قراءة نقدية للقصة القصيرة "ليلة اكتمال القمر" للقاصة التونسية هادية حساني - بقلم الأديب الناقد/ الطيب جامعي - تونس

قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي
- تونس


الأديبة / هادية حساني 
- تونس



نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص الجميل.. 

************************************************

قراءة للقصة القصيرة المتوجة "ليلة اكتمال القمر" للقاصة التونسية هادية حساني.
------ا-----'
القصة

 ليلة ٱكتمال القمر

في تلك الليلة الحالكة، ظلت "عائشة" مقرفصة وسط الغرفة بعد أن أعياها الأرق، تقلبت طويلا في فراشها كمن ينام على الأشواك، تنظر في الظلام كالأعمى، تربت على رضيعها وهي تمد له أحد ثدييها، حين لاح لها بصيص نور من أفاريز النافذة الخشبية، غطته بشالها، وٱرتمت خارج الدار.

سارت مساقة نحو الشرق،كأن قوة غريبة تدفعها، أو روحا خفية بمكان ما تناديها، سارت كمن تعود جادته، شقت شوارع القرية المقفرة، حين وخز البرد  عظامها، وعضتها الوحشة بنابها الأسود، صارت تهذي :
_  أخوك..أخوك يا حسام..برضاي عنك يا ٱبني..لا تفرط بدمك ولحمك..
تصمت طويلا هائمة، تظهر أمامها كلاب سائبة، تنهرها ملقية عليها الحجارة تلو الأخرى .
_ ارحلوا...ارحلوا..الله يلعنكم يا كلاب!
تفر الكلاب لكنها تواصل موجة السب واللعن:
_ ٱغربوا..أنتم السبب! يا كلاب.. ياخونة !
تواصل السير، تهدأ بعض الشيء، لكن حين نظرت خلفها، انطلقت في العدو كأن هناك من يلاحقهاوهي تصيح :
لا يا حسام..أخوك ! أخوك يا حبيبي..لا تسمع كلامهم..لاتصدقهم..
تجري، وتجري بلا توقف..
تتعثر، تسقط، تتدحرج بالمنحدر الذي تراصت القبور عند سفحه ، ويتدحرج رضيعها أمامها، تصطدم بأحد القبور، تلتقط طفلها فزعة، تحتضنه غير مكترثة بما علق بعباءتها من وحل وقش :
_ حبيبي يا هاني...نم لا تخف..لن يمسكوا بك..الشياطين هم السبب..!
تتأمله وهي تميل رأسها، ثم تضحك.
تهدهده:
_ أخوك يا هاني..أخوك سندك وظهرك..لا تتفارقا أبدا..برضاي عنك يما !

تزيغ عيناها، تضغط على طفلها منحنية حتى كادت تلامس بوجهها  الشاحب  الأرض،  يعلو عويلها ممزقا الصمت الجاثم على المقبرة، تلتفت للخلف، تدفع بيدها الهواء بحركات متواترة:
_ ابعدوا..ابعدوا يا أولاد الكلب يا فجرة.. لن تقتلوه..ابعد...ابعدوووووا

ترتمي على القبر، فتنفلت الوسادة من حضنها.. وتنفجر في نوبة نشيج حادة وكأن برودة الحجارة قد دغدغت ذاكرتها.

شاءت الأقدار أن يدفنا بنفس اليوم، ترجل بكرها والشمس وهاجة، وسط موكب مهيب من العسكريين والساسة، النياشين تزين صدره، وعلم البلاد يلفه، زف كعروس في هودج، ودعوه بالزغاريد، ورفع الذكر..

في الليل الحالك وصل الصغير، بالأسود لفوه، في الظلام دفنوه، لم يحضر أحد، فلا جنازة ولا تأبين ولا صلاة ولا فاتحة، لملموا العار الدفين، تخلصوا من جثته كأنهم يدرؤون عدوى مرض خطير.

حين ٱنقشعت الظلمة، انتبهت أنه ليس بقبر ٱبنها،  إلى أيهما ستسير !؟ قلبها يحترق، ممزقة الأوصال كمن شد إلى آلتين متعاكستين..
هامت طويلا بالمقبرة باحثة،  جثت بجانب القبر، خرج صوتها مغمغما وقد همت دموعها:
_ لماذا يا هاني!؟ لماذا..نحن لم نقصر بحقك !؟ لماذ !؟

في ليلة ٱكتمل فيها القمر، كانت مطاردة صعبة في ذلك الجبل الكثيف، تقدم بشجاعةوثبات،غير آبه بالردى، جملة واحدة تتردد على سمعه( فإما حياة وإما فلا)، يداه ضاغطة على السلاح، حين ٱنفجر اللغم وسطهم لم يصب،ولم يتوقف، واصل الملاحقة، يصيب أحدهم،يتقهقر، عندما صار على بعد أمتار منه، يتلقى رصاصتين غادرتين، تستقران بصدره، يترنح، يستجمع قوته، يضغط على الزناد، ينطلق وابل من الرصاص، جعل عدوه يهتز، يرفرف كورقة، يتهاويان بعين اللحظة، يزحف نحوه، يسمع حشرجة الموت، ولا يدري سر الرغبة الجامحة في رؤية وجهه، يسحب اللثام الأسود، تلتقي الأعين، تدوي صيحة حسام،  فتهتز لها الجبال هزا، ويتردد صداها في  كل مكان:
_ لاااااااااااا...أخي لاااااااااااا
ولليوم لم يتجرأ أحد على إخبار "عائشة" بالحقيقة...
***ا***
القراءة
العنوان
         "ليلة اكتمال القمر"
نحن إزاء عنوان لافت.
تركيبيا جاء العنوان معرفة بالإضافة. و المعرفة في الأصل تصلح للابتداء، فيكون بذلك القارئ ذلك المتعطش المتلهّف لما حدث، و ينتظر خبرا، فتكون القصّة إرواءً لتلك الغُلّة...
غير أنّه يمكن أن تكون أيضا للإخبار، و إنّما أمر ذلك عند رغبة الكاتب...
و بين "الليل" و "القمر و اكتماله" حكاية.
اللّيل هو تلك الحلكة و الظّلام الدامس... يملأ القلب رعبا باعتباره رمزا للأشباح و الأرواح المتمرّدة التي تنفلت من كل قيد...
هو في الحكايات الشعبية ملهم السّحرة، حيث تزداد قوّتهم مع اكتمال القمر في السماء.
و هو في الأسطورة إطار لفكرة الرّجل الذي يتحوّل إلى ذئب شرس مصّاص الدّماء، يجوب الشّوارع يبحث عن ضحاياه. و لمّا يطلع النّهار يعود إلى طبيعته البشريّة...

ولكنّ القمر بنوره في رأينا يبدّد حلكة اللّيل البهيم، و يضْحِى نبراسا هاديا لمن لا هادي له في الفجاج و البراري...
و لكلّ ذلك جاء العنوان في نظري مكتنز الدلالة، بقدر ما أعطى من معان أمسك عن أخرى، إذ جاء جملة مختزلة غير تامة شبه جملة. ولعمري هذا دليل  نجاحه، لأنّه شدّ القارئ إلى القصة و أحدث فيه حاجة ما.
***ا***
// الفكرة العامة //
القصة في فكرتها العامة صرخة ألم بحجم نكبة أمّ في فلذتيْ كبدها في ليلة واحدة، و في خطب واحد. و تتضاعف المأساة لمّا تكشف ثنايا السّرد عن هويّة المصروعين، الأخوين: هاني و حسام، و عن الظّروف التي صُرعا فيها و الغاية ...
كلّ ذلك ولا شكّ طبعا قلب أمّ ثكلى، و ضاعف من مأساتها، فعاشت تفاصيل "دراماتيكية" نجحت الكاتبة في نقلها إلينا بعدسة مصوّر محترف.

ولما كانت القصة منتوجا تخييلا ينحته الكاتب بما  تجود به قريحته الأدبية فإنه يمكن الفصل بين القصة بما هي حكاية/ خبر في أطر زمكانيّة محدّدة من جهة، و القصة باعتبارها خطابا بما توفّره اللّغة من آليات و أساليب.
***ا***
 1/ القصة-الخبر.
الحديث في هذ المجال يقودنا إلى الحديث عن مكونات الخبر باعتباره حكاية.
و لما كانت القصة القصيرة قصة الحدث الواحد/ الموقف الواحد و الشخصية الواحدة في إطار محدد فإنّه لابدّ من الحديث عن الشخصية الرئيسية: عائشة.
و عائشة اسم علم يتصل بالفعل عاش، يعيش، و المصدر عيش. و لا يخفى على أحد ما يشير إليه هذا الاسم من معاني الحياة في أحسن تجلّياتها. غير أن هذا ليس واقع الحال. فهذه الشّخصيّة حُشرت أوّل ما حشرت في فضاء زمكاني سالب لهذا المعنى. فلنُلقِ نظرة سريعة عليهما

في تلك الليلة الحالكة/ وسط الغرفة/ شوارع القرية المقفرة/ المقبرة/ بين القبور

و لا يخفى ما في هذا النظام من تدرّج من السّيّئ إلى الأسوإ. من مجرّد إيحاء بالضيق و الخوف ( في تلك الليلة الحالكة/ الغرفة) إلى الإيحاء بكل معاني الموت (المقبرة- بين القبور). فعائشة ليس لها من معاني الاسم إلّا مجرّد سراب بقيعة يحسبه القارئ ممتلئا حيويّة.
تخبرنا بداية السّرد بما عليه حالة عائشة من تأزّم، في ليلة افترسها فيها الأرق. و لذلك لمّا نفذ بصيص أمل من بين شقوق النافذة هرعت إليه.

( حين لاح لها بصيص نور من أفاريز النافذة الخشبية، غطته بشالها، وٱرتمت خارج الدار)

و هو تأزم ما انفكّ يتعاظم و يتعاظم. و قد زاد الزمكان من حدّة هذا التأزّم. فما كان أملًا، و لو في شكل "بصيص"، تحول إلى سراب و هي تذرع " شوارع القرية المقفرة"،  ثمّ إلى "قبر" دُفِن فيه الأمل نهائيّا. و يتحول القبر إلى قبور، و لاسيما قبرين خاصين: قبر حسام و هاني. هناك يبسط الموت كل سطوته. ألم و تمزّق يُطْبِقان على عائشة بكمّاشتين من فولاذٍ لا تستطيع منهما فكاكا.
 (تجري، وتجري بلا توقف..
تتعثر، تسقط، تتدحرج بالمنحدر الذي تراصت القبور عند سفحه).

 وهنا تتمزّق عائشة ألمًا
( يعلو عويلها ممزقا الصّمت الجاثم على المقبرة)
و يتضاعف هذا الإحساس و الشّعور لمّا يخالطه الشّك القاتل، حين تقف على حقيقة القبر الذي كانت تعانقه. لم تعد تدري أين قبر ابنها، لا بل لم تعد أصلا تعرف إلى أيّهما ستسير: أ إلى قبر هاني؟ أم إلى قبر حسام؟

(حين ٱنقشعت الظلمة، انتبهت أنه ليس بقبر ٱبنها،  إلى أيهما ستسير !؟ قلبها يحترق، ممزقة الأوصال كمن شُد إلى آلتين متعاكستين..).

لقد أبدعت الكاتبة في الغور عميقا في نفسية الشخصية و مشاعرها، فقد شبّهت ذلك بمن شُدَّ إلى آليتين، كل آلية تذهب بجزء من الجسد في حركة عكسيّة. و لنا أن نتصوّر حجم الآلم و المعاناة اللّذين تحسّ بهما الأم و هي تتذكّر مصرعهما و دفنهما في يوم واحد.
ولكن الشّخصيّة و بهذا الألم لم تكن في الواقع إلّا شبحا لأمّ تدرك ما يدور حولها. فقد بلغ بها الألم و المعاناة إلى حدّ فقدت فيه مداركها العقليّة السّليمة، فاختلطت عليها الأمور و تشابكت، فلم تعد تفرّق بين حقائق ما ترى و ما يجري في كثير من الأحيان.
مشهد أول:

قالت موجهة كلامها إلى الكلاب الشّاردة:
( ٱغربوا..أنتم السبب! يا كلاب.. ياخونة !)
التباس بين الكلاب باعتبارها معطى طبيعيّا موضوعيّا و الكلاب باعتبارها معطى متخيّلا-هاجسا.

مشهد ثان:
التباس بين ما تعتقده رضيعها الذي تركته في غرفتها، و بين الواقع: الوسادة التي كانت تحتضنها فعليّا.
(ترتمي على القبر، فتنفلت الوسادة من حضنها).

2-الخطاب.
الحديث في هذا الجانب يقودنا إلى الحديث عن السّرد و انتظامه في ارتباطه بالزمن. و يمكن ننتظر إليه من هذه المستويات.
        * التواتر:
يعرّف جينيت التواتر السردي بأنه درجة التواتر والتكرار القائمة بين الحكاية والقصة. و هنا يمكن الحديث عن جانبين رئيسيين:
         ـ السرد المفرد أو التفردي، هو أن يُروى مرة واحدة ما حدث مرة واحدة. و هي السّمة الغالبة على هذه القصة. فأغلب أحداثها وقع ذكرها في الخطاب مرّة واحدة كما وقعت فعليّا على أرض الواقع. فلم نجد تقريبا أحداثا يعاد ذكرها في مواطن مختلفة، إما من باب التذكير أو التأكيد أو التهويل... إلخ.
          ـ السرد التكرري: و هو أن يُروى مرات متعدّدة ما وقع مرة واحدة. أي أنّ ما وقع مرة واحدة في الحكاية، يعاد تكراره في مستوى القصة. هذه التقنية لا نكاد نعثر لها على أثر تقريبا. إذ اكتفت الكاتبة بالطريقة التقليدية البسيطة لذكر الأحداث، و لربما هذا مما جعل القصة تصل إلى القارئ بيسر فلا تحدث فيه خلخلة جرّاء التكرار الممل لمواقف أو أحداث بعينها دون توظيف حقيقي عملي أحيانا.
          ب- المدّة.
و يتعلق الأمر في هذا المستوى بدراسة الزمن في علاقة بين الحكاية والقصة.
* الوقفة: وتتحقق هذه الصيغة عادة بإبطاء السرد من خلال الوصف، ويكون فيها زمن القصة أكبر من زمن الحكاية.
لا تبدو هذه التقنية مستعملة بكثرة، حيث لا نجد مقاطع وصفية معطلة للسرد، و إن حظرت الوقفة فهي في حدودها الدنيا، في تراكيب غير مستقلة في أغلب الأحيان، و لعل هذا مفهوم بما أنها قصة قصيرة تنحو نحو تسريع الأحداث وصولا إلى الغاية و هي لحظة التنوير.
      * المشهد: و هنا تبدو العلاقة الزمنية القائمة في المشهد مساوية للقيمة الزمنية في الحكاية. و هذا ما اعتمدت عليه أساسا الكاتبة في كثير من المقاطع كانت تنقل لنا الأحداث نقلا مشهديا، حتى لكأن القصة تتحول إلى عدسة كاميرا تنقل بأمانة كل ما يحدث بكل تفصيل، كما في المقاطع الحوارية المختلفة، أو في غيرها من الأحداث، مثل هذا المشهد:

(تجري، وتجري بلا توقف..
تتعثر، تسقط، تتدحرج بالمنحدر الذي تراصت القبور عند سفحه ، ويتدحرج رضيعها أمامها)
        *  الحذف: و يُعني به القفز على مراحل زمنية تطول أو تقصر متصلة بالحكاية حسب حاجة الكاتب. ونجد لهذه التقنية صدى لها في موضعين على الأقل.
أما الأول فيتعلق بالحديث عن دفن الأخوين هاني و حسام في يوم واحد، أحدهما دفن
(  والشمس وهاجة، وسط موكب مهيب من العسكريين والساسة، النياشين تزين صدره...)
في حين أن الآخر دفن
( في الليل الحالك ....  بالأسود لفوه، في الظلام دفنوه، لم يحضر أحد...).

 مقطعان هامان من ركائز الحبكة الدرامية في هذه القصة. فقد حذفت القاصة كل الأحداث الأخرى، و انتقت هذين المقطعين لأثرهما البيّن في البناء الدرامي للقصة. إذ يُلقَى الضوء من خلالهما على شخصيتي الأخوين و مكانتهما تبعا لأعمال كليهما منطقيا.
و أما الثاني فيتعلق بحادثة مصرعيهما معا ليلة اكتمال القمر، و سكتت عما قبلها من أحداث مهدت لهذه الحادثة. و قد استغلت القاصة هذا المشهد كلحظة تنوير أنار كل ما سبقه من أحداث أوصلت الأم إلى الجنون.

* الترتيب:
و يُعنَي به نظام ترتيب الأحداث في الخطاب السردي في مقابل ترتيب ظهورها الحقيقي في القصة، وكل عدم تطابق بينهما يُنتج انحرافا زمنيا.
وقد قسم جينيت المفارقات الزمنية إلى قسمين هما:
   أ. الاستباق: وهو كل إعلام وتنبؤ بما هو قادم من الزمن.
لا نجد لهذه التقنية صدى في القصة. فلم تكن الحاجة إليها متوفرة لذلك استغنت عنها الكاتبة.
    ب. الاسترجاع: وهو كل تذكر أو استرجاع لما حدث قبل اللحظة التي وصل إليها السرد.
أمّا هذه، فنراها عماد القصة القصة كلها.

تكشفت اللفتة الأولى إلى الوراء (أحداث الدفن لكلا الأخوين) مدى التقابل الكبير بين الأحداث المتعلق بكليهما، و هو ما يبرز قيمة الشخصيتين.
أحدهما مثال للشرف و الرفعة... و أما الثاني فهو مثال للعار و الفضيحة... كأنه مرض وجب التخلص منه سريعا.

أما الثانية ( مشهد المطاردة و مصرع الأخوين) فهي المفتاح الذي فتح كل المغاليق، فأجابت عن كثير من الأسئلة التي بقيت عالقة، لذلك لا جَرَم أنها في رأينا هي لحظة التنوير..
***ا***
انزياح الصورة/ الكاتب المتخفّي

من بين ما يسترعي الانتباه في هذه القصة القصيرة بشكل لافت هذان المقطعان:

( تظهر أمامها كلاب سائبة، تنهرها ملقية عليها الحجارة تلو الأخرى .
_ ارحلوا...ارحلوا..الله يلعنكم يا كلاب!
تفر الكلاب لكنها تواصل موجة السب واللعن:
_ ٱغربوا..أنتم السبب! يا كلاب.. ياخونة !)
و
 ( تلتفت للخلف، تدفع بيدها الهواء بحركات متواترة:
_ ابعدوا..ابعدوا يا أولاد الكلب يا فجرة.. لن تقتلوه..ابعد...ابعدوووووا)
من الوهلة الأولى يبدو المشهد عاديا لا يثير اهتماما. و لكن فيه من القرائن ما يخرجه عن استعمال الدّوال لغير ما وضعت له أصلا. فالكلاب لم تعد كلابا.
من بين النظريات المتعلقة ب"القضايا الإرهابية" التي راجت في هذا العصر نظرية "الذئاب المنفردة"، و هي عبارة عن فلول للمجموعات الإرهابية التي وقع القضاء عليها أو تشتيتها، بلا قائد، قد تكون من عنصر أو عنصرين او أكثر بقليل... مهمتها الضرب في أي مكان و زمان انتقاما للمجموعة.

ف"عائشة" هنا و هي توجه كلامها إلى الكلاب إنما توجهه إلى تلك العناصر الإرهابية التي انتزعت منها أغلى ما عندها فلذتي كبدها: هاني و حسام. فإذا كان أحدهما قد وقع "التغرير به" فاصبح إرهابيا، فإن الثاني ذهب ضحية هذا الإرهاب لما تلقى رصاصات غادرة لحظة المطاردة. و هنا نسأل:" هل المتحدث فعلا عائشة؟ أم ما بقي من بصيص إدراك بعد الجنون الذي أصابها في صحو مؤقت؟ أم شخص آخر؟
و هنا في رأيي تتدخل سطوة الكاتب الذي مهما حاول أن يترك للسارد مهمة السرد حتى يتسلح بحيادية مزعومة، فإنه واقع لا محالة في المحذور، إن عمدا أو دون قصد. فلا نظن صوت "عائشة" في الواقع إلا وعاء لصوت الكاتبة نفسها، يعبر بشكل أو بآخر عن موقفها من هذه القضايا بطريقة خفية ولكنها ذكية، لا خوفا و إنما بطريقة الرسالة الأدبية التي تبتعد عن "المباشرتية" الفجّة.

و عودة إلى العنوان" ليلة اكتمال القمر"، تلك الليلة التي "يستذئب" فيها الإنسان، فيتحول إلى ذئب مصّاص للدّماء يبحث عن ضحاياه، فنكتشف أن أحد تلك "الذئاب المنفردة" قد خانته الأسطورة و لم يخرج ظافرا، بل لقي مصرعه. و هنا يأتي معنى آخر من معاني العنوان و هو بداية تبدّد الظلمة الحالكة باكتمال القمر، و إن كان الثمن غاليا: ضياع أخ فارسٍ من فوارس الوطن، و ضياع عقل أمّ ثكلى تمزقت بين فلذتي كبدها.

في النهاية هو نص رائع يعالج قضية الإرهاب من زاوية محددة.
كل الاحترام لهذا القلم المميز، الكاتبة هادية حساني.
***ا****
تبقى هذه القراءة ذاتية طبعا لا تلغي قراءات أخرى.

************************************************

قراءة عميقة رائعة صال وجال اديبنا القدير في ربوع النص باقتدار واضح .. دام التميز والتألق   اديبنا القدير ا. Jamai Jowamaâ .. 
نص رائع لاديبة متألقة.. 
دام التميز والإبداع اديبتنا المبدعة  أ. Hedia Hassani


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم