موجز .. عن أدب السّيرة الذاتية - مجموعة مقالات- بقلم الشاعر / عبد الناصر ابو بكر - مصر

بقلم الشاعر/ عبد الناصر ابو بكر
- مصر


المقال هو فن نثري يقوم فيه الكاتب بعرض فكرة أو قضية أو موضوع ما بطريقة منظمة محببة للقاريء على أسس معينة 
ويستطيع الكاتب الكتابة في أي موضوع فليس للمقال موضوع محدد،  ولا يستطيع  التوسع في الموضوع إنما يقتصر على فكرة معينة أو قضية محددة،
والمقال قد يكون
- مقالا ذاتيا 
- أو مقالا موضوعيا. 

أجزاء المقال: 
- المقدمة
- العرض 
- الخاتمة 
خصائصه: 
أن يكون سهل الأسلوب دقيق العبارات حسن التنسيق وأن يوظف كاتبه حججه وبراهينه لتوصيل وجهة نظره، تناسق المقال مهم بحيث لا يفلت من الكاتب مفتاح المقال، ولا بد أن يكون المقال واضح المقدمة ثم عرض الموضوع أو الفكرة ثم الخاتمة والتي بها ينتهي المقال.

وعلى هذا يكون المقال فنا مهما يبرع فيه المتمكنون.. 

إلى هذا المقال:

************************************************

1-
موجز .. عن أدب السّيرة الذاتية
---------------------------------
يقول النَّاس: إنَّ السّيرة في اللغة: هي الطريقة أو السُّنة, وفي الاصطلاح: هي بحث يقدم فيها الكاتب حياته, أو حياة أحد الأعلام المشهورين، ويبرز فيها المنجزات التي تحققت في حياته, أو حياة المتحدث عنه"
 ولا شك في أنّ السّيرة الذاتية الأدبية هي فن من فنون الأدب الراقي, الرَّقراق, الرائج, الذي يصادف هوى في نفس القارئ, ويشبع غريزة الساعين إلى كشف المستور من حياة المشهورين من العلماء, والمخترعين, والفنّانين, والأدباء, ونجوم الألعاب الرياضية المختلفة, وهي أيضا ترجمة ذاتية لحياة الشخص الذي كتبها بنفسه, وصاغها بأسلوب أدبي بليغ يخلو من التعقيد والغموض, ونقل من خلالها تجاربه الحياتية للآخرين بهدف الاستفادة من تلك التجارب, والاستمتاع بنصٍّ أدبي جيدٍ يخلو من  السَّفسطة والغموض, ويبتعد عن المبالغة في تضخيم الذَّات.
 السّيرة الذاتية تكون موافقة للسبب الذي كُتبت من أجله, فهناك السّيرة الذاتية الأدبية, وهي فنٌّ من فنون الكتابة النثرية كالقصّة والرِّواية, وهناك السّيرة الذاتية الوظيفية.. وهي التي يتطلبها المجال الوظيفي كالمؤهلات الدِّراسية, والمهارات الفردية, والخبرات التي يتمتع بها الشخص المتقدم لشغل الوظيفة.
 تتميز السّيرة الذاتية الأدبية عن السّيرة الوظيفية بالأسلوب الأدبي الخيالي القصصي, وتبتعد كل البُعد عن الرتابة والملل أثناء سرد الأحداث الشخصية, وللكاتب أنْ يضع كتاباً خاصاً بسيرته الذاتية كما هو شائع ومعروف, وله أنْ يطرح سيرته أرضاً من خلال أعماله الرّوائية بأسلوب فلسفي عميق كما فعل نجيب محفوظ مثلاً, ولصاحب السّيرة أن يكون بسيطاً في أسلوبه كما فعل أحمد أمين في كتابه ( حياتي ) وله أن يكون جبّاراً في طرحه كما صنع العقّاد في كتابه ( أنا ), ويرى البعض أنّ المذكّرات الشخصية واليوميات هي أيضاً تمثل لوناً من ألوان السّير الذاتية, أو هي التي مهّدت لهذا اللون من ألوان الكتابة النثرية الأدبية على أقل تقدير,
وهناك السّيرة (الغيرية ) التي يكتبها شخص عن حياة غيره كما هو واضح من المصطلح الذي يشرح نفسه, وتُعدُّ السّيرة النبوية الشَّريفة من أشهر السّير الغيرية وأقدمها على الإطلاق من حيث اكتمال بناء النصِّ, والدِّقة في جمع المعلومات, ورصد الحركات والسكنات, وتسجيل الأقوال دون تحريف, وتنزيه الأفعال من كل عيب, ولأن جوانب العظمة في شخص المصطفى -صلى الله عليه وسلم - كانت أكبر من أنْ يبيّنها للناس كاتبٌ واحدٌ مهما أوتي من الفصاحة والبيان .. فقد جرّد مئات الكُتّاب والمفكّرين أقلامهم, وشحذوا هِمَمهم, وعكفوا في محاريب البوح الصّادق الذي يتناسب مع شرف النّبوة,ومع سيرة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
يرى الباحثون في أدب السّيرة الذّاتية أنَّ (الرحلة الأصعب ) لفدوى طوقان, (والبئر الأولى) لجبرا إبراهيم جبرا .. تعدُّ من أشهر السّير الذاتية الأدبية في العصر الحديث, كما أنّ من أوائل السّير الذاتية غير العربية كانت ( اعترافات) جان جاك روسّو التي لاقت قبولاً في القارة الأوربية, وخارجها, وقد ساهم ذلك الكتاب في تحريك مشاعر القرَّاء نحو المكاشفة, ومحاسبة النفس كما يزعمون, وقد انتقل أدب السّيرة الذاتية إلى العربية على يد الدكتور/ طه حسين من خلال كتابه ( الأيام ) كما يرى بعض أهل الاختصاص, بينما يرى آخرون أنّ السيرة الذاتية أقدم من ذلك بكثير, وأن ميلادها كان في العصر الجاهلي, وليس في العصر الحديث, وأنّ معلّقات شعراء الجاهلية كانت لوناً من ألوان السّير الذاتية للقبيلة, وقد قال الشاعر ما قاله عن تلك الشخصية الاعتبارية بالإنابة عن كل بطون القبيلة وأفخاذها, وعن نفسه أيضا على اعتباره من مكوناتها, والحقيقة أنّ السّيرة الذاتية في العصر الحديث لم يكن طه حسين هو رائدها وحاديها, وأنّ كتاب تخليص الإبريز لرفاعى الطهطاوي يعتبر من الكُتب الأساسية في فن السيرة الذاتية, وقد كان ذلك أسبق من كتاب الأيام في الظهور, ومن المؤكد أن ّ السيرة الغيرية التي سجلت الوقائع والأيام للشخصيات المؤثرة  في تاريخ الإنسانية كانت الأسبق في الظهور, والأرسخ في الأقدام من السّير الذاتية كلها.. وذلك يؤكّده الكلام السابق عن السّيرة النبوية الغيرية التي لم يخُطّها النَّبي الأمّي بيمينه.

************************************************

2-  القراءة لآل صِدّيق
والبناء لآل عزام
-------------------
تشتهر عائلة آل عزام بالهندسة المدنية, وبعمارة البيوت في محافظة أسوان على وجه الخصوص, ولا تخلو قرية من قرى  المحافظة من بصمة لتلك العائلة الكبيرة التي تتقن الصَّنعة, وتضبط الحائط بدون استخدام الخيط والميزان, وتصنع الشَّربات من الفسيخ.
  لم تزل الألسنة تلهج بسيرة الرَّعيل الأول من آل عزام, وتنزلهم منازلهم, وتشهد لهم بالهندسة في رفع القواعد, واستقامة الجُّدران, وحسن استغلال المساحات الضّيّقة في تقسيم الغُرف, وفي دوران السَّلالم.. ومن أشهر هؤلاء البنَّائين كان الراحل / حسين عزام .. والراحل/ حسن عزام , والراحل / يوسف عزام , والراحل علي عزام, والراحل/ محمد بشير عزام ,والراحل حامد عزام, والراحل / محمد السيد عزام, والراحل / بكري عزام, والراحل/ محمود عزام, والراحل إبراهيم عزام .. وللأخير ممن تم ذكرهم قصة طريفة ربما كانت من وحي الخيال ولكنَّها تدلُّ على الشهرة الواسعة التي حققتها تلك العائلة الموهوبة .. تقول الأقصوصة إنَّ والدة الحاج/ إبراهيم عزام عندما رأت الكعبة لأول مرة أقسمت بالله إنَّ الذي رفع قواعدها هو ولدها إبراهيم عزام, وليس الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ومن الحكم والأمثال أيضا كان لهذه العائلة نصيبها الذي يؤكد على مهارتهم في الصنعة, وتفوقهم على أبناء الكار.. يقول القائل:
" التجويد لآل صدّيق, والبناء لآل عزام ".. والعبارة باللهجة الدَّارجة التي قيلت بها كانت كالآتي: " القراية لناس اب صدّيق, والبناية للعزازيم "ومن الجَّدير بالذِّكر أنّ صاحب تلك المقولة هو الراحل / جادو عبدالجواد شاهين, وهو من الظرفاء المشهود لهم بتسديد الرَّمية, وبسرعة البديهة, وبموافقة الكلام لمقتضى الحال.
مازالت تلك العائلة تمارس صنعة الآباء والأجداد,ومنهم من احترف مهنة أخرى غير البناء, ولكنها تتعلق بعمارة البيوت أيضاً كالعمل في الأسقف الخرسانية التي احترفها أبناء الراحل/ حسين عزام, وفي أعمال السباكة ,والأرضيات التي نبغ فيها أل الزّعيم عزام مثلاً.. ومن أشهرهم عبدالحميد عزام, وعبدالباسط عزام, والشّبل الموهوب طارق عزام.
من الطرائف الخاصة بالرَّاحل حسين عزام كانت تلك الواقعة التي تخلّص فيها ذلك الرجل من أكواب الشاي الصغيرة التي كانت تسمّى بأكواب( ياسين ) نسبة لصاحب المصنع, ومن المعروف أنّ البنّائين يُكثرون من شراب الشاي أثناء البناء لتعويض ما يفقدونه من الأملاح المعدنية أثناء العمل تحت لهيب الشمس, وأثناء عمله في إحدى البيوت كان صاحب البيت يقدّم له الشاي في تلك الأكواب الصغيرة التي لا يقتنع بها, ولا يتكيّف منها, فقرر التخلص من تلك الأكواب في قلب الجدار كلما شرب واحدة منها,كان يُفسح للكوب مكاناً بين اللبنات, ثم يواريه بالطين, ليصبح جزءاً من مكونات الجدار,ويختفي ذلك الكوب إلى الأبد, ولا يعرف الذُّباب الأزرق له طريقا, وكان صاحب البيت يبحث عن أكوابه المفقودة كل ساعة دون جدوى, فيقوم بتقديم البديل له في الوجبة التالية, حتى نفدت كل أكوابه الصغيرة, واضطر إلى شراء أكواب جديدة ذات حجم كبير.
تشتهر عائلة آل عزام أيضا بالمظهر الحّسَن,وبالكرم الحاتمي, وبالعطور الفرنسية, وبتدليل النّفس تحت أي ظرف من الظروف, كما تشتهر بالمرح والدّعابة وسماع الأغاني القديمة, ولا تهتم تلك العائلة باكتناز الأموال, والعقارات, ولا تبالغ في الأحزان, وتعطي الأفراح مساحات كبيرة من وقتها الثّمين.

**************************************************

3-   كسير القصب
---------------
في نهايات العقد السادس من القرن العشرين عرفت قريتنا زراعة قصب السكّر, وتلاشت بذلك زراعات الحبوب والخضروات, والتحق بعض أبناء القرية بالعمل في مصانع السُّكر, وعرفوا الورديات, والمواسم, والحوافز, والأرباح, واندهشوا من البنايات المُرتّبة النظيفة, والشوارع الواسعة المرصوفة في المُستعمرة.
لم نشهد نحن الحقبة التي كان يمارس فيها آباؤنا زراعة الذُّرة الرفيعة والشّامية, والقمح, والشعير, والفول, والعدس, والحُمص, والفاصوليا البيضاء, وجميع الخضروات .. كانت تلك المحاصيل تُزرع في جنوب صعيد مصر أيام فيضان النيل, وقبل بناء السَّدّ العالي, وعندما انتهت ( الغرقة ) أي الفيضان الذي كان يُغرق البيوت والحقول .. عرف الناس الاستقرار, وتحكّموا في مواعيد الحصاد,وأدخلوا أنواع جديدة من المحاصيل, وفقدوا أيضاً الطّمي الذي كان يُخصِّب التربة, واختفت التّجمّعات المائية في الأماكن المنخفضة بدروب القرية وأزقّتها, فيما كان يُعرف باسم ( النَّزّة ) وتم بناء مصانع السُّكّر أثناء الثورة الصّناعية التي حدثت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر, والتزم الناس بزراعة القصب, وعرفنا نحن سلالاته ( س9 - ذراع القطّ – الخشابي ) وأنا لا أعرف حتى اللحظة هل كانت تلك المُسَمّيات في حينها مُسَمّيات علمية, أم هي اجتهادية, ومن وحي الخيال.
سمعنا الكثير من الحكايات عن الفيضان الذي كان يُحيط بالناس في مواسمه, ويضطرهم إلى جمع كيزان الذرة وهم فوق ظهور القوارب, وعرفنا من خلالهم كيف يكون الناس بالقرية على قلب رجلٍ واحدٍ أثناء الفيضان, وكيف كانت تُقام السّدود التُّرابية على مداخل القرية لكبح جموح المياه,
كان ذلك قبل أن تعرف القرية محصول قصب السُّكر الذي صبغ عقول الناس بلون من الثقافة لم تكن تعرفه,
بدخول القرية في عصر زراعة القصب ظهر فريق العمل الخاص بنقل القصب على ظهور الإبل من الغيطان إلى ساحل النّيل فيما يُعرف باسم ( الجَّمّالة ) ومن ساحل النيل يقوم بشحن القصب في العربات المرقّمة في الصندل التابع للمصنع فريق آخر يسمى ( بالشّحّانة) وقبل هؤلاء وهؤلاء فريق الكسَّارة, وذلك الفريق يختلف عن سابقيه بأنه يعمل بلا أجر نقدي, ويكتفي برقاب القصب التي فصلها عن عيدانه, والتي كان يعتمد عليها اعتماداً كليا في تغذية مواشيه.
في المراحل الأولى لنمو القصب كان يَمُرّ نباته بمرحلة السَّرولة ( نزع الأوراق اليابسة من سيقانه) وذلك كان يسبق تسميد المحصول للمَرّة الثانية, ويأتي بعد حرق المخلّفات الناتجة عن محصول العام الماضي,

  وتفتيح السَّرايب ( القنوات التي تكون على جانبيها جذور القصب).
بعد أن تشتدّ أعواد القصب تكون حقوله مسرحاً للهو المُباح بالنسبة للأطفال, وللأفعال القبيحة من بعض المراهقين,  وللعمل الشاقّ المرهق بالنسبة للسّواد الأعظم من سكان القرية.
أثناء جمع أوراق القصب في عِزّ الصيف كان الواحد مِنّا ينزف عرقاً, وتبتل ملابسه الرثة, وتلتصق بجسمه النحيف, ويختفي الأكسجين من حوله تماماً, وكأنه قد تجاوز الغلاف الجوي المهيأ لحياة الكائنات الحية, ورحل إلى كوكبٍ آخر لا يستطيع فيه القيام بعمليات الشّهيق والزفير.
بعد الحصول على حزمة أوراق القصب يخرج الناس على تلك الهيئة وقد انتابهم شعور الفاتحين, وبمجرد وضع تلك الحزمة تحت أقدام المواشي والحمير .. يلقون بأجسامهم التي فقدت كميات هائلة من الأملاح المعدنية في التِّرعة لتبريد الأجهزة السّاخنة.

*********

تابع  كسير القصب ..
كعادة المجتمعات الزراعية في أرجاء المحروسة.. ينتظر المزارعون في نجوع القرية -على أحرّ من الجمر- موسم حصاد القصب وتصديره ,ومازال البعض يَضرب مواعيد زواج العيال في أيام صرف الدُّفعة الأولى من ثمن المحصول, والتي يُحدّدها المصنع وفقاً لظروفه كل عام, ويُرجئ البعض أعراسهم إلى أيام صرف التَّصافي  للوفاء بالالتزامات المتراكمة,ولتحقيق الآمال المؤجّلة.
يختلف محصول القصب عن غيره من المحاصيل الفصلية التي يجني الفلاح ثمارها أكثر من موسم في العام الواحد, ولذلك تتراكم على مزارعي القصب الدِّيون المُستحقّة خلال السّنة الطويلة إذا كان اعتماده على ذلك المحصول اعتمادا كُلّيا, وليس لديه موارد أخرى لزيادة دخل الأسرة, وتحسين مستواها المعيشي, والحقيقة التي لا مِراء فيها هي أنّ مزارعي القصب حقوقهم مهضومة, ومنتجهم يُباع للمصانع بأسعار زهيدة لا تتناسب مع أهمّيّة ذلك النوع من المحاصيل الاستراتيجية التي تقوم عليها العديد من الصِّناعات النوعية كالسُّكر والعسل والأخشاب والعطور والورق, ومن المؤكّد أنَّ كل ما يتقاضاه الفلاح  من المصنع لا يعادل ثمن قشر القصب الذي تم توريده.
يقول الشاعر والصّديق/ أحمد مدني في ذلك الصدد:
"واستكمالا لما يعانيه مزارعى القصب وغيره من المحاصيل الزراعية  نشير إلى سوء نوعية الأسمدة التى تباع لهم عن طريق الاتحاد التعاونى, والجمعيات الزراعية فسماد اليوريا وهو أكثرها انتشارا أغلقت مصانعه فى جميع أنحاء العالم إلا فى مصر, ولك أن تبحث عن سماد اليوريا في المواقع المختلفة في العالم الافتراضي لتعرف كم المصائب التى يسببها للإنسان وللحيوان وللنبات, فضلا عن أنه لا يساعد النبات على النمو الطبيعي ولكنه يعمل على تضخيم المجموع الخضرى للنبات.. فيظن المزارع أن النباتات قد كبرت, وفى الحقيقة أن ما يراه المزارع ليس إلّا نفخة كاذبة للنبات ليس من وراءها ثمرة ".
تجزَّأت الملكية للأراضي الزراعية بالقرية وتفتتت المساحات الكبيرة, وأصبح ما يملكه الفلاح من أرضٍ زراعية لا يتعدّى بضعة قراريط .. باستثناء بعض العائلات التي كانت تستحوذ على مساحاتٍ كبيرة في زمام القرية, وبذلك أصبح محصول القصب عاجزاً عن تحقيق آمال صغار الفلاحين, وانصرف في الآونة الأخيرة معظم الفلاحين عن زراعته, واستبدلوه بغابات المانجو التي جارت على الإنسان والحيوان, فهي ليست بالغذاء الذي يغني عن جوع, ولا هي بالتي يجوز زراعة الخضروات والبرسيم تحت أشجارها التي تحجب أشعّة الشّمس عن الطّين, فتُصاب الأرض بالأوبئة, وتزحف في شقوقها الحشرات الضّارة.. وتقلّصت بذلك المساحات التي كانت تُزرع بالحبوب, فلا تبن للمواشي, ولا حِنطة لبطون الناس.

***********

تابع .. كسير القصب
--------------------
كل من بالقرية شارك بشكلٍ أو بآخر في مواسم حصاد القصب, يتساوى في ذلك الغني والفقير,والمالك والمستأجر, والصغير والكبير, فمالك حقل القصب يباشر ( الكسير ) حفاظاً على ماله, ومن لا يملك الأرض يتعايش مع موسم الحصاد لإطعام مواشيه من قلواح القصب, والأنفار ينتظرون حلول الموسم ليتكسّبوا من شحن القصب في عربات الصّندل, ومن نقله إلى ساحل النيل بالجمال, وبعربات الكارّو, والأطفال يفرحون بموسم كسير القصب لتوافر الأعواد في الحقول وفي الدّروب, وتحت أرجل الحمير, وليس هناك من لا يُعير موسم حصاد  القصب اهتماماً, وحتى بعد تصدير محصول القصب إلى المصنع تظلُّ العلاقة بين حقوله وبين الناس قائمة من خلال جمع قِطَع القصب المختبئة تحت القشّ لإطعام الدواب والأنعام, ومن خلال جمع جذوره بعد الحرث لاستخدامها كمصدر للطاقة, وتلك الجذور كانت تُسمى بالكعروب, كما كانت رقابه تحمل لقب القلواح أو القلوح,
 وتنتشر كلمة ( قلوح) في قرى محافظة قنا, بينما يتم تحريف الكلمة قليلاً عند وصولها إلى أسوان لتصبح
 ( قلواح ) كما أنّ حصاد القصب كان ولم يزل يسمى بالكسير, ولمسرح حصاد القصب الكثير من المصطلحات الخاصة به
( الفرش – الكوم –الطورية – التعويم – البوّال – السّفير – البورة – السّوقة )
سبق وأن تناولنا حكاية المساحات الزّراعية التي ضاقت على أهلها, وكيف هي لا تحقق الاكتفاء الذاتي من الحبوب, ومن الأعلاف, ولا يستغرق بطبيعة الحال أصحاب تلك الحقول أياماً كثيرة في توريد القصب إلى المصنع, فمنهم من لا يُورّد غير عربة أو عربتين, والقليل من فلاحي القرية من  يمتلك الآن فدّاناً كاملا, ولذلك ظلت هناك فجوة بين عدد المواشي وبين مساحة الأرض, فكل من بالقرية يمتلك الماشية, وليس كل من بالقرية يمتلك الأرض, وتلك الفجوة تسببت في إذلال الفقراء أثناء رحلة البحث عن الغذاء المناسب للمواشي, وكان لزاماً على هؤلاء المساكين أن يعتمدوا على حقول المُلّاك في الحصول على الحشائش, وعلى أوراق القصب لإطعام ما يملكون من دواب, وأن يهاجموا حقول المستأجرين قبل إلغاء قانون الإصلاح الزّراعي لنفس الغرض.
المشهد الأهم من بين مشاهد المسرحية الواقعية لكسير القصب.. كان مشهد ذهاب أصحاب حظائر الماشية إلى هناك بالحمير ليعودوا بحمل حمار من القلواح .. بعد بذل مجهود خُرافي يخدم صاحب الحقل قبل أن يعود عليهم بالنفع, ولا أذيع سرّا باعترافي وإقراري بأنني مارست ذلك النشاط المألوف, وبأنني أسرجت حماري, وتسلّحت بالفأس الصغير, وحصلت على أكثر من ألف حزمةٍ من القلواح في تلك الأيام, وتبقى الذكريات الأليمة لرحلة الطفولة إلى مسرح كسير القصب تقليداً للكبار, وطمعاً في إرضاء العائل, ساعتها استأذنت صاحب الحقل في الحصول على حزمة من القلواح لإطعام بقرتي, فسمح لي بعد أخذ وردّ, وبعد أن تلا عليّ التعليمات الخاصة بإنجاز العمل بشكلٍ صحيح, وحذّرني من الوقوع في المحظور.
حرصت كل الحرص على إطاعة الأوامر, وعلى تنفيذ التعليمات اتقاءً لشرّ ذلك الرّجل المتأهّب للشتيمة, والمُستعدّ لقِلّة القيمة, فأثناء الكسير كان يمرّ على العاملين بحقله مقابل حزمة القلواح, ويقول لهم بلهجة صارمة: " على الأرض ياد انت وهوّه ".. أي اضرب الفأس في أسفل العود, ولا تترك كعباً من كعوبه في القعر, وأثناء جمع أعواد القصب عليه أن يذكّر العاملين بطريقة تشوين المحصول قائلاً: " أعمل كوم يا واد انت وهوّه .. واللي حيعمل فرش مش حياخد قلواحة واحدة.. أهيني نبهت عليكم وخلاص "  والكوم يمكّن العامل من نظافة العود, والفرش يظل العود فيه على حالته, وأثناء فصل رقاب القصب عليه أن يذكّر العمال بنظافة العيدان, وبالتّعويم, والتّعويم هُنا معناه ألا تكسر كعباً  أثناء القلوحة, وتضمّه إلى حزمة ذلك القّش الأخضر, وأن يكون قطع رقاب العيدان عند نهاية آخر كعبٍ للعود.
هناك من أصحاب الحقول من كان لديه شيء من الأخلاق الحميدة, ومن الطّباع الحسنة, فكان يلقي على العاملين بيانه بأدبٍ وهدوءٍ يحفظ لهم كرامتهم.. كأنْ يقول مثلاً:
"خُد السَّفيرة الطويلة يا سيد عمك وانت بتقلوح ".
لم أكن أعلم أنّ صاحب الحقل كان يراقبني عن كثب .. وأنا منهمك في فصل الرقاب, وفجأة أحدث العود صوتاً وأنا أقطع رقبته, وكان ذلك الصوت يعني أنني كسرتُ كعباً مع القلواحة دون قصد, أو بقصد, المُهمّ أن المصيبة قد وقعت, وقد كانت على مسمعٍ ومرأى من صاحب الحقل, وما كان منه فور سماعه لأنين العود إلا أن قال: " الله يكسر رقبتك يا بعيد.. عليّا الحرام ما حتاخد قلواحة, ولا توريني وشّك تاني  هنا".
بذلك ضاع الأمل في تحقيق ما كنت أحلم بالحصول عليه, ولم أتمكن من العودة بحزمة القلواح على ظهر الحمار, ولم أعتلِ تلك الحزمة أثناء سير الحمار من مسرح الكسير إلى حظيرة المواشي .. وأنا أعصر في جوفي الظامئ عوداً طويلاً من أعواد القصب.

************


تابع .. كسير القصب
----------------------
المشهد الأكثر بؤساً من بين مشاهد حصاد القصب.. كان يتمثل في مرارة الانتظار, وفي لمعة الانكسار المنبعث من عيون أولئك المنتظرين للفَرَج.. تصطفّ الحمير التي يمتطيها طالبو القوت للبهائم في الموردة, وتقف على رأس أحد الغيطان التي ستطلق شرارة الحصاد فيها, ويربط كل واحد من هؤلاء حماره في الوتد الحديدي الذي بحوزته, وإن لم يكن معه ذلك الوتد .. ربط حماره في جريدة دانية من جريد النخيل, أو اكتفى بتقييد الحمار إن كان من النوع الهادئ, ثم يجلس على رأس الحقل المرصود جلسة القلق الحائر المترقِّب, ويقوم بحركات استعراضية بفأسه الصغير لاستهلاك الوقت, وينتظر هؤلاء البؤساء قدوم العريس ( صاحب الحقل ) بفارغ الصبر, ويدور بين المجتمعين ذلك الحوار:
- أنت متأكد يا فلان أنّ الحاج فلان مضى على العربية؟
-عيب يا راجل .. والله شفته بعيني رايح مكتب القصب.. وأكيد المهندز مضّاه على العربية
- طيب ما جاش ليه لغاية دلوك الواكل ابوه.. خلينا نلقالنا باط قشّ نعشي بيه العقاير
- عليا الحرام البهايم على لحم بطنها من يومين
- مصيره ياجي يا عمي.. هيه الشمس حتروح فين من قفا الحصّاد ".
بعد طول انتظار يأتي صاحب الحقل منتفخ الأوداج, منتفش الرِّيش, ماشيا الهوينى, فيسأله أحد المنتظرين بلهجة استعطافية: مضيت على العربية يا عمي الحاج؟ فيجيبه بهزة رأس يفهم منها المحدقين في وجهه أنه فعل .. فينتفض المجلس كله, ويجرد الناس الفؤوس الصغيرة من أغمادها,وتبتسم العيون الذابلة,ويكبر الأمل في الحصول على حزمة خضراء من حلوق القصب, وعلى صاحب الحقل أنْ يُلقي تعليماته عن نظافة العود وخلافه بصرامة,وعلى الجميع أنْ يلتزم بتلك التعليمات دون أي اعتراض.
كان يحدث ذلك في قريتنا لعدم التوازن بين عدد المواشي وبين مساحة الأرض الزراعية كما سبق القول, ولم يكن ذلك الأمر سارياً على الأودية الفسيحة التي يستعطف أصحاب الحقول فيها الناس لتساعدهم في حصاد القصب, ويدفعون مقابلا مجزياً لتلك الخدمة,وما( وادي عبّاد ) عن ( الكلح ) ببعيد, فما أكثر القلواح هناك, وما أقل الطالبين له, وما أيسر المسافة التي تقطعها الحمير في ساعة من نهار, ولكنَّ أهل القرى يتشبثون دائما بمسقط الرأس, ويخافون من المجازفة والتجريب, ويشعرون بالغربة إذا ابتعدوا عن القرية بضعة كيلومترات.

************************************************

مقالات رائعة ترسم أرض الواقع بجمالها ورونقها  وتعبها وشقائها.. تصف الجمال المتخفي والذي لا يعرفه الا من يعيشه، دام الإبداع والتميز شاعرنا الكبير ، موفق دائما ان شاء ألله تعالى. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم