موسم الجفاف - بقلم الأديب/ محمد شداد - السودان

بقلم  الأديب/ محمد شداد
- السودان



مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

**********************************************
موسم الجفاف
**************
عند ساعات الفجر الأولى المتوشحة بقليلٍ من الغلس، توقفت سيارة الأجرة أمام داره، أطفأ السائق المصابيح، سمعت سلمى هدير المحرك، أطلت بوجهها المشرق من خلال بابهم القابع في نهاية الشارع.
خرجت خلسةً، أيقنت بحقيقة سفره الذي قد يطول، هطلت غيوم الحزن عليها، بللتها حتى كادت أن لا تدع لها مرسح للفرح.
رآها تشير إليه من بعيد أثناء حديثه مع السائق، مضى نحوها، إقترب ، مدّت إليه بوريقةٍ كانت قد طوتها عن الأنظار الطفيلية التي تتسلق أعناق الآخرين!
ثم ودعته قبل أن يراها أحد، قفلت الى البيت مسرعةً الخطى.
لم ينتظر طويلاً، بشوقٍ فضّ الرسالة، كاد أن يسمع نبرات صوتها الحزين من خلال حروفها...
بعدك سأظل وحيدة...
أناجي أطلال الذكريات
كي أشدو و أغني...
 للهوى ألحان الخلود
و من فرط شوقي و عشقي إليك...
أرنو و أنتظر...
كل عمري حتى تعود!
تلك كانت همسات سلمى الأخيرة، يوم غادر خالد المدينة الى دياجير الغربة من أجل تحقيق حلمهما الجميل.
مضت الاعوام و خالد ما يزال في غربته، يردد في نفسه كلما رأى في محلات العرض الزجاجية الراقية،مصوغة ذهبية او ثوب حرير  ناعم الملمس:
- هذا لا يليق الا بسلمى!
و يوم أنقشع الضباب و بان القمر بهياً مكتملاً، سارع خالد ليتسلق شجرة الأمل و يعدو فوق كل المتاريس السابقة لتطئ قدماه أرض سلمى التي تفوح منها رائحة العشق و اللقيا ... و الفرح الأبيض المنتظر!
في الصباح ، لم يجدها، تركت له رسالة مع إحدى صديقاتها، تبلدت اللحظة، إزدادت نبضات قلبه، اعتراه وجوم و صمت! قالت:
خالد...
لا تلمني فأنا حقاً أحبك لكن...
خشيت أن لا ألحق بقطار الأمومة،
فقد طال إنتظاري ...
أنت مهما كان عمرك، فلن يجف حقلك، يوماً بلا شك ستنبت لك سنبلة قمحٍ ، أما أنا، فعندما تجف أرضي فلن ينفع الغيث و إن هطل ... سامحني، أنا أتوق لطفلةٍ أو طفل يؤانس وحشتي و يترك لي ذكرى بعد الرحيل!
أوعدك ...
أول طفل لي ذكرٌ سأسميه (خالد)
لم يصدق فحوى الرسالة، تمعن فيها ملياً، و من ثم مضى تائهاً في طرقات المدينة يسأل المارة عن سلمى !
********************************************

نص جميل بسيط يستحق القراءة ببساطة اسلوبه وجمال معانيه، دام الإبداع والتميز أديبنا المتألق، موفق دائما ان شاء ألله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم