفكري إلا بزينتكِ، وجمال طلتكِ أمام الحاضرين.

أتى المساء بأنوار وزينة وموسيقا صاخبة، وبدت سعاد كالوردة البيضاء   تتهادى مع نسمات التصفيق، وعبارات المدح تشوبها بعض المجاملة.

هاهي الآن وجهاً لوجه أمام زهير، تتابع بشغف نظراته وحركاته ؛تتحرّى فيهما ماسمعت من مغامرات صديقتها سوسن، وغراميات نور تارةً، وتتذكر ذلك الكم الهائل من الرومانسيات المخزنة في ذكرياتها من الروايات  تارةً أخرى.
لكنها لم تجد لاهذه ولاتلك.
تقدم نحوها بهدوء وقبّل جبينها، ثم طلب منها أن تتوضأ لأداء ركعتين اتباعاً للسنة وطلباً للبركة.
_ماهذا!، هذا المقطع ليس من السيناريو الذي روته الصديقتان، ولا من إحدى مشاهداتها للأفلام، ولا سمعته من أمها.
أمها.... آه أمها.. الآن تذكرت كيف أنها لم تناقش أبداً أية مسألة مع أمها، ولا حتى أمورها الشخصية التي كانت تشاور فيها صديقاتها.
لطالما قالت لها؛
"أنت زهرتي البيضاء"، فحرصت أن تكون أمامها كذلك دوماً.
قطع عليها شرودها صوت زهير يناديها، فهبت مسرعة وهي تتمتم: نعم وأمامه يجب أن أكون تلك الزهرة البيضاء.
تعثرت وهي تحضر  له  قالب  الكاتو، ولجمها الفزع عن النطق عندما تطايرت الكريمة على وجهه، تسمرت في مكانها جاثية  متوقعة التأنيب، لكن ضحكة مدوية صدرت منه جعلتها ترفع رأسها ليعاجلها بقبضة من الكريمة مسح بها خدها، ضحكت بفرحة طفلة نجت للتو من تلك الصفعة فلأول مرة لا تلقى تأنيبا على فعل خاطئ.

مرّت الأيام.. ومن ثم شهور، مرت بنفس المشاهد المكررة تمثلها طوال النهار، ثم تعيد تقييم الشريط في الليل، وتقارنه مع أشرطة صديقاتها وأفلامها، وهي تقول؛
- زهير شاب طيب ليس بالسيّىء أبداً، ولكنه لايشبه من حلمت به، وحياتي مريحة، لكنها لاتشبه مايُعرض هناك على مسرح آخر من مسارح الخيال.
ولم تمتلك الجرأة بعد لتخبره كيف تحب أن تكون حياتها فقد اعتادت أن تزين كلمتها جيدا كي لا تنزل قيمتها في ميزان المثالية أمام  أحد.
حبست واقعها في قالب بارد جعل بينها وبين زوجها حاجزا رغما عنها ومن خلف الحاجز كانت تهمس في نفسها ليته يفعل كذا وليته يقول كذا.
لم يغب ذلك الشرود والبرود عن بال زوجها وظنّ أنّه بسبب انشغاله الدائم في عمله، وبما أنّه لاحظ ولعها بالكتب أهداها بطاقة اشتراك في المركز الثقافي تخولها استعارة الكتب وقراءتها هناك إن أرادت .

على طاولة مستديرة بجانب النافذة في نهاية غرفة المطالعة اتخذت مجلسها الذي باتت  تتردد إليه كل يوم، وتستغرق في القراءة بينما عينا المشرف المسؤول تراقبها؛

_اختياراتك رائعة سيدتي
فاجأتها الجرأة في اقتحام جلستها فرفعت رأسها واكتفت بإيماءة الموافقة مع الشكر  لكنّه سحب كرسيا وجلس قبالتها؛

_تقريبا عرفت ذوقك في القراءة ،فما رأيك أن أختار لك ماتقرئين مع نبذة خفيفة عن الكتاب
_جميل جداً سأكون شاكرة لك

أصبح لرحلة المكتبة رونق خاص.
لم يعد الكتاب مؤنساً لها فحسب، بل أحست أنّه أهداها من بعض صفحاته بطلاً  أدمنت العيش معه بين الكتب فكانت على نظرته تنسج رواية أخرى تعيشها لأول مرة خارج أسوار الحماية التي كانت مضروبة حولها، مما جعلها عاجزة عن حماية نفسها من الوقوع في تلك الهوة التي اتسعت، فماعادت مقارنة زوجها مع شخوص الخيال بل بات له منافس من الواقع ، شخص كانت تظن أن أمثاله لا يغادرون دفتي رواية برومانسيته الحالمة وثقافته الواسعة.
كل هذه الأفكار تراودها وهومنهمك بإحضار كتاب لها،تقدم نحوها وسألها بمكر؛

_ هل قرأتِ (وسادة الريش) لأوراسبو كيروغا ؟
_نعم منذ زمن وتأثرت بها كثيرا
_احذري إذن من حشرة تندس في وسادتك
_هه هه هه أنت تعيش في أجواء الرواية مثلي، اطمئن أفتشها جيدا
_ليس كل مايمتص عافيتنا حشرات فبعضها أفكار تقتحم الوسادة كل ليلة رغم أنها من الريش 

شردت  سعاد مع حديثه، وترقرقت دمعة من عينيها كان ينتظرها فعلا؛ ليقترب ويمسحها بمنديله ويتبعها بلمسة دافئة على خدها أعادت لها دفء لمسة طفولية، ازدردت لعابها وتعرّق جبينها وارتعشت شفتاها حائرة من ردة فعلها، لاعقةً خيبتها وهي تحادث الصمت بأمنيات تمنت لو استطاعت أن تبقى فيها بعقلية طفلة تتحفز عند المنعطفات لاعتقادها أنّ أحدهم سيفاجئها، فتنفجر ضاحكة أو تصرخ متظاهرة بالمباغتة، لكن باتت المنعطفات مخيفة في درب عمرها بعدما تعلقت بين الأرض والسماء متعبة من التسلق عكس الجاذبية باحثة عن لذة شقية، لكنها تنحدر فجأة على منحدر الخيبة لتقع في مستنقع الندم.
 ولم يتسنّ لها هذه المرة المكوث في الخيال، فقد انقضت على مجلسهما سيدة في العقد الثالث من العمر شاحبة الوجه شاردة النظرات رمت الكتب بحركة هستيرية وهي تصرخ؛

_تحملت خياناتك كلها واعتدت على طابور النساء في حياتك
لكن أن تخون أبوّتك فهذا لا يطاق، ابنك المريض وصلت حرارته للأربعين وأنت تُسوّف في أخذه للطبيب ولم تترك لي مالا لأفعل ذلك. 

سقط قرطٌ  من أذنها و قطرات  دم مع كلماتها الأخيرة فقد عاجلها بصفعة أطارت صوابها وأعادت سعاد إلى صوابها.
ركضت بأسرع ما ركضت في عمرها كله وكأنها تنفض عن وجهها دفء اللمسة ونار الصفعة التي استذكرت فيها يد أمها.

تعثرت في حديقة منزلها وسقطت أرضا في بركة موحلة وبقربها كان قد تساقط بعض الياسمين وأوراقه مقلوبة إلى أسفل، أخذت تجمعهم بيدها وتتساءل؛
- لماذا لا يعود برعما كما كان ؟!
ثم استسلمت لإغماءة أفقدتها وعيها.

هبت نسمات باردة من نافذة غرفتها لتستعيد وعيها على سريرها ومخدة الريش التي حضنتها بحب ودفء هذه المرة، فقد كان هنا زهير بجانبها وبابتسامة عريضة على وجهه قال؛

-لقد اضطررت اليوم أن أعاملك كطفلة وأبدل ملابسك الموحلة كي لا تفسدي بياض سريرك، لكنك قابضة على زهرات الياسمين وما أردتِ الإفراج عنها

ضحكا معا وضحكت الطبيبة التي كانت بصحبته بصوت عالٍ قائلةً  لا بأس فهو تدريب لك على دور الأبوة؛ أنتما الآن مشروع أب وأم
مبارك لكما
فجأة أُضيئت الغرفةبنور أمل قطع  سلسلة تخيلاتها ويد زوجها الحانية  تربت على كتفها.
 أطرقت قليلاً وهي تحمل وردتها البيضاء التي قاربت على الذبول؛
- ترى هل آن أوان الصباح ليمطرها بالندى !؟
هل آن لها أن تبوح بكل مافيها وتطلب السقيا!؟؟؟؟
أجابتها نظرات دافئة من زوجها احتضنتها بمودة إنه بطلها لكن هذه المرة من الواقع.
________________________

بين الواقع والخيال
وَتنَاثرتْ  بَينَ  الخَيالِ  خَواطرٌ
وَهَواجسُ   بِطفولةٍ    تَتَعذَّبُ
هِيَّ    قُبلةٌ     بِبَراءةٍ    وَتنهدٍ
وَسُعادُ تَرنُو والمَشَاعِرَ  تُسكَبُ

والأمُّ    تَصفعُ  بالمحَبَّةِ  خَدَّها
والرُّوحُ تسَرحُ والمَواجِعَ  تُكتبُ

مَا  بِينَ  أحْلام    تَأكدَ   زَيفُها
وَحقِيقَة   تَدنو    إليَّ   وَتقربُ

إنَّ المحَبةَ  في الحَقيقةِ وَاقعٌ
 إنَّ الخَيالَ مَع المَشاعرَ  تُثقَبُ

وَحليلة      لِحليلِها       تواقةٌ
تَأتي  إلينَا  زيفِ  قَولٍ   تُرقبُ

قَد خَابَ ظَني اذْ تَمسمَر وَاقفاً
زَيفُ العواطف  تُستبانُ وَتقلبُ

وَزهيرُ  قَد ضَمَّ  الفُؤاد بِعطفهِ
زاَدَ  الحَنانُ  بِواقعٍ  لا  يَنضَب.

************************************************

نصوص جميلة، ابدعت الأديبة في استثمار موهبتها وكذلك الغوص في اعماقي الواقع ومعاناة الإنسان وهمومه، ونقلها بصورة راقية متميزة، دام التألق والإبداع ان شاء الله تعالى.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم