(الهايكو العربي) ما له، و ما عليه مقاربة بين (الومضة الشعرية) و (الومضة القصصية) - بقلم الأديب/ مجدي شلبي - مصر


بقلم الأديب / مجدي شلبي
- مصر


مقال رائع يلقي فيه أديبنا القدير الأستاذ مجدي شلبي - مبتكر الومضة القصصية وراعيها، الضوء على (الهايكو العربي) ما له، و ما عليه
مقاربة بين (الومضة الشعرية) و (الومضة القصصية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة:
ــــــــــ
     (الهايكو) 海口: هو نوع من الأنواع العديدة في الشعر الياباني، التي منها: (كاتاوتاカタウタ(، (سيداوكا)シダウカ، (تشاوكا) チョウカ، (التانكا) 短歌، (رنجا) レンジャ، (هايكاي نورنجا) ハイカイヌランガ  و سوف يقتصر بحثي على (الهايكو) الذي يعتقد البعض خطأ أنه شعر ياباني حديث، و الصحيح أن تاريخه يرجع إلى القرن السابع عشر، حيث كان الشاعر/ ماتسو باشو 松Bas ( 1644 – 1694 )، هو أول من قام باختصار قصيدة (الهايكاي نورنجا) إلى (هايكو) مع المحافظة على كل ما تحمله من خصائص ساخرة و منتقدة، من خلال ألفاظ بسيطة تعبر عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خصوصية شعر (الهايكو الياباني):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     رغم أن الشعر بمفهومه العام لا يخرج عن كونه: تعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة، إلا أن خصوصية الشعر الياباني عموما و (الهايكو) على وجه الخصوص؛ مرتبطة بمقاطع (صوتية) خاصة باللغة اليابانية؛ حيث "تتألف أشعار (الهايكو) من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة)"، و من ثم يظهر فيها الجرس الموسيقي الخاص بتلك اللغة تحديدا، فضلا عما تمثله الألفاظ و العبارات من دلالات تعبر عن بيئة مجتمعية، لها خصوصيتها في جوانب عديدة: (لغوية و حضارية بل و فلسفية و دينية أيضا)؛ و من ثم يرى البعض أن محاولة استنبات هذا القالب الشعري الياباني في تربة الأدب العربي محاولة غير موفقة؛ يقول الشاعر/ عبد العزيز أبو شيار: "يصعب عليَّ كثيراً اعتبار (الهايكو العربي) قصيدة، لأن مُصطلح (القصيدة) له مدلوله في شعرنا العربي"، و من المعلوم أن (الشعر العربي): "كلام موزون مقفىّ، دالٌ على معنى، ويكون أكثر من بيت، ويشمل هذا التعريف النظم"،

(أرجئ التعقيب على هذا لما سأذكره لاحقا عند الحديث عن علاقة الهايكو العربي بالتوقيع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توطين (الهايكو الياباني) و نظمه عربيا:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     في البداية كان (الهايكو الياباني) يصل إلى اللغة العربية عن طريق ترجمة نصوص عبر لغات وسيطة كالإنجليزية حتى نهاية التسعينيات، ثم بدأت تظهر ترجمات مباشرة عن اللغة اليابانية.  و من ثم بدأت مرحلة تجريب الكتابة في هذا الفن الوافد (الهايكو) بأقلام شعراء عرب، و رغم أن الكثير من النقاد العرب لم يعترفوا بـ(الهايكو العربي) كمدرسة شعرية مستقلة؛ فإن ما كتبه بعض المعترضين على (الهايكو العربي)؛ أثار حفيظة شعراء و نقاد آخرين؛ عبروا عن حماسهم لهذا (الوافد الجديد)، و أشاروا إلى نجاح محاولة توطينه و نظمه على نحو يتوافق مع ضرورة الانفتاح على جميع تجارب الإبداع الإنساني؛ يقول الشاعر/ مصطفى المسعودي: "ثمة مشتركاً إنسانياً يمتد لكائنات شتّى في الطبيعة هو المتمثل في استشعار جمالية الأشياء ودهشتها، ثم تَمثل الرغبة في التعبير عن الشعور نفسه، ومن هنا يكون الاطّلاع على التعبير المُغاير في منظومة مُغايرة؛ فتحاً جمالياً في حد ذاته، و مدخلاً لإغناء التجربة الذاتية في فرادتها، تأسيساً عليه أعتبر أن الانفتاح على تجربة يابانية مثل (الهايكو) مبادرة لها وجاهتها ضمن التحديد السالِف".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقاربة بين (الومضة الشعرية) و (الومضة القصصية):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     إذا كان (الهايكو الياباني) في بنائه الفني يجيء على شكل قصيدة شعرية ذات جرس موسيقي مرتبط بالمقاطع الصوتية في اللغة اليابانية؛ فإن (الهايكو العربي) ـ رغم اشتراكه مع (الهايكو الياباني) في عدة عناصر منها: تقسيم العبارة إلى أسطر ثلاثة تقسيما مقصودا ـ إلا أنه لم يشأ أن يكون شعرا محضا، بل اعتمد على مزاوجة بين عناصر: الثقافة العالية و الخيال المحلق و الصور المفعمة بالحيوية، و التكثيف (الحذف و الإضمار)؛ دون التزام ببقية القواعد الأصلية للهايكو؛ من خلال مزاوجة بين فنين أدبيين (الشعر) و (التوقيع)، و من ثم وجب أن نطلق على (الهايكو العربي) ـ ناتج تلك المزاوجة ـ اسم (التوقيع الشعري) أو (الومضة الشعرية)... و لا شك أن المؤسس الأصلي الفعلي للهايكو العربي (التوقيعات الشعرية) هو الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة (11أبريل- 1946م)، حيث كان قد ألقى عام 1964 مجموعة من قصائده على الجمعية الأدبية المصرية - وكان أحد أعضائها - نصًّا سماه “توقيعات”، و يتضمن عشر (توقيعات شعرية)، "و قد عرّف الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة (1964) – التوقيعة التي اعتبرها ومضة كما يلي: (قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافة)، تتناسب مع الاقتصاد، و السرعة، و تتميز بالإيجاز و التركيز و كثافة التوَتُّر. عَصَبُها (المفارقة)، الساخرة، و الإيحاء، و الانزياح، و الترميز. و لها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي أنَّ لها (قفلة) تشبه (النَقْفَة) المتقنة، ملائمة للحالة".
و من ثم نجد تماثلا مع ناتج ما قمت به من مزاوجة بين (أدب التوقيعات) و (فن القص)؛ و التي أطلقت عليها: (التوقيع القصصي)، (القصة الومضة) أو (الومضة القصصية) بعناصرها الخمسة: التكثيف، المفارقة، الإدهاش، الإيحاء، و الخاتمة المباغتة.
و رغم أن استحداثي لهذا الفن الأدبي (الومضة القصصية/ 2013) أتى لاحقا على (الهايكو العربي/ الومضة الشعرية (التوقيعة الشعرية)/ 1964)؛ إلا أن (الومضة القصصية) استطاعت أن تحقق ما لم تحققه بعد (الومضة الشعرية) التي ما زال يؤخرها عن مرحلة التأطير النقدي؛ استسهال البعض بكتابة نماذج تطبيقية تشبه الألغاز و الأحجيات في أحيان، أو نثرا مُبسترا باردا ركيكا فارغا من الجماليات في أحيان أخرى، أو مجرد خاطرة ارتدت ثوبا ضيقا؛ فضاق بها و ضاقت منه!...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مستقبل (الهايكو العربي/ الومضة الشعرية):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     رغم ما حدث من تخبط في مرحلة التجريب ـ التي طالت نسبيا ـ إلا أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نتابع جهودا حثيثة للارتقاء بفن (الهايكو العربي/ الومضة الشعرية) من خلال الفضاء الالكتروني و الصفحات الأدبية المخصصة بمواقع التواصل الاجتماعي؛ أبرزها: (نادي الهايكو العربي: الذي صدر عنه ثلاثة كتب خلال السنوات الثلاث الأخيرة)، (نادي الهايكو الحر)، و المهرجانات و الملتقيات التي كان أبرزها: (المُلتقى الأول لشعراء الهايكو بالمغرب/ ديسمبر 2017) الذي نظّمه (بيت الشعر في المغرب) تحت عنوان (الهايكو مغربي أيضا)، و (مؤتمر الهايكو الأول في دمشق/ 2018) الذي نظمه الشاعر/ سامر زكريا (مؤسس صفحة الهايكو ـ سوريا) و الذي يقول: " إن الموسيقا و الإيقاع لمفردات الهايكو العربي يمكن أن تكون بديلاً عن الإيقاع ٥/٧/٥ في الهايكو الياباني، ولو أن هذا الأمر لم تتشكل ملامحه منهجياً بعد، و مازال الأمر بحاجة للكثير من التطوير حول الدلالات اللغوية والإيقاعية الممكنة في الهايكو في سياق محاولات ملتقى الأدب الوجيز لبلورة ملامح للومضة (الشعرية) كنوع من أنواعه".
و قد أطلق الأستاذ/ صدام أبو مازن على (الهايكو العربي) اسم (شعر الومضة والتأمل) من خلال مقال نشرته الجزيرة 30/10/2019 بعنوان (الهايكو العربي) يُفشل رهانات النقاد و يتجه من اليابان للعالمية...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر الإلهام واحدة:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ الطبيعة من أهم مصادر الإلهام للعديد من قصائد الهايكو (الياباني أو العربي)، سواء كانت الأشجار أو الصخور أو الجبال أو حتى الزهور الصغيرة و السحب، كما تدور قصائده حول فصول السنة، الربيع والخريف والشتاء والصيف. بما تحركه هذه الفصول بداخل قلبك وعقلك من مشاعر وذكريات.
ـ يمكن للشاعر أن يجعل كل ومضته الشعرية حول شخص معين أو شيء يُثير انتباهه؛ فيمكنه مثلًا أن يكتب ومضة شعرية عن جاره كبير السن أو عن حيوانه الأليف أو عن لعبة طفولته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض النصائح للكتابة في الهايكو العربي/ الومضة الشعرية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ ركز على حدث معين من الماضي أو شيء يقلق تفكيرك؛ مثال:
يالروعة
من لا يظن أن "الحياة زائلة"
حين يرى وميض البرق.
ـ استخدم التشبيهات والاستعارات المكنية في وصف ما يدور في رأسك وكأنه شيء ما في الطبيعة؛ مثال:
على جانب الطريق
أزهرت نبتة
أكلها الحصان
ـ استخدم نفس الألفاظ والتعبيرات، لكن عبر من خلالها عن واحدة من مشاعرك الشخصية؛ مثال:
في رأسي
زلازل لا تُحصى
وضحية واحدة
ـ اطلع على نماذج لأفضل قصائد الهايكو وهو ما سيساعدك على تعلم الأسلوب والصياغة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نماذج مختارة من (الهايكو العربي/ ومضات شعرية):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     رغم أن كثير من كتاب (الهايكو العربي) يعرضون ومضاتهم الشعرية بدون عنوان على طريقة (الهايكو الياباني)؛ إلا أن قلة هم من يهتمون بعنونة ومضاته الشعرية على نحو ما هو وارد فيما يلي:
كرِيسْتالةٌ مُضَلَّعة
كُلُّ تِلْكَ الوُجوه
لِي
(الشاعرة/ غدير حنا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ببرودٍ كثلج العاصفة;
”لن تتفسخ الجثث”ـ
يطمئنني عامل الإغاثة.
(الشاعر/ باسم القاسم)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الأكمةِ زهرةٌ مبتهجةٌ
بكلّ قسوة تمصّ رحيقها
نحلة
(الشاعر/ قاسم أحمد حبابة)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكنه… بعد طول مخاضٍ
ماتْ.
الطفلُ المولودُ بعملية قيصريّة.
(الشاعرة/ بشرى البستاني)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل هذه الأرغفة
والبطون خاوية
من يحترف النفاق؟.
(الشاعر/ جواد وادي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برائحةِ الشجرةِ،
يجدُ الطريقَ الى عشِّه،
طائرٌ أعمى.!
(الشاعر/ عبدالستار البدراني)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(دَيْن)
صياد عجوز...
في سوق السمك
يشتري سمكة.
(حسن أبودية)
ــــــــــــــ
خاتمة:
ــــــــــــــ
     أتمنى أن أكون في تلك العجالة قد وفقت في إلقاء الضوء على هذا الفن الأدبي (الهايكو العربي) ببعض ما له و ما عليه، مؤكدا على تلك العلاقة الأخوية بينه ـ باعتباره ومضة شعرية ـ و بين (الومضة القصصية)، و هو ما يفتح المجال لعديد من النقاشات المهمة حول الفنون الأدبية المستحدثة، و التي تستطيع أن تثبت تفردها و استقلاليتها و تميزها من خلال نصوص تطبيقية تتميز بالإبداع و تحقق الإمتاع أيضا...
ـــــــــــــــ
المراجع:
ــــــــــــــ
ـ مقدمة في الشعر الياباني ـ علاء الدين رمضان (كتيب المجلة العربية العدد الثلاثون بعد المئة ـ بتاريخ شوال 1428هـ/ نوفمبر 2007م)
ـ مقال (التوقيعة الشعريَّة عند الشاعر عزالدين المناصرة) للدكتور/ محمد جمال صقر ـ المجلة الثقافية الجزائرية ـ مارس 2019
ـ حوار مع الشاعر/ سامر زكريا ـ نادي الهايكو العربي ـ 20 مايو 2019
ـ (قصيدة الهايكو العربية بين القبول والرفض) ـ تقرير الشاعر/ ميلود لقاح ـ موقع (الميادين نت).
ـ نماذج من شعر الهايكو ـ سوريا (مجلة رسائل الشعر)
ـ (دموع و شموع/ ومضات قصصية) ـ مجدي شلبي
ـ موسوعة (كنوز القصة الومضة) ج 1 ـ ج 2 ـ ج 3 ـ ج 4
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجدي شلبي/ عضو اتحاد كتاب مصر ـ مؤسس (الومضة القصصية)

************************************************

مقال جميل، دام التميز والإبداع ان شاء الله تعالى أديبنا القدير.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم